صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

التنافسية... سباق عالمي نحو الريادة

مصطفى عبد العظيم (دبي)

تحولت العلاقات الاقتصادية بين دول العالم المختلفة إلى قضية أساسية للمناقشات والاهتمام على المستوى الدولي، وأصبحت العولمة تختصر في القدرة التنافسية، والتي تكمن أهميتها في المساعدة على القضاء على أهم العقبات التي تواجه الكفاءة والإنتاجية، ألا وهي عقبة ضيق السوق المحلي.
وترتبط القدرة التنافسية كإطار للتنمية الاقتصادية لبلد ما بمعدلات الإنتاجية فيها، وتعتبر من الحوافز التي تعمل على تحسين مستويات المعيشة، فمع رفع مستويات الإنتاجية، يمكن للاقتصاد أن يتمتع بعملة قوية وعائدات جذابة لرأس المال وارتفاع في الأجور، وهو ما يترجم إلى زيادة الثروات للارتقاء بمستويات المعيشة للإنسان.
وتعمل الكثير من الدول اليوم على اعتماد نهج رفع مستويات التنافسية في لب استراتيجيات التنمية الاقتصادية.
فتتنوع الوسائل والاستراتيجيات تبعاً لتنوع واختلاف العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسات والسياسات من دولة إلى أخرى.
ويعد هذا هو السبب في عدم وجود تعريف معتمد عالمياً من قبل كل دول العالم، إلا أن معظم تعاريف مفاهيم التنافسية تتفق في شيء واحد وهو التأكيد على ارتباط قوي بين تحسين قدرة الاقتصاد على توليد الثروة (الإنتاجية) وتعزيز مستويات المعيشة لشعوبها.
كما تعزز القدرة التنافسية التركيز على التجارة والمنافسة العالمية، ومع الطرح والتطوير المستمر للسياسات الناجحة والهادفة إلى تشجيع الشركات للخوض في والاستفادة من الأسواق الإقليمية والعالمية بشكل أكبر، ترتفع معدلات النمو الاقتصادي الذي تعززه التنافسية، وبالتالي، تعزز مستويات الرفاه والرخاء للأفراد والمؤسسات.
ويعتبر توفر البيئة التنافسية وسيلة فعالة لضمان الكفاءة الاقتصادية وتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة.
وتعتبر التنافسية مؤشراً للقوة الاقتصادية ومدخلاً لاستمراريتها، فقوة أي دولة من قوة اقتصادها وبتفوقه على الاقتصاديات الأخرى وقدرته على المنافسة الداخلية والخارجية، يحتم على الحكومات الاهتمام بموضوع التنافسية والاستفادة من مفهومها حتى تتمكن من تحقيق التطوير والنمو.
مفهوم التنافسية يتميز بالحداثة، حيث كان أول ظهور له خلال الفترة (1981 - 1987) التي شهدت عجزاً كبيراً في الميزان التجاري للولايات المتحدة الأميركية (خاصة في تبادلاتها مع اليابان) وزيادة حجم الديون الخارجية.
واستمر الاهتمام بمفهوم التنافسية كنتاج للنظام الاقتصادي العالمي الجديد وبروز ظاهرة العولمة، وكذا التوجه العام نحو تطبيق نظام السوق.
واختلف الاقتصاديون والهيئات الاقتصادية الدولية على تحديد مفهوم محدد ودقيق للتنافسية، إذ ينطلق بعضهم من مفهوم ضيق يختصرها في تنافسية السعر والتجارة، ويستعمل البعض الآخر مفهوماً واسعاً لها يكاد يشمل جميع مناحي النشاط الاقتصادي، وهذا ينعكس جلياً في التعداد الكبير للمؤشرات المستعملة لقياس القدرة التنافسية.
وعلى الرغم من تعدد هذه التعريفات، فإنها تشترك في كونها تستخدم دوماً على المستوى الدولي.
ويمكن تقسيم تعريفات التنافسية إلى ثلاث مجموعات رئيسة، تأخذ الأولى منها بعين الاعتبار حالة التجارة الخارجية للدول، بينما تضيف الثانية مستويات معيشة الأفراد، فضلاً عن التجارة الخارجية، وتقتصر الثالثة على مستويات معيشة الأفراد، ونستعرض فيما يلي مجموعة التعاريف هذه.
يتمحور تعريف التنافسية حول قدرتها على تلبية رغبات المستهلكين المختلفة، وذلك بتوفير سلع وخدمات ذات نوعية جديدة تستطيع من خلالها النفاذ إلى الأسواق الدولية.أي أنها تعني القدرة على إنتاج السلع والخدمات بالنوعية الجيدة والسعر المناسب وفي الوقت المناسب، وهذا يعني تلبية حاجات المستهلكين بشكل أكثر كفاءة من المنشآت الأخرى.
وهناك تعريف آخر لها يتمثل في القدرة على تزويد المستهلك بمنتجات وخدمات بشكل أكثر كفاءة وفعالية من المنافسين الآخرين في السوق الدولية، مما يعني نجاحاً مستمراً لهذه المؤسسة على الصعيد العالمي في ظل غياب الدعم والحماية من قبل الحكومة، ويتم ذلك من خلال رفع إنتاجية عوامل الإنتاج الموظفة في العملية الإنتاجية.
وتُعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) التنافسية على أنها «المدى الذي من خلاله تنتج الدولة – في ظل شروط السوق الحرة والعادلة – منتجات وخدمات تنافس في الأسواق العالمية وفي نفس الوقت تحقق زيادة في الدخل الحقيقي لأفرادها في الأجل الطويل». ويرى معهد التنافسية الدولية أن التنافسية تعني قدرة الدولة على الإنتاج بمعدلات أكثر وأكفأ نسبياً، حيث يقصد بالكفاءة - أن يبيع أكثر من السلع المصنعة مع التحول نحو السلع عالية التصنيع والتقنية، وبالتالي ذات القيمة المضافة العالية في السوقين الخارجي والمحلي، وبالتالي تتحصل الدولة على عوائد أكبر متمثلة في دخل قومي أعلى ومتزايد للفرد، وهو أحد عناصر التنمية البشرية.
ويرى المعهد كذلك أن التنافسية تستقطب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بما توفره الدولة من بيئة مناسبة مما ينتج عنه من المزايا التنافسية التي تضاف إلى المزايا النسبية.

