ثقافة

الاتحاد

عبدالكبير الخطيبي·· منتج ومؤسس للكثير من الرؤى

يعد الكاتب والروائي وعالم الاجتماع والأنتروبولوجي المغربي عبد الكبير الخطيبي الذي غيبه الموت مطلع الاسبوع الماضي (الاثنين) عن سن تناهز 71 سنة بعد صراع مرير مع المرض لم يمهله طويلاً، أحد الروائيين المغاربة الذين يكتبون باللغة الفرنسية وأحد أبرز النقاد والأنتروبولوجيين المعروفين على مستوى العالم وكتابته تلقى الاهتمام والاحترام من طرف أساتذة الجامعات في كثير من دول العالم، كما ترجمت الكثير من مؤلفاته إلى لغات كثيرة·
وكان الراحل عبد الكبير الخطيبي يتلقى العلاج منذ أسابع في مستشفى الشيخ زايد التخصصي في الرباط بتعليمات من العاهل المغربي محمد السادس الذي أمر بعلاج الدكتور الخطيبي في هذا المستشفى·
ولد الدكتور الخطيبي سنة 1938 في مدينة الجديدة التي تبعد 95 كيلومتراً جنوب الدار البيضاء وبها تلقى تعليمه الأولي قبل أن يحصل على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية بأطروحة حول الرواية المغاربية·
ومن مؤلفاته: ''كتاب الدم'' و''الاسم العربي الجريح'' و''الذاكرة الموشومة'' و''صورة الأجنبي في الأدب الفرنسي'' و''عن الليلة الثالثة والألف'' و''المناضل الطبقي على الطريقة الطاوية'' و''المغرب في صيغة الجمع'' و''إهداء إلى السنة الآتية''· وقد نال الدكتور الخطيبي العديد من الجوائز العربية والعالمية أبرزها جائزة ''أهل الأدب'' وهي إحدى أهم الجوائز الفرنسية العريقة التي يعود تاريخ تأسيسها إلى 1838 من طرف أدباء كبار من بينهم فيكتور هيجو والكسندر دوما وبالزاك·
وقال عنه الناقد الفرنسي الشهير رولان بارت ''إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور، الأدلة، الآثار، الحروف، العلامات· وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديداً يخلخل معرفتي، لأنه يغير مكان هذه الأشكال، كما أراه يأخذني بعيداً عن ذاتي، إلى أرضه، حين أحس كأنني في الطرف الأقصى من نفسي''·
ويقول عنه الكاتب والباحث المغربي الدكتور عبد الرحيم العطري خلال شهادته لـ''لاتحاد'': ''الخطيبي لا يجد معناه إلا في رحاب الكلمة، لهذا انشغل بتوسيع دوائر النقاش منذ البدء، فقد كان يدير مجلة علامات الحاضر، كما كان يرأس تحرير المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع، ولعل هذا الانشغال العميق بالحرف والسؤال هو ما جعله يفوز بعدد من الجوائز ويحظى بتكريمات مستحقة· رحل الخطيبي إلى دار البقاء، لكنه لم يرحل من بين ظهرانينا، فآثاره الإبداعية ما زالت تسائل الزمن المغربي، وما زالت تشع أسئلة ومقاربات، لقد رحل في صمت مالح، كما الكبار دوماً، رحل واقفاً كما الأشجار، تاركاً وراءه أعمالاً مهمة تؤكد إبداعيته وأصالة منجزه الفكري· فالكبار لا يرحلون بالمرة''·
