أرشيف دنيا

الاتحاد

الإعلام الجديد بين مسؤولية الشركات والمستخدمين والمخاوف على حرية التعبير

مبنى محكمة العدل الألمانية التي طبقت قوانينها على شركة أميركية  ( مصدر الصورة .panoramio.com)

مبنى محكمة العدل الألمانية التي طبقت قوانينها على شركة أميركية ( مصدر الصورة .panoramio.com)

بينما ترفض وسائل الإعلام التفاعلي والاجتماعي تحمل مسؤوليتها في الحد من محتويات التشهير والقدح، تزداد محاولات الأجهزة الرسمية والقضائية في العالم لوضع قواعد تواجه هذه الظاهرة مع اختلاف في الدوافع أحيانا. وشهدت الفترة الأخيرة عدة حالات تبين أن الواقع الراهن لطريقة تعاطي الشبكات مع هذه القضايا قد لا يستمر طويلا، خاصة مع بعض الأحكام القضائية ذات العلاقة والتي من شأنها أن تؤدي إلى مراجعة أو تشدد في بعض المحتويات، في ظل ازدياد المطالبات والشكاوى المرفوعة وسط تساؤلات عن المدى الذي يمكن أن تذهب إليه مسؤولية مواقع التواصل الاجتماعي بهذا الشأن مستقبلا.

بعد صدور حكم قضائي من محكمة ألمانية فيدرالية ذات علاقة بقضايا تطاول مواقع التواصل الاجتماعي، جاء طلب السلطات الهندية الأسبوع الماضي من شركات الإنترنت بإزالة «المحتويات المهينة» لينعش الجدل في دولة تؤكد أنها لا تطبق الرقابة.
الهند والاتصالات
في الهند رفضت شركات الإنترنت طلب وزير الاتصالات كابيل سيبل رصد وإزالة المحتويات التشهيرية أو المهينة للآخرين. وقالت صحيفة «هيندوستان تايمز»، بعد اجتماع عقده سيبل في نيودلهي مع ممثلي هذه الشركات، ومنها فيسبوك وجوجل وياهو، إن الأخيرة ردت على طلبه بأن حجما كبيرا من المحتويات التي تظهر على مواقعهم للتواصل الاجتماعي مصدرها الهند، وأنها غير مسؤولة عن إصدار أحكام على هذه البيانات.
وكان سيبل طرح مثالا عن حجب موقع ديني بسبب نشره صورا إباحية، وفق الصحيفة نفسها. كما شكا المسؤول الهندي من موقع تهجم على رئيسة حزب المؤتمر الواسع النفوذ سونيا غاندي. وبرر طلب الإزالة بأن على البشر، وليس التكنولوجيا، رصد وفلترة المحتويات قبل وضعها على الشبكة. ونقلت صحيفة «تايمز أوف إنديا» عنه قوله إن «الحكومة الهندية لا تؤمن بالرقابة بل تؤمن في التنظيم الذاتي». لكن ذلك لم يمنع من هبوب عاصفة انتقادات لطلباته على موقع «تويتر» حيث عبر كثير من المستخدمين عن غضبهم من أي محاولة لوضع قيود على استخدام الإنترنت، ما عزز الأجواء التي تشير إلى صعوبة التوصل إلى حل قريب بين الحكومة والشركات المعنية.
محاكمة ألمانية
أضاء حكم أصدرته محكمة العدل الاتحادية الألمانية في نوفمبر الماضي على جانب مهم من الجدل بشأن مسؤولية شركات الإنترنت ومواقع التواصل عن محتويات التشهير والقدح والتجريح. فقد قضت هذه المحكمة، ومقرها في كارلسروي بصلاحية تطبيق القانون الألماني في قضية تشهير على خلفية ما جاء على إحدى صفحات خدمة المدونات «بلوجبوست»، التي تملكها جوجل. كما أمرت المحكمة بإحالة مدى مسؤولية جوجل فيما يتعلق بمزاعم التشهير إلى محكمة الولاية في هامبورج في قرار أثار توقعات بتداعيات عديدة على مزودي الإنترنت في ألمانيا. وكانت القضية بدأت في سبتمبر الماضي عندما استمعت المحكمة نفسها، وهي أعلى محكمة جنائية في البلاد، إلى قضية مثيرة للنقاش ضد جوجل أقامها رجل المأني (لم يكشف عن اسمه)/ لنشر المدونة أنه أصدر بطاقة ائتمان «عمل» من أجل أن يدفع فواتير ناد، وذلك في سياق تناول المدونة الحياة على جزيرة مالوركا الإسبانية حيث أقام صاحب الشكوى لبعض الوقت.
ووفق لما ذكرته الشبكة الألمانية «دويتشيه ويلليه» فإن دفاع جوجل عن نفسها تركز على أن القانون الألماني لا ينطبق على ظرف هذه القضية، وأن جوجل شركة أميركية لا تخضع لهذا القانون. لكن المحكمة رفضت هذه الحجة. وأوضحت أن القواعد المتبعة في مثل هذه الظروف هي إحالة الشخص الشاكي إلى الشخص الذي كتب أو أدخل المدونة من أجل الإيضاح أو النفي أو التعليق عليها. وفي حال رفض صاحب المدونة ذلك خلال «وقت معقول»، يمكن عندها اعتبار تهم التشهير الموجهة إليه حقيقية، أو يتحتم عليه تقديم دليل على ما نشره وإلا واجه إدانة بـ»انتهاك الحقوق الشخصية»، وعلى خدمة التدوين (وهي جوجل في هذه الحالة) إلغاء النص الذي تم الاعتراض عليه.
أما عن الشق المتعلق بمدى مسؤولية جوجل في هذه الحالة فقد أحالته محكمة العدل إلى المحكمة العليا في هامبروج «لمعرفة إذا كانت جوجل ستتابع تنفيذ إجراءات» الحكم القضائي. وقالت «دويتشيه ويلليه» إن عددا من نشطاء الإنترنت شعروا بالقلق من أن يكون لهذا الحكم أثر سلبي لحرية التعبير على الإنترنت.
رسائل نصية
الواقع أن ما ينطبق على مواقع التواصل الاجتماعي، بما فيها المدونات يكاد يشبه استخدام الرسائل النصية، وهذا كلها في النهاية باتت تعتبر من وسائل الإعلام الجديد. وقد أصدرت محكمة جنح كويتية في الأسبوع الماضي أيضا حكما بتغريم اثنين من العاملين في إحدى شركات الاتصالات المحلية على خلفية بث رسالة نصية على الهواتف النقالة للمشتركين بخدمة الشركة نفسها لتضمنها نكتة اعتبرت مسيئة واستهزاء بحق إحدى القبائل وفق ما ذكرت الصحف المحلية.
وجاء الحكم بعد محاولة أولى فاشلة لدعوى جزائية بشأن إساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وبعدما قرر صاحب الشكوى، وهو محام ومن أبناء القبيلة نفسها، أن «سلطة الاتهام في المحكمة الأولى جانبها الصواب في تكييف قرار الاتهام حيث أصدرت قراراً بحفظ الأوراق»؛ فلجأ إلى التظلم أمام محكمة الجنح المستأنفة، مستنداً إلى أن القرار المتظلم منه «قد انزلق في عيب الخطأ في تطبيق القانون وفي تفسيره وتأويله وشابه الفساد في الاستدلال، وكذلك قد شابه القصور في التسيب ومخالفة الثابت بالأوراق».
وبالفعل ألغت محكمة الجنح المستأنفة قرار الحفظ وإحالة المتظلم ضدهما إلى المحكمة الجنائية إلى أن أصدرت حكماً يقضي بتغريم كل متهم خمسين ديناراً عن التهمة المسندة إليهما، ومصادرة الأجهزة المستخدمة في ارتكاب الجريمة.
وخلافا لمواقع التواصل الاجتماعي لم تتردد مؤسسات إنترنت عالمية كبرى في إيلاء أهمية بالغة للحؤول دون التشهير. ففي ويكيبيديا الموسوعة العالمية الحرة والمجانية، التي تعتبر من أولى المواقع زيارة في العالم، يقوم فريق من المتخصصين بمراقبة الشتائم والتجريح، على الرغم من أن ويكيبيديا تعتمد على الإسهام والتحرير المفتوح لمواد موسعتها والتي يمكن أن تأتي من كل مكان في العالم.
وهنا تتم حماية المحتوى بشكل مباشر من قبل جماعة من المتطوعين الذين يسمون «ويكيبيديين»، الذين يتم إعلامهم مباشرة عندما يتم تعديل أي صفحة من الموسوعة من أجل مراقبة التعديل؛ فعندما يحاول شخص ما إفساد سمعة آخر عن طريق كتابة تعليقات تشهير وافتراءات على صفحة الأخير يستطيع الويكيبيدون تغييرها في غضون دقائق.