أهمية التنافسية
يوفر النظام الاقتصادي العالمي الجديد - المتمثل في تحرير قيود التجارة العالمية - تحدياً كبيراً وخطراً محتملاً لدول العالم أو بالأحرى شركاته، وخاصة تلك الموجودة في الدول النامية، إلا أن هذا النظام يشكل فرصة للبلدان النامية إن أمكن الاستفادة منه.
ذلك أن أهمية التنافسية تكمن في تعظيم الاستفادة ما أمكن من المميزات التي يوفرها الاقتصاد العالمي والتقليل من سلبياته.
ويشير تقرير التنافسية العالمي إلى أن الدول الصغيرة أكثر قدرة على الاستفادة من التنافسية من الدول الكبيرة، حيث تعطي التنافسية الشركات في الدول الصغيرة فرصة للخروج من محدودية السوق المحلي إلى رحابة السوق العالمي.
ويطرح مفهوم التنافسية مضمون الشراكة الفاعلة والحقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص لاتخاذ القرار الصحيح، والذي يتطلب آلية تكفل تحويل المعلومة إلى معرفة من خلال تجميع المعلومات الأولية وتحليلها ودراستها، ومن ثم وضعها في إطار عام ومنطقي يسهل استيعابه، وبالتالي استخدامه كمرجع يربط الاستراتيجيات التنموية المختلفة ببعضها.

أنواع التنافسية
يمكن التمييز بين عدة أنواع من التنافسية، أهمها تنافسية التكلفة أو السعر، فالبلد ذو التكاليف الأرخص يتمكن من تصدير السلع إلى الأسواق الخارجية بصورة أفضل ويدخل هنا أثر سعر الصرف، إضافة إلى التنافسية غير السعرية، باعتبار أن حدود التنافسية معرفة بالعديد من العوامل غير التقنية وغير السعرية، فإن بعض الكتاب يتكلمون عن المكونات غير السعرية في التنافسية.
أما التنافسية النوعية، فتشمل بالإضافة إلى النوعية والملاءمة عنصر الإبداع التكنولوجي، فالبلد ذو المنتجات المبتكرة ذات النوعية الجيدة الأكثر ملاءمة للمستهلك، وحيث توجد به المؤسسات المصدرة ذات السمعة الحسنة في السوق يتمكن من تصدير سلعة أعلى أسعاراً من السلع المنافسة.

التنافسية التقنية:
حيث تتنافس المشروعات من خلال النوعية في صناعات عالية التقنية، فيما تركز التنافسية الظرفية أو الجارية، على مناخ الأعمال وعمليات المؤسسات واستراتيجياته، وتحتوى على عناصر مثل التزويد والتكلفة والنوعية والحصة من السوق.

