تقارير

الاتحاد

المليشيات الليبية... لحظة التسليم والسلام

روث شيرلوك
ليبيا



بعد الإرهاق الذي أصاب الليبيين جراء انتشار السلاح في شوارع طرابلس لفتت الحكومة الليبية المؤقتة انتباه المليشيات التي تنحدر من مناطق خارج العاصمة إلى ضرورة تسليم أسلحتها ومغادرة طرابلس حتى تتمكن البلاد من السير نحو حكم مدني.
وحسب عبد الرزاق أبو حجر، رئيس المجلس المحلي لطرابلس فإن أمام الملشيات المسلحة مهلة حتى 20 ديسمبر الجاري للخروج من العاصمة، مهدداً بحظر حركة مرور السيارات في العاصمة ما عدا سيارات وزارتي الداخلية والدفاع إذا لم تستجب المليشيات لطلب الحكومة. ويحظى هذا الأمر بدعم رئيس الحكومة الجديد، عبدالرحيم الكيب، الذي يسعى إلى وقف المظاهر المسلحة في العاصمة، فقد اجتاحت جماعات الثوار من أنحاء ليبيا المختلفة العاصمة طرابلس في شهر أغسطس الماضي في هجوم أخير ونهائي على قوات القذافي الذي انتهى بفراره ثم مقتله لاحقاً.
وبعدما حولت جماعات الثوار المباني الحكومية وقصور القذافي الفخمة إلى مقرات لها لم تعد مستعدة للمغادرة، وتظل الجماعات المسلحة من مصراتة والزنتان هي أقوى المليشيات المسلحة المتبقية داخل العاصمة، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى اندلاع صراعات مسلحة بين المليشيات المختلفة ونشوب اقتتال داخلي بين الأطراف المتعددة التي تتخذ من أماكن متفرقة في العاصمة مقرات لها.
وهناك تخوف كبير في ليبيا اليوم من أن تتحول تلك المليشيات التي تتوزع في جميع أنحاء البلاد إلى أدوات ضغط توظف من قبل فصائل سياسية منقسمة على نفسها بين إسلاميين وعلمانيين.
وقد كان لافتاً تصريح وزير الدفاع الجديد العلماني التوجه، أسامة الجويلي، عن نيته في إبقاء الميليشيات التي يقودها، لاسيما الرجال الذين ينحدرون من بلدته، الزنتان، في شوارع العاصمة حتى يتم تشكيل قوات شرطة ذات صدقية، قائلاً "إنها مهمة وزارة الداخلية أن ترسي الأمن وتنشئ قوات شرطة لتسلم مهام الثوار الذين يسيطرون حاليّاً على الساحة، ولن ينسحب هؤلاء إلا بعد إقامة تلك القوات، وهو الهدف الذي أسعى إلى تحقيقه".
ولكن وجود قوات من الزنتان إلى جانب ميلشيات أخرى في العاصمة طرابلس لم يعد أمراً مرحباً به من قبل قائد المجلس العسكري في طرابلس المدعوم من قطر، عبدالحكيم بلحاج، الذي عمل لشهور على تسليح رجاله وإعطائهم رواتب مرتفعة مقارنة بباقي المليشيات.
غير أن العديد من سكان طرابلس خرجوا يوم الأربعاء الماضي إلى الشوارع احتجاجاً على مظاهر التسلح التي تجتاح المدينة والسلوك غير المنضبط والخارج عن القانون الذي ينخرط فيه بعض رجال المليشيات.
وفي هذا السياق قال النائب العام في الحكومة الليبية الجديدة إنه تعرض لهجوم يوم الأربعاء الماضي على يد مسلحين في طرابلس سحبوه في وسط النهار من مكتبه وهددوه بالسلاح إن هو لم يفرج عن أحد الرجال التابعين للمليشيات، وأضاف عبدالعزيز الحصادي، إنه لم يفلت إلا بعدما خطف مسدس أحد الرجال وصوبـه إلى رأسه، حيث تمكن من الصعود إلى السيارة والفرار بجلده.
وقد شاهد مراقبون إعلاميون بعض مظاهر تنفيذ العدالة خارج إطارها الطبيعي من قبل المليشيات بعد اعتقالهم للمشتبه في ولائهم للقذافي وإيداعهم السجن دون تقديمهم للمحاكمة، وهو ما أوضحه أحد موظفي شركة اتصالات بطرابلس رفض الكشف عن اسمه، حيث قال إنـه اعتقـل بعـد شجـار في الشـارع مع أحد الثوار انتهى بكسر أنف هذا الأخير.
ويحكي الموظف وقائع الحادثة قائلاً: "لقد جاؤوا إلى بيتي في الليل لاقتيادي إلى السجن، بعدما اتهموني بأني من مؤيدي القذافي، وحتى قبل أن أتوجه إلى المحكمة لسماع أقوالي تم إيداعي مباشرة في السجن".
والحقيقة أن مهمة إقناع الثوار بالانتقال من مرحلة حمل السلاح وتطبيق قانون الحرب إلى تسليم السلطة للمدنيين تنطوي على العديد من الصعوبات، حيث تم تجاوز دور الشرطة والقضاء بإشهار السلاح وتنفيذ قانون الثوار الخاص، وفي الكثير من الأحيان لا يجرؤ القضاة تحت وقع السلاح حتى على القيام بعملهم بعدما اقتحم الثوار في مناسبات سابقة السجون وأفرجوا عن أصدقائهم.
ويرى محللون أن العديد من قادة المليشيات سواء في بنغازي معقل الثورة، أو في طرابلس وباقي المدن، يسعون إلى تسخير النفوذ والقوة العسكرية لدعم حظوظهم السياسية ولضمان المشاركة في إدارة الشأن العام. ومن هؤلاء القادة، فوزي بوكتف، الإسلامي المعروف في بنغازي الذي يحظى بدعم قطري، وقد شكل مؤخراً اتحاد الثوار، وهو اليوم يطالب بإحداث حرس وطني يتشكل من 40 ألف رجل من الثوار السابقين، ويتولى حماية الحدود والمنشآت النفطية على أن يحظى أفراده بامتيازات غير موجودة لدى القوات المسلحة مثل حق المشاركة في الحياة السياسية.
وقد عبر عن هذا الأمر بقوله: "لقد أعطى الثوار الكثير لهذا البلد، وضحوا بأرواحهم للتخلص من القذافي، ولذا فإن من حقهم أن يكافأوا على ذلك، ومن يريد منهم الانضمام إلى الحرس الوطني يمكنه أيضاً المشاركة في الحياة السياسية، فبعضهم كان مدنيّاً وليس عسكريّاً وعليهم أن يحصلوا على بعض الامتيازات الإضافية".
ولكن مثل هذا الخطاب يثير قلق السياسيين والحكومة الجديدة التي تسعى إلى توحيد السلطة العسكرية تحت قيادة واحدة وجمع السلاح والحد من انتشاره بين أيدي مجموعات مختلفة، وذلك حقناً للدماء ودرءاً لخطر اندلاع أي صراع مسلح حول السلطة والثروة.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا