تقارير

الاتحاد

الاتحاد الأوروبي... معاهدة لإنقاذ «اليورو»

أنتوني فايولا
بروكسل


انتهت القمة المهمة التي ضمت الدول 27 الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة الماضي بتعهد وبانقسام، فالتعهد كان بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بتبني معاهدة جديدة تقربهم أكثر من محاولة إنقاذ عملتهم الموحدة "اليورو". كما انتهت بانقسام عبر عنه الموقف البريطاني الرافض للمعاهدة الذي اختار البقاء خارجها، ففي القمة التي صورها القادة الأوروبيون على أنها حاسمة تاريخية في مسيرة أوروبا التي دامت لعقود من أجل التوحد بعد الحرب العالمية الثانية كانت النتيجة تنامي نفوذ ألمانيا من جهة وحيرة بريطانيا من جهة أخرى بشأن الطريق الذي ستسلكه. فبعد مباحثات ماراثونية كشفت البلدان المشاركة في القمة عن صفقة لإنهاء أزمة "اليورو" التي تهدد مجمل الاقتصاد العالمي، حيث أعلن منظمو القمة في وقت مبكر من يوم الجمعة الماضي عن توصلهم إلى اتفاق يرمي إلى صياغة معاهدة جديدة تقوم على وضع سقف لحدود الإنفاق الحكومي والإقراض، وذلك في مسعى لتعزيز دعائم "اليورو".
لكن "الفيتو" الذي استخدمه رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، «المحافظ» والمعارض لـ"اليورو"، أو التدخل الأوروبي في الشؤون البريطانية يكشف عن عدم الارتياح البريطاني من التخلي عن بعض السلطات لمصلحة المؤسسات الأوروبية، وهو ما من شأنه تعميق عزلة بريطانيا أوروبياً في وقت تتجه فيه هذه الأخيرة نحو مزيد من الاندماج والتكامل، كما أن الرفض البريطاني عقد الأمور أكثر على المنطقة الساعية للتوحد وإخماد أزمة مستفحلة تهدد بتقويض "اليورو"، فمن دون انضمام بريطانيا إلى الاتفاقية الجديدة تواجد الدول الـ 26 المتبقية عراقيل قانونية معقدة للوفاء بالتزامات المعاهدة المرتقب توقيعها، والتي ستفرض عقوبات تلقائية على الحكومات التي تنفق وتقترض بتهور.
ورغم المحاولات الدؤوبة التي بذلها القادة الأوروبيون على مدى السنتين الماضيتين لإنهاء أزمة الديون، فإنهم فشلوا في التوافق على خطة لإنقاذ "اليورو"، ما أدى إلى تمدد الأزمة من اليونان إلى اقتصادات أوروبية كبيرة في إيطاليا وإسبانيا، ومع أن الاتفاق الأخيرة الذي تم التوصل إليه في قمة يوم الجمعة الماضية يعد الأكبر من نوعه في سياق الأزمة والأكثر طموحاً، إلا أنه في نفس الوقت يبقى الأشد تعقيداً، وربما يلاقي المصير نفسه الفاشل للمحاولات السابقة، فالبلدان التي وافقت على معاهدة أوروبية جديدة عليها اختصار الوقت الذي دام في السابق سنوات إلى ثلاثة أشهر فقط.
وحتى بعد ذلك تحتاج المعاهدة إلى المصادقة من قبل كل دولة على حدة، وهو ما قد يستدعي إجراء استفتاءات وطنية في بلدان مثل إيرلندا، حيث النتيجة يلفها الكثير من الغموض، ومن بين الدول المشاركة في القمة كانت بريطانيا وحدها التي أعلنت صراحة رفضها للمعاهدة الأوروبية المقترحة، وربما التقييم الأكثر وضوحاً وصراحة للمعاهدة كان ما صرح به وزير الخارجية البولندي "دونالد تاسك"، الذي أجاب عندما سئل عما إذا كانت الاتفاق الجديد سينقذ "اليورو" قائلًا "لست متأكداً"، لكن رغم هذه الشكوك اعتبر كل من قادة فرنسا وألمانيا، اللذين يمثلان محرك الاتحاد الأوروبي، الاتفاق بأنه "اختراق حقيقي" سيعيد الثقة إلى"اليورو"، ولم تتردد المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في التعبير عن عدم اكتراثها بالموقف البريطاني، وأكدت المستشارة التي بدت غير مهتمة أنها لن تخضع للمطلب البريطاني الذي يتوقع المراقبون بقبوله في النهاية والمتمثل في حصول بريطانيا على تعهد مكتوب بأنها لن تخضع للقواعد والقيود الأوروبية الثقيلة على قطاعها المالي.
ومع ذلك كانت رسالة المستشارة الألمانية إلى بريطانيا واضحة: إذا كنتم حريصون على البقاء في أوروبا فعليكم الانصياع لقواعدها. وكان الرئيس الفرنسي، أكثر حدة في التعبير عن مواقفه إزاء بريطانيا، مشيراً إلى أن أوروبا ملت من التوجه المستقل لبريطانيا قائلاً "لا يمكنكم من جهة أن ترفضوا "اليورو"، وفي الوقت نفسه تطالبوا بالمشاركة في جميع القرارات المتعلقة بالعملة الموحدة.
والحقيقة أن رئيس الوزراء البريطاني، الذي يعتبر من أشد المدافعين عن الإجراءات التقشفية وقام بخفض كبير للنفقات الحكومية يُنظر إليه على أنه أكثر اعتدالاً تجاه أوروبا من أعضاء حزبه المناهضين لها، لكنه جاء إلى بروكسل ويده مغلولة بعدما تعرض لهجوم كاسح من قبل حزبه الذي انتقد تصريحاً له قال فيه إن أولويته إنقاذ "اليورو"، فهدد أعضاء حزبه بالدفع إلى تنظيم استفتاء إذا ما وقع "كاميرون" على المعاهدة الأوروبية، وهو ما كان سيتحول إلى استفتاء على مجمل بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي.
ورغم كل هذا الاهتمام بالقمة الأوروبية الأخيرة، يبقى أن الاتفاق على إعادة كتابة المعاهدة الأوروبية. يعالج الاختلالات العميقة للأزمة الحالية، وليس المشاكل الآنية التي تتطلب تدخلًا عاجلاً وعلى رأسها ارتفاع كلفة الاقتراض بالنسبة للدول التي تعاني من عجز مالي كبير، ولمواجهة هذه المشكلات المستعجلة اتفقت الدول 26 على زيادة المساعدات المالية المتوافرة للبلدان المتضررة، متعهدة بضخ 268 مليار دولار إضافية في صندوق النقد الدولي، كما تعهدت الدول بتأجيل إقامة صندوق أوروبي للإنقاذ إلى العام المقبل على أن يبقى مبلغ 590 مليار دولار جاهزاً للتدخل السريع.
لكن الحل الأمثل لإنقاذ إيطاليا وباقي البلدان التي ارتفعت كلفة قروضها يبقى في تدخل البنك الأوروبي المركزي من خلال طبع المزيد من الأوراق المالية لإقراضها إلى الدول المنكوبة بفائدة معقولة، أو أن تعلن ألمانيا عن فتح باب الإقراض بضمانة دول منطقة "اليورو".

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا