أرشيف دنيا

الاتحاد

الواقع والعالم الافتراضي المفتوح

تتفاوت جداً فوائد ثورة التواصل وتكنولوجيا الاتصالات من مجتمع لآخر ومن ثقافة لأخرى. فبينما أدت في عدد من المجتمعات والدول إلى ظهور مئات آلاف الأفكار والابتكارات والمشاريع والجامعات ومدارس التعلم والتعليم المبتكرة ومجموعات الاهتمام الخاصة ذات الفائدة المتخصصة، في الاقتصاد والتعليم والتقنية والتطوير كما باقي المعارف والعلوم، ما زال استخدامها الغالب في مجتمعات أخرى يرتكز على قضايا أخرى، منها اجتماعية عامة وكثير منها شؤون جدلية ونقاشات عمومية أو معرفية تأسيسية أو استهلاكية وخدمية عادية وسط طغيان واضح للتوظيف الايديولوجي.
والسبب الظاهر وراء هذا التفاوت يكمن طبعا في أولويات الناس- جمهور المستخدمين- بين مجتمع وآخر. بل أن هذا العامل يكاد يكون “موضوعيا” بل ويعد الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون فيه الجمهور المسؤول الأول حيث يستحيل اللجوء إلى أي حجة أخرى، طالما أن الأمر يتعلق باستخدامات متاحة للجميع. أما العامل الآخر فهو من النوع التاريخي الذي لا يمكن تجميل الفضاء السيبرني مسؤوليته المباشرة. إنه سبب كامن أو علة نابعة من تداعيات الماضي. وربما لهذا الأمر يمكن تفسير أولوية مجتمعاتنا في طرح إشكاليات الهوية “الفردية، الجَمعية” متقدمة على اشكاليات التقدم العلمي أو ردم الهوة الحضارية مع أمم أخرى.
إنما لن يكون بالوسع الاستمرار على هذا المنوال إلى ما لا نهاية. وهذا هو جوهر التحول في العصر الرقمي الجماهيري. فإذا كان يطيب لكثير من المفكرين والمثقفين إلقاء المسؤولية دائما على هياكل السلطة والنظم الأخلاقية والثقافية وأطماع القوى الخارجية، سيكون من العبث الاستمرار في هذه المتاهة بعد سنوات من الآن، فثمة متغير أساسي يلوح في الأفق، حتى بدون القدرة على الحكم سلبا أو إيجابا على هذا المتغير، فإن أثر إلحاح ثقافة العالم الافتراضي المفتوح لابد سيظهر “ أفقيا – شعبيا “ أقوى مع الوقت وبشكل يجعل ما بقي من قيود أيديولوجية تحد من الاستفادة من مزايا الفضاء السيبرني، أمرا مستحيلا، خاصة إذا استمر اتساع الهوة العلمية والتكنولوجية مع الآخرين. نظريا هذا يذكر باعتقاد البعض أن المجتمع العربي لم يتمكن من ان يكون مفتوحا أو منفتحا على العالم وابتكاراته وحرياته، ليس بسبب الأنظمة، بل بسبب غياب الثقافة الأفقية. مرد هذه المعادلة يرتبط عضويا باعتقاد آخر مفاده أن المثقفين والمفكرين “أفراد ومؤسسات” يتحملون مسؤولية غياب التفكير الحر في المجتمع العربي لأنهم طالما قاموا بدور التنظير لأحزاب أو أيديولوجيات تبين لاحقا أنها بشكل أو آخر “شوفينية” واقصائية ، في غاياتها أو أدائها. قد يكون طرحنا الرهان على الوقت من أجل انفتاح الفكر والمجتمع والاهتمامات على مزايا العالم الافتراضي وفرصه الابتكارية يتلاقى مع قول المفكر الفلسطيني الراحل هشام شرابي في كتابه “نقد حضاري للمجتمع العربي”، عندما تحدث عن التغيير الأفقي ودور الجماهير وقلّل من شأن المفكرين والمثقفين في ذلك تغيير المجتمعات.
وبالمقارنة مع التفاوت الذي أشرنا إليه في البداية والتغيرات في العالم الواقعي التي أعقبت التحولات الأخيرة المفاجئة في عدد من الدول العربية، تنجلي بعض الفهم لخلفيات ما يجري فعليا، وهو أمر يجمع بين التفاؤل والحذر في آن واحد. الأول، وهو التفاؤل، بعيد مدى، أما الحذر فينطبق على رد الفعل الغالب حاليا والذي سيستمر لبعض الوقت.


barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا