الاتحاد

عربي ودولي

الدور التركي في التسوية السياسية بين الدوافع الاستراتيجية والتحديات الاقليمية

محمد أبو الفضل:
كلما زار مسؤول تركي سوريا أو فلسطين أو حتى إسرائيل ، أو العكس ، تجدد الكلام حول إمكانية قيام أنقرة بدور ايجابي في عملية التسوية السياسية بالمنطقة، وقد ظهرت معالم ذلك عند زيارة الرئيس بشار الأسد لتركيا مطلع العام الماضي وأثناء زيارة رجب طيب أردوغان لدمشق في نهايته ، وتكرر المشهد قبل أيام عندما قام أردوغان بزيارة كل من اسرائيل والأراضي الفلسطينية ،
وطـرح ذلك عدة تساؤلات بشأن طبيعة الدور التركي وجديته وأهدافه وقدرته على المساهمة في التسوية النهائية ومدى قبول الأطراف المعنية ، إقليمية ودولية ، لهذا الدور ومساعدته أو تفشيله، فخلال زيارة أردوغان الأولى لدمشق أعلن استعداده للوساطة بين سوريا واسرائيل، وهو ما رفضته الأخيرة ، لأسباب تتعلق برؤيتها لأولوية ملفاتها الإقليمية والشروط القاسية لنظرتها للسلام مع سوريا ، وفى زيارته الثانية ، لإسرائيل وفلسطين ، أعيد الموقف في صورة مماثلة تقريبا ، حيث قال رئيس الوزراء التركى ' إننا على استعداد لبذل كل ما فى وسعنا للمساهمة في السلام '، في حين رحب فيه الرئيس محمود عباس بهذا الاتجاه ، رفضته إسرائيل وطلب سيلفان شالوم وزير خارجيتها بحصر دور أنقرة فى مساعدة الفلسطينيين في المجالين الاقتصادي والانسـاني، أي أن الأفق السياسي لا يدعو الى التفاؤل بالمرة ·
تكشف هذه الملامح عن رغبة تركيا في الاقتراب من المنطقة ومشكلاتها للقيام بدور إقليمى يتناسب مع طموحاتها الساعية الى الحركة والتأثير في الأحداث وتطوراتها، بما يتواءم مع قدراتها السياسية والاقتصادية الصاعدة، فإذا كانت نجحت في تحقيق تقدم في مسألة دخولها الاتحاد الأوروبي ،فإن الوقت لا يزال طويلا وفي حاجة إلى جهود وتحركات واسعة حتى تصل إلى هدفها المحوري، لذلك فالحضور السياسي في المنطقة لا يساهم في تعزيز مكانتها فقط، بل يفتح الباب أمام الأوروبيين للاستفادة من أنقرة كحلقة مهمة بين الغرب والشرق ، ويمكن أن تلعب دورا في تنفيذ اجندتهم التي تواجه تحديات دقيقة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، ولأن التسوية السياسية دخلت منعطفا غامضا، فتركيا قد تجد لها دورا في فتح إحدى ثغراته، مستندا إلى الدعم السورى والتأييد الفلسطيني، ومستفيدة من علاقاتها الجيدة مع إسرائيل ، باعثة برسالة إلى واشنطن تفيد بأنها قادرة على المساعدة وضبط بعض التوازنات المختلفة، مذكرة إياها بأن دخولها على خط التسوية قد يخفف عنها بعض الضغوط الواقعة عليها فى العراق، إذ من المنتظر أن يفتح طاقة فى جدار الممانعة التركية للتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة فى العراق ·
مزايـا نوعيـة
بكلام آخر هناك محاولات جادة من قبل أنقرة للقيام بدور فاعل في عملية التسوية، وكل الإشارات المتقطعة التي صدرت فى أوقات متفاوتة تنطوي على أهداف لها علاقة وثيقة بحسابات تركيا الإقليمية وتوجهاتها الدولية ، فأي دور حقيقي في هذا المجال يضمن لتركيا عدة مزايا، أولا الاعتراف بنجاح حكومة حزب العدالة والتنمية في الوصول لفك شفرات المعادلة الصعبة، أي التواصل مع أوروبا والتقارب مع الولايات المتحدة والتمتع بوهج إقليمي لافت، عجزت كافة الحكومات السابقة عن