صحيفة الاتحاد

أخبار اليمن

عدن .. مدينة النظام والقانون ونبذ التطرف

مهجة أحمد سعيد (عدن)

تحتفظ عدن، ثغر اليمن الباسم عدن بالكثير من المقومات التاريخية التي أسست عليها في القرون الماضية، كنشر ثقافة التسامح الديني بين أطياف المجتمع بمختلف مكوناته ونبذ العنف والكراهية والتطرف والتعصب، وترسيخ احترام الأديان والحضارات والثقافات، والدعوة إلى التعايش السلمي بغض النظر عن الانتماء الديني أو العرقي أو الفكري في نطاق جغرافي صغير ضم الجميع.
وقدمت هذه المدينة الجنوبية التي تتميز بتنوع ومزيج فريد من نوعه في المجتمع العدني، والذي يغلب عليه سمة المحبة والتسامح بين الفئات، صورة امتزجت ألوانها بمدى أهمية التعايش السلمي والديني الذي حاول البعض جاهداً من تغير الملامح المدنية، ونشر الأفكار الدخيلة التي ليس لها أي أساس من الصحة في قاموس أرض عدن وشعبه وإرثها التاريخي.

صفحات من تاريخ عدن
يستهل رئيس قسم الدراسات والبحوث بالغرفة التجارية والصناعية بعدن الأستاذ، نجيب يابلي، حديثه عن مدينة التسامح والتعايش عدن، بأنها سيدة مدائن الجزيرة العربية من آلاف السنين، ذكرت في أقدم الكتب السماوية هو كتاب التوراة وتحديدا في سفر حزقيال، حيث وردت أمجاد عدن التجارية، وثغرة عدن جاءت في التوراة وسماها الرومان بأنها مخزن الرومان والإغريق أطلق عليها اسم العربية السعيدة، ومنذ العصور الوسيطة عرفت على أنها أرضاً للتسامح والتعايش والتمازج بين الحضارات والثقافات المختلفة. هذه المدينة عبارة على 70 ميلاً مربعاً حوالي 112.5 كيلو متر مربع، في هذه المساحة البسيطة وجدت التمثيل النسبي في المجلس التشريعي أثناء الفترة الاستعمارية البريطانية لعدن يعني حتى اليهود كانوا يمثلون في هذا المجلس، ففي هذه المدينة جميع المشارب العرقية إلى جانب العرب الذين يشكلون الغالبية فيها.
وتابع حديثه: تحقق تراكم كمي ونوعي كبير جداً في عدن بسبب وجود المجتمع ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات وجمعيات المرأة والطلاب والغرفة التجارية والصناعية وانتشار التعليم، خاصة تعليم الفتاة، شهدت فترة ازدهار وثقافة وعلم بشتى الجوانب فصدرت الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية والشهرية باللغات العربية والإنجليزية والأوردية ، كما كانت للمرأة مجلة، شمسان، وهي أول مجلة نسوية على مستوى الجزيرة والخليج إلى جانب ظهور الأندية الأدبية كنادي الأدب العربي التي تأسس في مدينة التواهي عام 29م، واستطرد حديثه: حافظت مدينة عدن جنوبي اليمن على مكانتها التاريخية كموطن للتنوع ضم مكونات اجتماعية ودينية وفكرية، يمكن وصفها بأنها مدينة كونية عاشت فيها مختلف الفئات والديانات السماوية والإثنية، فيها معبد اليهود والفرس ومساجد وأضرحة الشيعة ومساجد الصوفيين والسنة والكنائس منها «سانت جوسيف»، أقدم كنيسة تم بناؤها عام 1854م، والكل يؤدي شعائره الدينية ومعتقداته بحرية تامة.
وأضاف: عُرفت هذه المدينة بالنظام والقانون كان يمنع منعاً باتاً حمل السلاح ومن أراد الدخول إليها يترك سلاحه الأبيض أو الناري، ولم تسمح بممارسة النزعات القبلية المتشددة التي تمارس في مرابع القبيلة ذات المنظور الضيق الذي لا يتناسب مع المدينة، مشيراً إلى أن التاريخ السياسي مليء بالمنعطفات المفصلية التي شهدتها مدينة عدن خلال فترات ماضية وكل ما يدور من حولها كان خارجاً عن إرادته، معرجاً إلى ما يجري من أحداث وأوضاع أمنية تزعزع الأمن والسكينة العامة لدى أهالي هذه المدينة المحبة للسلام، بأنها من الأشياء المفتعلة، وهذه الفوضى الخلاقة والسائدة في بلاد العرب القصد منها ترتيب أوضاع جديدة، هو مخطط أو مؤامرة يطلق عليها بحدود الدم الهدف منها تحويل البلاد العربية لدول طائفية بواسطة الفوضى الخلاقة، وفيما يختص اليمن أسند الدور إلى المخلوع علي عبد الله صالح تحت مبرر مكافحة الإرهاب.
فيما تصف رئيسة اتحاد نساء اليمن فرع عدن، فاطمة مريسي، خصوصية مدينة عدن، بأنها مدينة السلام والتعايش والإخاء سكانها خليط من جميع الأجناس والمكونات العامة، جمعت كثيرا من القارات واللغات والعادات والتقاليد، وتنسب وتتنوع بعض العادات والتقاليد في الأسر العدنية لبعض الجاليات والأقليات التي عاشت فيها خلال العقود الماضية.
وتطرقت إلى المكانة التي حظيت بها المرأة في مدينة عدن، قائلة: برز الدور الريادي للمرأة في مجال المال والأعمال، فكانت تخوض عمل التجارة إلى قارة أفريقيا والدول المجاورة فالمرأة العدنية كانت حاضرة بقوة في مرافق العمل والإنتاج، والمهرجانات والاحتفالات الوطنية والمشاركات الخارجية، وساهمن النساء اللاتي ذهبن للدارسات العليا في الخارج من تطور المنظور التعليمي والفكري الحاضن لمدينة عدن، للأسف تراجع هذا الدور لصالح الرجل وعززت الرسائل الدينية الخالية من مضمون وقيم التسامح والسلام وصار هناك إجحاف بدور المرأة ومشاركاتها وتطورها.