التنافسية المستدامة:
وتركز على الإبداع التكنولوجي ورأس المال البشرى والفكري، وتحتوي على عناصر، مثل التعليم ورأس المال البشرى والإنتاجية ومؤسسات البحث والتطوير والطاقة الإبداعية والوضع المؤسسي وقوى السوق.
وتدفع الأبعاد الأساسية في التنافسية إلى الاهتمام بجوانب عديدة، منها مستوى التحليل، حيث يتدرج من مستوى المشروع إلى مستوى القطاع، ثم إلى مستوى الدولة ومستوى الإقليم، وكذلك الشمول، ويتمثل في تحقيق الأهداف بأقل التكاليف، والفعالية والاختبار الصحيح للغايات، إضافة إلى جانب النسبية، حيث إن التنافسية في جوهرها تعني مقارنة نسبية بين الاقتصاديات، سواء كانت دولاً أو مشروعات أو أقساماً في المشروع الواحد، أو بين أي منها في فترتين زمنيتين.

القدرة التنافسية
تنبع أهمية القدرة التنافسية من كونها تعمل على توفير البيئة التنافسية الملائمة لتحقيق كفاءة تخصيص الموارد واستخدامها وتشجيع الإبداع والابتكار، بما يؤدي إلى تحسين وتعزيز الإنتاجية والارتقاء بمستوى نوعية الإنتاج ورفع مستوى الأداء وتحسن مستوى معيشة المستهلكين عن طريق تخفيض التكاليف والأسعار.
إضافة إلى أن التنافسية تساعد على القضاء على أهم العقبات التي تواجه تحسين الكفاءة والإنتاجية، ألا وهي مشكلة ضيق السوق المحلي، والتي تحول دون الاستفادة من وفورات الحجم الكبير وعليه، فإن توفير البيئة التنافسية تعتبر وسيلة فعالة لضمان الكفاءة الاقتصادية وتعزيز النمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة.
وتعرف القدرة التنافسية، طبقاً لتقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، بأنها قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق مكاسب سريعة ومستدامة في مستويات المعيشة، حيث تعكس القدرة التنافسية الصفات الهيكلية الأساسية لكل اقتصاد وطني.
واعتمد هذا التقرير نموذجاً لقياس القدرة التنافسية للدول يستند إلى 9 عوامل هيكلية أساسية تم تحديدها وبيان كيفية قياسها استناداً إلى العديد من الدراسات النظرية والتطبيقية القياسية.
وتتمثل هذه العوامل في الاستثمار الأجنبي، ودور الحكومة في النشاط الاقتصادي، ومدى انفتاح الاقتصاد على التجارة الخارجية، وتطور الأسواق المالية، ونوعية كل من البنية التحتية والتكنولوجيا، والإدارة في قطاع الأعمال والمؤسسات القضائية والسياسية، فضلاً عن مرونة سوق العمل.
وانطلاقاً من أن مفهوم التنافسية يستخدم على مجال واسع ومعايير متفاوتة وغير محددة، فإنه يمكن تعريف القدرة التنافسية بأنها تتمثل في الكيفية التي تستطيع بها المؤسسة أو الدولة أن تستخدم تدابير وإجراءات معينة تؤدى إلى تميزها عن منافسيها وتحقق لنفسها التفوق والتميز عليهم.
وبالتالي، فإن القدرة التنافسية للمنتجات السلعية والخدمية محصلة لعوامل عديدة متداخلة ومتباينة في أنماطها وتأثيراتها.

دور الحكومة:
تلعب الحكومة دوراً مهماً في زيادة القدرة التنافسية للسلع والخدمات من خلال توفير خدمات البنية التحتية المساندة، وإتباع السياسات الاقتصادية والإجراءات الإدارية المعززة للقدرة التنافسية، إضافة إلى وضوح وشفافية القوانين المنظمة للبيئة الاستثمارية.

تكاليف الإنتاج:
ويعتبر هذا العنصر من أهم محددات القدرة التنافسية لارتباطها بتحديد أسعار المنتجات، وترتبط القدرة التنافسية بعلاقة عكسية مع تكاليف الإنتاج، بمعنى أن القدرة التنافسية لمؤسسة معينة تزداد كلما تمكنت هذه الأخيرة من تخفيض تكاليف إنتاجها.

الجودة والنوعية
تتعزز القدرة التنافسية لمؤسسة معينة من خلال رفع وتحسين مستوى جودة ونوعية منتجاتها، وذلك عن طريق الاهتمام بنوعية وجودة مدخلات الإنتاج ومستوى مهارات العاملين ومدى استيعابهم للتكنولوجيا الحديثة، وبالتالي مستوى إنتاجيتهم.
ويتحقق التمييز النوعي لمنتج معين من خلال كفاءة نظام التسليم والسوق والتوزيع وخدمات ما بعد البيع.