صحيفة الاتحاد

أخبار اليمن

مملكة معين اليمنية

آثار من مدينة «براقش» في اليمن في محافظة الجوف حالياً

آثار من مدينة «براقش» في اليمن في محافظة الجوف حالياً

ديمقراطية عريقة وثقافتها امتدت للحجاز ومصر
سعيد ياسين (القاهرة)

نشأت مملكة معين في اليمن في الألفية الأولى قبل الميلاد، وهي من الممالك العربية القديمة، وانتهت عندما قامت مملكة حمير بغزوها في القرن الأول قبل الميلاد، وكانت عاصمتها معين أو «قرنو» أو «القرن» وتقع حالياً شرق صنعاء، واعتمد اقتصادها على الزراعة وتجارة اللبان، والتوابل، والأسلحة، وسيطرت على طرق التجارة في جنوب الجزيرة العربية، وامتد حكمها إلى يثرب والعلا، وفدك، وتيماء، والحجر، وأطلق على الملك لقب «مزود» أي المقدس، وكشفت عن هذه المملكة العريقة الآثار المكتشفة في القرن العشرين الميلادي، وبينت أن معين ظهرت في القرن العشرين قبل الميلاد أو القرن الثلاثين قبل الميلاد، رغم أن ازدهارها بدأ في القرن 13 ق. م إلى القرن 17ق. م، وتعد مدينة «قرنو» العاصمة من أشهر مدن معين، وعرفت أيضاً بـ «معن»، أي «معين»، وتقع على مسافة أكثر من 7 كيلو مترات من شرق قرية «الحزم»، مركز الحكومة الحالي في الجوف، وكانت تقع على أكمة من الطين جوانبها منحدرة، تعلو على سطح الأرض بخمسة عشر متراً، وهي مستطيلة الشكل، وطولها 400 متر، وعرضها 250 متراً، ولها بابان أحدهما في الغرب والآخر في الشرق، وليس لها أبواب أخرى، وبلغ ارتفاع السور الذي يحيط بها 15 متراً، ووجد في بعض أقسامه فتحات المزاغل التي استعملت للمراقبة ولرمي السهام، وكانت حكومة معين ملكية يرأسها حاكم ولقبه «ملك»، وأجازت الحكومات الملكية العربية الأخرى آنذاك أن يشترك شخص أو أكثر مع الملك في حمل اللقب، إذا كان من أقرب أقرباء الملك، كأن يكون ابنه أو شقيقه.

حكم ديمقراطي
ولم تكن السلطة مركزة في أيدي الملوك، فنظام الحكم في معين، فكان الحكم فيها استشارياً ديمقراطياً بمقاييس العصر الحديث، فكان لكل مدينة حكومتها الخاصة ولها آلهة خاصة تتسمى باسمها وهيئات دينية، ولها مجلس استشاري يدير شؤونها ويفصل بين الناس، وكان رؤساء القبائل يبنون دوراً كانت تسمى «مزود» يجتمعون فيها للبت في الأمور والفصل في النزاعات وكانوا يسجلون أيام تأسيسها وبنائها، والترميمات والتحسينات التي أدخلت عليها. وتتألف مملكة معين من مقاطعات، على رأس كل منها ممثل عن الملك، يعرف بـ«كبر»، أي «الكبير» يتدخل في السياسة التي تخص المسائل العليا المتعلقة بحقوق الملك وبشعب معين، وفي كتاباتهم كان يرد ذكر الإله أولاً ثم الملك ثم الكبير، أما دخل الحكومة، فكان يرد من الضرائب المفروضة على التجار والمزارعين وسائر طبقات الشعب، ويجمعها مشايخ القبائل والحكام والكبراء بوصفهم ممثلي الهيئات الحكومية العليا، وبعد إخراج حصصهم يقدمون ما عليهم للملك، أما الإيرادات من المصادر الأخرى، مثل تأجير أملاك الدولة، فتكون بعقد يتفق عليه.

