أرشيف دنيا

الاتحاد

مازاغان تحتضن متحفاً مفتوحاً لمآثر عمرانية تاريخية

مبنى المسرح البلدي الذي أسس عام 1930

مبنى المسرح البلدي الذي أسس عام 1930

لا يمكن لزائر مدينة الجديدة أو «مازاغان»، كما كانت تسمى في الحقبة التي عاشتها هذه المدينة تحت الاستعمار البرتغالي، إلا أن يصاب بالذهول ويتسمّر واقفاً أما معالمها الأثرية ذات الطابع الكلاسيكي الرفيع المتبقي من حقب سابقة خاصة العصر الاستعماري الفرنسي بمعماره المتميز وهندسته الفاتنة التي غابت حتى في فرنسا نفسها لأن هتلر دمرها غداة الحرب العالمية الثانية.

تشد مدينة الجديدة أو «مازاغان» زائرها من تلابيبه، إذ عرفت كإحدى المدن الشاطئية التي شيّد فيها البرتغال قلعة عملاقة يسميها أهل المدينة «قلعة البريجة»، وفي القلعة يمكن أن تتعرف فيها على كاتدرائيات ومساجد ومنازل تحمل لمسات معمارية تنطق بالدقة والكلاسيكية التي لا ينخرها الدهر مهما طال.
عطيل مر من هنا
في قلب البريجة يمكن زيارة المسقاة البرتغالية التي تعتبر تحفة معمارية صنفتها اليونسكو تراثاً إنسانياً وعالمياً. وكانت هذه المسقاة مخزناً للماء والسلاح خلال قرون الاحتلال البرتغالي لهذه المدينة الوديعة.
وعند هروب عساكر وجيوش الاحتلال البرتغالي لهذه المدينة خلال القرنال17. لم يفطن أحد لوجود تلك المسقاة حتى اكتشفها مواطن مغربي يهودي كان بصدد توسيع محله الذي يمارس فيه التجارة، فإذا بالماء يتدفق من ذلك الصهريج ليتم اكتشاف المسقاة البرتغالية التي أصبحت اليوم ومنذ عقود طويلة مزاراً ووجهة مفضلة للسياح من مختلف أنحاء العالم، وعشاق المآثر العمرانية الخالدة، خاصة أن المسقاة البرتغالية مثلت فيها أعمال سينمائية خالدة وعلى رأس تلك الأعمال رائعة المخرج البريطاني الشهير أورسن ويلس الذي صور فيها بعض المشاهد من رائعته «عطيل».
المسرح البلدي
لا يمكن لزائر مدينة الجديدة إلا أن ينبهر بالطابع المعماري الذي شيد به المسرح البلدي سنة 1930 والذي يعتبر من أشهر المسارح في المغرب، وهو مفخرة المدينة وهو مصمم على شكل دار للأوبرا، وأول عمل مسرحي قدم على خشبة هذا المسرح العريق المسرحية الشهيرة لرائد المسرح الفرنسي «موليير» التي تحمل اسم «المريض بالوهم» سنة 1930.
كما شهد هذا المسرح تقديم مسرحية مغربية قام بتشخيصها مجموعة من اليهود المغاربة وكانوا من سكان مدينة الجديدة وهى مسرحية رائدة تؤسس لبدايات المسرح المغربي. أما كاتب هذه المسرحية التي تحمل اسم «أبن عويشة»، فهو المغربي اليهودي حاييم الذي كان يمتهن الحلاقة في المدينة.
ويعود تاريخ تقديم تلك المسرحية إلى سنة 1946.
معمار متميّز
يجاور المسرح البلدي مكتب بريد المغرب، وهو تحفة معمارية تذهل السياح الأجانب نظراً لطرازه المعماري الرفيع الذي يؤرخ لفترة معمارية متميّزة بدأت تنقرض للأسف خاصة وأن البنايات المحسوبة على رؤوس الأصابع لم تخضع لتدخلات العلاج والصيانة وهي معرضة دوماً للتآكل والانهيار رغم استغاثاتها المتتالية. ولا يمكن للسائح إلا أن يقف منبهراً أمام هذه المعلمة التي كانت من إبداع مهندس شهير، وما زالت البناية تحتفظ باسمه على جدارها، اعترافاً بعظمة هذا المهندس الذي صمم بنايات أخرى كثيرة في الدار البيضاء وفرنسا.
كما توجد في قلب مدينة الجديدة بناية بنك المغرب التي صمّمت بطراز يمتزج فيه الطراز الإسلامي المغربي بالطراز الفرنسي، معلمة عمرانية لا يمكن إلا أن تقف منبهراً أمامها، وأمام براعة النقوش الجميلة التي حفرت على جدرانها ببراعة فائقة.
مصارعة الزمن
على بعد مسافة قليلة من قلب هذه المدينة ومتحفها المعماري المفتوح أمام الناس، نجد بنايات أخرى تصارع الزمن وهي بنايات تحمل الطابع الفرنسي الكلاسيكي العريق.
وتجلب تلك البنايات العشرات بل المئات من عشاق التراث المعماري خاصة ممن لهم شغف بالهندسة المعمارية.
فنجد طلبة اعرق المدارس وكليّات الهندسة في فرنسا يتزاحمون أمام تلك البنايات لأخذ صورهم أمامها وهم يقفون منبهرين أمام عبقرية جيل نهاية القرن 18 وبداية القرن 19، وهو جيل صنع وأدهش العالم بتلك التصاميم الهندسية والعمرانية الخالدة التي ما تزال تصارع من أجل البقاء.

بنايات يتربص بها تجار العقار لتحويلها إلى بنايات سكنية تخلو من كل جمالية وشاعرية.

اقرأ أيضا