ويضيف العطري ''غادرنا الخطيبي مبدع فوق العادة، تاركاً مساحات من الصمت والألم الرابض فوق الصدور، فلم يكن الخطيبي مجرد عابر سبيل في دنيا الحرف والسؤال، بل كان منتجاً ومؤسساً لكثير من الرؤى، كان مدمن سؤال شقي يعانق تخوم الفكر والإبداع، يرتحل من قارة إلى أخرى، ومن سجل ثقافي إلى آخر، من السوسيولوجيا إلى الأدب والتاريخ والتشكيل والتحليل النفسي والشعر والقص اللذيذ·· كان الخطيبي كمن يريد القبض على سر الانتماء، كمن يهفو إلى اكتشاف كيمياء الحياة، لهذا كان يرتحل فكرياً وإبداعياً، مجرباً مسارات من الانكتاب وفق عناوين ذكية موحية تفوق 25 عملاً·· وفي مسار حياته نكتشف محنة السوسيولوجيا بالمغرب، فيكفي أن نعرف أنه كان مديراً لمعهد العلوم الاجتماعية في الرباط، والذي تعرض خطأ واعتسافاً للإغلاق، ظناً من صناع القرار آنئذ أنه يحمل التهديد إلى النظام، وأنه يفرخ أطر اليسار، لكنه بالرغم من واقعة الإغلاق والتهميش الذي جوبهت به شعب الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، فقد استمر في رتق أحلامه، وكتابة زمنه المستحيل، ربما هنا يكمن سر الانعطاف نحو الأدب، حيث حرية الانكتاب أكثر، والتخييل بلا حدود حمراء''·
أما الناقد المغربي إبراهيم الحجري فقد قال ''لقد افتقد المشهد الثقافي والمجال البحثي الأكاديمي العربي اليوم، برحيل الكاتب والسوسيولوجي عبد الكبير الخطيبي، واحداً من خيرة وجوهه المميزين عالمياً، ليس بالنظر إلى ما أنجزه من كتب وأبحاث علمية لها وقعها الكبير، بل لطبيعة هذه الأعمال التي انصرفت إلى عناصر عميقة الأبعاد في الثقافة العربية الإسلامية، والتي كانت من قبل من التابوهات أو لنقل من العوالم المحفوفة بالمخاطر· لكن الراحل عبد الكبير الخطيبي، بصبره وعناده وقوة تحمله استطاع أن يتوغل عميقاً في هذا المجال دون تخوف أو تحفظ، معتمداً على سعة خبرته بالمجتمعات العربية وعناصر تشكل متخيلها الثقافي الشعبي والعالم على السواء، ومقدرته العجيبة على التعايش مع الناس على اختلاف مستواهم الثقافي· مما أهله لجمع المعطيات والمادة الخام التي شكلت لب أبحاثه التي طيرت اسمه عالياً في سماء الشهرة· لم تمنع الظروف التي قاساها عبد الكبير الطفل متنقلاً بين مناطق المغرب والعالم فيما بعد، من أن يتمسك بمشروعه العلمي والمعرفي، وضحى بكل ما يشتهيه الناس الآخرون بحثاً عن المعرفة والعلم· وقد ظلت كل الأعمال التي أصدرها الرجل ذات قيمة علمية وازنة، وستظل كذلك بعد رحيله لأنها انبثقت من صلب رؤيا دقيقة لموضوع المعرفة، ومعاشرة طويلة لمادة البحث· ويقول الأستاذ إبراهيم الحجري: قبل سنة من الآن، حضرت تكريماً للرجل بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجديدة مسقط رأسه· وكان يتكلم مثل شاب بحيوية ونشاط، ويتحدث عن مشاريعه البحثية والإبداعية، وكأنما هو ابن الثلاثين، مرحاً، بشوشاً لا ينال منه المرض شيئاً· فعلاً إن العلماء الكبار لا يشيخون، والمبدعون العباقرة لا يموتون··· ستظل أعماله العملاقة شاهدة على حضوره بعدما اختفى طيفه· لقد ساهم الرجل في تأسيس منهج علمي يهتم بالثقافة العربية ورموزها اعتماداً على ما درسه في الغرب، وانبثاقاً من رؤيته النفاذة للظواهر واللغات والرموز والعناصر المجتمعية· وفي كل ذلك، لم يكتف عبد الكبير الخطيبي بالترجمة أو الإسقاط، بل اجتهد في تأصيل المصطلحات وتحيينها، ونحت العبارات بفهم ووعي عربي إسلامي قوي، مؤولاً تلك الظاهر، وباحثاً عن الخيط الناظم بينها''·

اقرأ أيضا

الثقافة في مواجهة كورونا