قبلة للعيش والتجارة والعلم
ويوضح المخرج الإذاعي بإذاعة عدن، سمير وهابي، لـ «الاتحاد» أن حقيقة رفض المدينة وأهلها لمشاريع سياسية وجهوية ومناطقية تقيم دولة العداء للآخرين نابع من مكانة المدينة وثقافة أهل المدينة الدين عرفوا تاريخياً حبهم للناس ومستوى مسؤوليتهم في تقديم الأخلاق والفضيلة والتعاون ومساعدة الفقير ومؤازرة الضيف ومساعدته.
وقال: في عصرها الذهبي في نهاية القرن الماضي راج صيت المدينة على مستوى الجزيرة والخليج، ففتحت المدينة لأشقائهم من أبناء الخليج، وفي عدن درسوا وتلقوا العلوم في الإدارة والاقتصاد والتجارة، ونال البعض حظه في العمل بمدينة عدن في مجال تجارة المصارف والأسماك، كما وفد إلى المدينة تجار من دول القرن الأفريقي من الحبشة والصومال وجيبوتي ومارسوا أعمالا تجارية منها تجارة بيع المواشي واللبان والملبوسات النسائية وإلى الآن تباع في أسواق عدن، ومما يزيد حب المدينة بنظر الزائر أن هؤلاء لم يتعرضوا لأذى ولم يسأل أحد عن ديانته، وفي هذا الجانب انتشر في عدن في تلك الحقبة الذهبية المساجد والكنائس وكانا يقعان بمسافة قريبة من بعضهم فهذا، مسجد إبان، الذي يعتبر من أقدم المساجد في الجزيرة والخليج نسبة «للأمام إبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه، على مسافة تقع كنيسة القديسة ماريا، فهنا بصمة التسامح الديني والعرقي، وهي شيدت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر خلال فترة الاحتلال البريطاني وهي كنيسة إنجيلية بروتستانتية بديعة التشكيل الهندسي وهي تنم على التعايش السلمي بين كافة الأديان والأعراق التي عاشت في عدن، فمن الديانات والجاليات التي عاشت في عدن النصارى واليهود والبوذيين، وكانوا يمارسون طقوسهم الدينية في المعابد، كما كان في المدينة مسلمون من المذهب الإسماعيلي البهرة والخوجة من الهند ويوجد مسجد خاص بهم يمارسون طقوسهم الدينية ولهم لباس خاص مع أفراد أسرهم ويشتغلون بالتجارة في أقدم الأسواق التجارية حتى الآن، ويرتبطون بعلاقات حسن الجوار والسؤال عن الحال مع جاره في الوظيفة أو السكن.

عمل إماراتي إنساني عظيم
أكد رئيس قسم الدراسات والبحوث بالغرفة التجارية والصناعية بعدن الأستاذ، نجيب يابلي أن لدولة الإمارات العربية المتحدة دورا كبيرا في إنقاذ عدن، حيث وصلت المساعدات الإماراتية إلى 33 % من إجمالي المساعدات المقدمة من العالم خلال هذه الأزمة، مؤكداً أن دول التحالف العربي جاءت تُعين اليمنيين وتقف إلى جانب مدينة عدن التي ليس لها سند، مشددا على أن «وجود الأشقاء الإماراتيين بيننا هو وجود أخوي قائم على العمل الإنساني البحت».