الاتحاد

رمضان

الأثيوبيون يدفعون فاتورة خسائر جيش الاحتلال والاشكناز يعزفون عن الخدمة

كَثُرَ الحديث في الأوساط الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ إندلاع الإنتفاضة الفلسطينية الأخيرة التي تكبدت إسرائيل خلال سنواتها الأربع المنصرمة خسائر بشرية ومادية كبيرة، عن عبء الخدمة العسكرية الجسيم الواقع على كاهل قطاعات وشرائح معينة في المجتمع الإسرائيلي، واتخذ هذا الحديث المتواتر شكل النقد الصريح و التململ الهادىء حيناً، والتذمر والإحتجاج الصارخين إلى حد العصيان و التمرد المحدود في أحيان أخرى·
وتطفو على هامش هذا الحديث، من حينٍ إلى آخر أسئلة، لا تخلو من صراحة في النقد وحِدة في التشكيك، من قبيل:
لماذا تتحمل فئات إجتماعية معينة دون سواها الجزء الأكبر من عبء التجنيد وخدمة الإحتياط؟ أين هو الجيش الإسرائيلي من توصيف جيش الشعب ، حسب المقولة التي أسبغها عليه مؤسسو الدولة العبرية عند تأسيسه؟
هل حافظ الجيش على العمود الفقري التاريخي في تركيبته الإجتماعية والمؤلفة من النخب والطبقات الراقية والمتعلمة، الأشكنازية والعلمانية، أم أن هذه التركيبة شهدت، خلال العقود الأخيرة، تغييرات جوهرية، على غرار جيوش الدول الغربية الصناعية؟
والسؤال الأهم: من هي حقاً الفئات التي تدفع الجزء الأعظم من فاتورة الخسائر البشرية التي يتكبدها الجيش في حربه المستمرة ضد الفلسطينيين؟··
هذه الأسئلة وسواها أثارها أخيراً، وقدم نوعاً من الإجابات عليها، الدكتور ياغيل ليفي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسرائيلية المفتوحة، ومؤلف كتاب جيش آخر لإسرائيل (إصدار يديعوت أحرونوت ، 2003)، وذلك من خلال تحليل مطوّل ومعّمق له تناول فيه بالدراسة والتشريح معطيات رسمية حول قتلى الجيش الإسرائيلي خلال إنتفاضة الأقصى والقدس التي دخلت عامها الخامس·
ويشير ليفي إلى أن المسح الذي يبني عليه تحليله يقتصر على قتلى الجيش الإسرائيلي و حرس الحدود الذين سقطوا في المواجهات مع الفلسطينيين منذ اندلاع الانتفاضة (229 قتيلاً) ولا يشمل عشرات الجنود الذين قتلوا في الهجمات الانتحارية داخل الخط الأخضر (اسرائيل)·
ويُلخِص ليفي الاستنتاج العام الأولي الذي توصل اليه في تحليله، بالقول ان المعطيات تظهر بوضوح أن الانتفاضة- الحالية- هي حرب الشرائح الاجتماعية المهمشة في اسرائيل وأن التغيير في التركيبة الاجتماعية للوحدات المقاتلة في الجيش يتجلى في خريطة- مسح- ضحاياه، وأكثر من ذلك في ردة الفعل السياسية تجاه التضحية ·
ويستطرد ليفي مبيناً أن وزن أو نصيب مجموعات النخبة التقليدية من الشريحة الأشكنازية العلمانية المنتمية للطبقة الوسطى، والتي كانت تشكل العمود الفقري التاريخي للجيش الاسرائيلي، تراجع الى حوالي 14% فقط، معتبراً أن ذلك يمثل تغييراً ملموساً مقارنة مع نسب التضحية (تضحية الشريحة المذكورة المتحدرة من الطبقة المتوسطة المتمركزة في المدن والكيبوتسات القديمة) في حروب سابقة · ويضيف أن نسبة مماثلة، حوالي 12%، قائمة لدى الأشكنازيين العلمانيين المنتمين الى الشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى في مدن الضواحي، مشيراً الى أن هذه النسبة تعكس بدرجة كبيرة وزن المجموعات في المستوى القتالي وفي صفوف السكان اليهود ، لكن الفرق أو الاختلاف يكمن على رأي المحلل في أن الاسهام العسكري لهذه الفئات كان في الماضي أعلى بنسبة أكبر من وزنها الديمغرافي ·