نهاية دولة معين
اختلفت آراء العلماء في الزمن الذي انتهت فيه مملكة «معين» وأحد هذه الآراء يذهب إلى أن بداية التقويم السبئي، هو سنة زوال حكم معين، وقيل أيضاً إن هذه النهاية كانت بين العام «125» و«75» ق. م. وخلال الفترة بين أواخر أيام حكومة معين واندماجها في مملكة «سبأ»، ظهرت حكومات صغيرة، انتهزت فرصة ضعف ملوك معين، فاستقلت عنها، ثم اندمجت بعد ذلك في سبأ.
وتعاقب على حكم معين 5 أسر حاكمة بعد انتهاء شخصية «كرب ايل وتر» السبئي تلقبوا بلقب «مزود» وقد بقي هذا اللقب ضمن ألقاب الحكام حتى مرحلة متأخرة، واستمرت معين حتى ضعف نظامها الحاكم وازدادت قوة جيرانها، وبدأت قتبان، فاقتطعت جانباً من أرضها وأجبر حاكمها القتباني «شهر يجل» على عقد تحالف مع معين احتفظ لنفسه فيه بالمكانة العليا، وحاولت قتبان استخدام معين في الضغط على سبأ مما أثار سبأ على معين فاستغلت انشغال قتبان في مشاكلها الداخلية مع قبائل حمير فانفردت بمعين ودمرت عاصمتها «قرنو» واستولت على أجزاء واسعة من أراضيها.

براقش
وكانت براقش، وهي مدينة قديمة وموقع أثري في وادي الفرضة يسار طريق صنعاء - مأرب، محطة مهمة على طريق اللبان التجاري قبل الميلاد، وكان اسمها قديما «هجرن - يثل» أي مدينة يثل، ولم يذكرها الهمداني باسمها القديم وإنما سماها براقش، وهو الاسم الذي يحمله الموقع الأثري إلى اليوم، أما كيف تحول هذا الاسم إلى براقش، فيروي الهمداني قصة مشهورة تفسر المثل الشائع «جنت على أهلها براقش»، وبراقش في القصة اسم كلبة دلت على بئر لأهلها خارج المدينة لا منهل لهم سواها، وفتح الحصن بسبب نباحها، وهي تستقي من البئر الذي كانت تتصل بالمدينة من طريق نفق يؤدي إليها فسميت براقش باسم الكلبة.
وكان للمدينة المزدهرة في القرن 5 ق. م مكانة دينية مرموقة يحج الناس إلى معابدها، وكانت وراء نجاح المعينيين في ثورتهم على دولة سبأ وإقامتهم لدولتهم في أواخر القرن 5 ق. م ويعتقد أن نهاية المدينة على يد الحملة الرومانية التي دمرت مدن الجوف قبل وصولها إلى مأرب، وما زالت المدينة تحتفظ بجزء كبير من السور المنيع الذي يحيطها وأبراجه التي تزيد عن 50 برجاً.

انتشار الثقافة المعينية
وعثر على كتابات معينية خارج اليمن، ووردت فيها أسماء شائعة بين المعينيين، مثل: «يهر» و«علهان»، و«ثوبت» و«يفعان»، كما وردت أسماء آلهة معين، مما يدل على أن المعينيين تركوا أثراً ثقافياً فيمن اختلطوا بهم، ومن هذه الكتابات ما وجد في أعالي الحجاز وفي الأردن وفي جنوب فلسطين ومصر في «الجيزة» وفي موضع «قصر البنات»، وظهر من كتابة «الجيزة» المؤرخة بالسنة الثانية والعشرين من حكم «بطلميوس بن بطلميوس»، أن جالية معينية كانت في مصر في هذا الزمن، من أيام حكم «بطلميوس الثاني»، وكان المعينيون يتاجرون بتجهيز معابد مصر بالبخور.

الكواكب الثلاثة
كان الآلهة في معين يكونون ثالوثاً يرمز إلى الكواكب الثلاثة الزهرة والشمس والقمر، فيرمز «عثتر» إلى الزهرة و«نكرح» للشمس، أما «ود» فيرمز إلى القمر، وظلت عبادته معروفة في الجاهلية إلى وقت ظهور الإسلام، وورد اسمه في القرآن الكريم، وكان في في كل مدينة معبد، أو أكثر.، ويقع معبد «رصفم» أو«رصاف» الشهير، الذي يقدم إليه اتباعه الهدايا والنذور حتى يمن عليهم بالعافية والبركة، خارج سور «قرنو»، ونشاهد آثار سكن في مواضع متناثرة من المدينة، وكانت «قرنو» «القرن» مأهولة حتى القرن 12 الميلادي ثم هجرت.


نقود معينية
عرف المعينيون النقود، وضربوها في بلادهم، وعثر على قطعة نقد «دراخما» أي درهم، عليها صورة ملك جالس على عرشه، وضع رجليه على عتبة، وهو حليق الذقن متدلٍ شعر ضفائره، وأمسك بيده اليمنى وردة أو طيراً وامسك بيده اليسرى عصا طويلة، وخلفه اسمه وهو «أب يثع» وقد طبع بحروف واضحة بارزة بخط المسند، وأمامه الحرف الأول من اسمه، وهو الحرف «أ» دلالة على أنه الآمر بضرب تلك القطعة.