تحقيقه، وثانيها الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع إسرائيل والعرب، فكل الإشارات والاجتهادات التي نتجت عن تطوير التعاون بين أنقرة وتل أبيب أكدت على نتائجه السلبية وتأثيراتها على علاقتها مع الدول العربية ، وفى حالة القيام بدور ما فى التسوية تتراجع أهمية هذه الاستنتاجات، وتتقدم تركيا عدة خطوات لمصاف القوى الإقليمية المؤثرة، وثالثها حل واحدة من مشكلاتها العميقة، فهـي دولة كبيرة ولها ثقل متعدد وفى مجالات مختلفة ، لكنها تفتقر إلى التفاعل والتأثير الايجابي فى محيطها الجغرافي، بسبب جملة كبيرة من التحديات، لذلك فدخولها نفق التسوية يحمل دلالات باحتمال تخفيف حدة الرفض لدورها الخارجي ويهيىء أمامها فرصة لتثبيت أركان سياستها الشرق أوسطية ·
وإذا كانت تركيا راغبة في القيام بدور في عملية التسوية ،مدفوعة بمجموعة من التقديرات السياسية ومدعومة من قبل سوريا والقيادة الفلسطينية، فإن هناك عوامل تكبح التقدم في هذا الطريق وثمـة دول لديها هواجس وتحفظات متعددة، معلنة وخفيفة، وباعتقاد بعض المراقبين أن أي دور تركي نشط في المنطقة من الراجح أن تكون له تأثيرات غير مواتية على التحركات الأردنية والطموحات المصرية، لذلك فعمان والقاهرة في مقدمة العواصم التي تنظر بحذر إلى المعلومات الرائجة حول مساهمة تركيا في التسوية السياسية، فأحد أهم مظاهر الدورين المصري والأردني في المنطقة يتعلق بهذا الملف تحديدا ( التسوية ) ولعبا فيه، سويا وفرديا، دورا كبيرا طوال الفترة الماضية، وكان مؤثرا، بغض الطرف عن نتائجه، والمشكلة أن التوجه التركي في فضاء التسوية ستكون له انعكاسات أخرى في قضايا مهمة مثل العراق، التي تبدو أنقرة متفاعلة مع تطوراته وحاضرة فى كل اجتماعاته الإقليمية، وبالتالى فالتقويم الموضوعي للرغبة التركية من الواجب أن يأخذ في حسبانه البيئة الإقليمية وما يموج فيها من تطورات درامية في أزماتها المتتالية·
وبالنسبة للولايات المتحدة، تؤكد غالبية المؤشرات أن هناك علاقة تاريخية جيدة بين واشنطن وأنقرة تقوم على التفاهم حول عدد من المصالح الاستراتيجية، وأن الغيوم التي نتجت عن الموقف التركي من الاحتلال الأمريكى فى سبيلها للتبدد، بعد قيام أنقرة بإعادة النظر في بعض تقديراتها السابقة، وعقب ممارسة الولايات المتحدة لأنماط مختلفة من الضغوط على الحكومة التركية، أكثرها خطورة ما يتردد حيال تحريضها لقيادات في المؤسسة العسكرية للتمرد على سياسات حزب العدالة والتنمية، وهو ما ظهرت تجلياته في الخطاب الذى ألقاه حلمي أوزكوك رئيس الأركان التركي في العشرين من إبريل الماضي، وركز فيه على أن تركيا دولة ' علمانية وحضارية وديمقراطية ' ،في إشارة إلى عدم استبعاد تدخل هذه المؤسسة لفرملة سياسات حزب العدالة ·
ويمكن القول ان الممانعة الأميركية لأي دور تركي في عملية التسوية تأتي انطلاقا من ثلاثة محددات أساسية ، الأول عدم الاهتمام الأمريكى الكامل بالتوصل الى تسوية سياسية نهائية في الوقت الراهن وترك أفقها مفتوحا على احتمالات متباينة حتى تتم بلورة رؤية حاسمة، والثانى تضخيم دور تركيا الاقليمى يعطي لها مزايا نوعية للمشاركة فى صراعات أخرى لها مصالح مباشرة فيها، ما يعصف بالتوازنات الهشة التى ترعاها الولايات المتحدة ،والثالث فتح الباب لخلق حساسيات لدى دول إقليمية معينة، مما يضاعف من حجم الأزمات في المنطقة ويخلط أوراقها ويؤدي إلى إثارة نعرات جديدة تتسبب في تدمير الإجراءات التي تسعى واشنطن لدشين مكوناتها ·