ويمضي ليفي في تحليله لمعطيات قتلى الجيش خلال الانتفاضة الحالية، مبيناً أن حوالي 75% من القتلى ينتمون الى المجموعات السكانية المهمشة في المجتمع الاسرائيلي، والتي لم تكن تشكل في الماضي جزءاً من العمود الفقري التاريخي للجيش الاسرائيلي، فهي- والحديث عن المجموعات المهمشة ذاتها وفي مقدمتها الشرقيون والمهاجرون الروس- لم تبرز في الماضي بين صفوف الجيش ولم تظهر في سجل انجازاته ورموز تخليده، كما أن حضورها في الوحدات المختارة وفي سلك القيادة العليا كان دون نسبة تمثيلها بين مجموع السكان ·
ولا شك أن هذه الهامشية عكست وكرست على حد سواء مكانة المجموعات في الهرم الاجتماعي في اسرائيل، سواء على الصعيد الثقافي- بالمقارنة مع الثقافة الأشكنازية الذكرية المهيمنة (مجموعات المتدينين- الوطنيين أو ذوي القبعات المنسوجة والنساء والمهاجرين)، أم على الصعيد الثقافي والمادي في آن معاً (خاصة المجموعات الشرقية والعربية)·
وبالعودة الى المعطيات يبين التحليل أن حوالي 37% من قتلى الجيش (خلال انتفاضة الأقصى) ينتمون الى الطوائف اليهودية الشرقية، وينتمي الجزء الأكبر من القتلى جغرافياً الى مدن الضواحي وتجمعات المهاجرين، في حين ينتمي جزء قليل الى الشريحة الأساسية في الطبقة الوسطى المدينية المتمركزة في وسط البلاد والقدس· وتصل نسبة المنتمين لتيار الصهيونية- الدينية (القبعات المنسوجة) من أصل أشكنازي بين القتلى الى نحو 9%، حوالي 5% منهم من القاطنين داخل الخط الأخضر (الباقي من سكان المستوطنات في الضفة وغزة) وهي نسبة تقل عن وزنهم بين مجمل السكان اليهود·
أما نسبة القتلى من صفوف المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق والفلاشا الأثيوبيين والمهاجرين الجدد من دول أخرى فتصل الى حوالي 18% من مجموع القتلى العسكريين، وهي نسبة تقترب من درجة تمثيل مجموعات المهاجرين في الجيش ومن وزنها بين السكان اليهود·
وبناء على ذلك يخلص ليفي من خلال تحليله لهذه التوجهات الى استنتاج واضح مؤداه أن مقولة جيش الشعب ، التي ظل الزعماء والمؤسسون الصهيونيون للدولة والجيش الاسرائيلي يتفاخرون بها في العقود الماضية، أضحت مجرد وهم يهذي به الحالمون·
ويرى ليفي في تحليله أيضاً أن خريطة ضحايا الجيش تعكس عملية تاريخية موضحاً: منذ حرب يوم الغفران (أكتوبر 1973) لوحظت بداية العزوف عن الخدمة في الجيش من جانب الشريحة العلمانية الذكرية المؤلفة من الشبان الأشكناز، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري التاريخي للجيش الاسرائيلي، بمن في ذلك أبناء ما يسمى بـ الاستيطان العامل القرى التعاونية والكيبوتسات·
وأضاف أن هذه العملية بلغت الأوج في التسعينيات وعُرِفت في الخطاب العام بما اصطلح عليه أزمة الدافعية ·
وقد نجمت هذه العملية عن تضافر عاملين رئيسيين، أولاً:تدني مكانة وسمعة الجيش الاسرائيلي، والتي عكست نفسها أيضاً على هبوط المكانة الاجتماعية لأفراده، وثانياً: احتدام التناقض بين متطلبات الخدمة وبين المتطلبات المتزايدة لسوق العمل التنافسي·
وفي استنتاج آخر على قدر كبير من الأهمية، يرى د·ليفي أن مسح ضحايا الجيش يساعد ليس فقط في التعرف على التركيبة الاجتماعية للجيش (الاسرائيلي) بل ويساعد أيضاً في الوقوف على العامل الاجتماعي- السياسي للتضحية ، موضحاً أن التضحية بالنسبة لقسم من المجموعات المذكورة تتحول بالتدريج الى مكوّن في نموذج جديد للاسهام القومي، يملأ فراغاً تركته مجموعات النخبة التقليدية·
ويختم د·ليفي تحليله مؤكداً أن للتغيير في تركيبة الجيش انعكاسات جوهرية على قدرته على تمثيل غالبية المجموعات في المجتمع الاسرائيلي، بشكل عام، وعلى الرقابة السياسية على عمل الجيش وادارته، بشكل خاص·

اقرأ أيضا