ثقافة الشبكات
إذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي تعتمد في فاعليتها وانتشارها على أكبر قدر من حرية التعبير، فإن ليس بوسعها الدفاع عن التشهير دون أن ينال ذلك من تمسكها القانوني بهذه الحرية. بالطبع قد تتلكأ هذه المواقع في أن تتحمل هي المسؤولية أو جزء منها، فذلك يلزمها أيضا بتوظيف فرق بشرية ضخمة ويتطلب تخصيص موازنات خاصة. كما أن الرصد والرقابة قد يؤدي إلى زعزعة ثقة المستخدمين وهجران هذه المواقع شيئا فشيئا. كما أن بوسع هذه المواقع والشركات أن تتنصل، رغم أنها تتجنب إثارة ذلك كثيرا، من أي مسؤولية قانونية استنادا إلى أن شروط استخدامها تلقي المسؤولية كاملة على المستخدمين، ما يعني أن لا حل لمثل هذه القضايا سوى باللجوء إلى المحاكم والقوانين. وهذا الواقع له مؤدى آخر، وهو أن ثقافة الشبكات والعصر التفاعلي يجب أن تعزز مع الوقت الوعي بالمسؤولية الفردية عن الأخطاء القانونية وانتهاك حقوق وكرامات الآخرين في ما ينشرون. وهو وعي مطلوب بشدة في عالم اليوم. بل يكاد يكون أقل الحلول ضررا في مثل هذه الحالات، وخاصة عندما تتيسر إجراءات التقاضي. أما فرض قيود جديدة على التعبير، فإن التجارب في أكثر من مكان من العالم تثبت بأن النتيجة غالبا ما تكون سلبية ومعاكسة لأنها تؤدي إلى انتشار ظواهر تعبير أقل شفافية وأكثر خطرا.

اقرأ أيضا