تنافـس وتحديـات
أما بالنسبة لإسرائيل، فموقفها الرافض لدور تركيا في التسوية في غاية الوضوح وكررته في كل مناسبة تجدد فيها الكلام حوله، ويمكن تقسيم هذا الرفض الى قسمين، أحدهما ينبع من عدم استعدادها للدخول في تسوية حقيقية ورغبتها في استمرار سياسـات المناورة والتهرب من الوفاء بالاستحقاقات العربية، كما أن دخول وسطاء جدد على المستويين الاقليمى والدولي يفرض عليها التزامات ليست في حاجة إليها، والآخر يتعلق بتركيا وتصوراتها، فإسرائيل تمتلك علاقات جيدة معها، لكنها غير راغبة في مساعدتها لتكون لاعبا رئيسيا في المنطقة، ولن ينسى شارون أن أردوغان نفسه وصف منذ حوالي عام ما تفعله قوات الاحتلال الاسرائيلى في الأراضي الفلسطينية بأنه 'إرهاب دولة' ،وبالتالي هناك اعتقاد جازم لدى بعض الدوائر السياسية أن الدور التركي سيكون موضوعيا بدرجة كبيرة ، أي منحازا للفلسطينيين والسوريين من وجهة النظر الإسرائيلية·
وعلى هذا الأساس فالعلاقات التركية- الإسرائيلية ليست بالبساطة التي يتصورها البعض ليتم اختزالها في شقها الايجابي الخاص بالتعاون العسكري والاقتصادي ، أو في شقها السلبي المتعلق بالموقف التركي من القضية الفلسطينية ورفض احتلال إسرائيل للأراضي العربية ، بل هي أعقد من ذلك بكثير، فهناك ملفات لا يتم التركيز عليها ، وتوجد قضايا شائكة تظهر من حين لآخر ، لذلك عندما تطفـو على السطح هذه أو تلك ، ربما تكون غاية فى الأهمية ، ويمكن الإشارة الى خمسة ملفات وقضايا رئيسية متداخلة ، أولها العلاقة مع الولايات المتحدة كحليف استراتيجي لكليهما ، فأحد أبرز عناصر قوة إسرائيل علاقتها الوطيدة بواشنطن والتي تسعى أنقرة للوصول الى درجة مماثلة أو قريبة منها، وتخشى تل أبيب من ذلك لأنه يؤثر على مصالحها الإقليمية ، وثانيها اقتراب تركيا من دخول النادي الأوروبي يعزز قوتها ، على الرغم من المزايا التفضيلية التي تحظى بها إسرائيل فى الاتحاد الأوروبي ، الأمر الذي يمهد الطريق لهدف أنقرة في أن تكون حلقة وصل بين الغرب والشرق على حساب اسرائيل ، وثالثها العلاقات التاريخية بين تركيا والدول العربية تدحض أفكار بعض الأوساط بشأن أن تصبح أنقرة معبرا لإسرائيل إليها، ورابعها وجود حزب العدالة والتنمية في سدة السلطة بتوجهاته الإسلامية يقلق إسرائيل مهما حاول قادته تليين مواقفهم الخارجية وتلطيف تصريحاتهم السياسية، وخامسها انفتاح إسرائيل على كل من الأرمن والأكراد يزيد من هواجس تركيا ويجعلها أكثر حذرا في التعامل مع تل أبيب في القضايا المصيرية ·
وتقودنا هذه الاستنتاجات الى تأكيد ما ذهب إليه بعض الخبراء إزاء حتمية التنافس الاقليمى بين تركيا وإسرائيل في المستقبل على مناطق النفوذ ، ومهما بلغت رطوبة الأجواء بينهما فان التقاطع الكبير حول عدد من المصالح الاستراتيجية سوف يؤدى إلى الصراع أو تكريس التباين بينهما، فهناك نقاط خلاف كثيرة تتعلق بقضايا حيوية تلامس عددا من ثوابت الطرفين، وأن ما يجري من شد وجذب في المشهد الاقليمى بينهما يحمل في طياته مؤشرات توتر مكتوم يمكن أن يظهر عند المحكات الرئيسية ·

اقرأ أيضا

الشرطة الأفغانية تعتقل قائدين بارزين من طالبان