الاقتصادي

الاتحاد

أيرلندا تسير على طريق التقشف بحثاً عن التعافي

عجوز تسير بجوار مبنى مكتوب على جداره “ما نحتاجه هو الأمل” في أحد شوارع العاصمة الأيرلندية (ا ف ب)

عجوز تسير بجوار مبنى مكتوب على جداره “ما نحتاجه هو الأمل” في أحد شوارع العاصمة الأيرلندية (ا ف ب)

بينما يسعى القادة الأوروبيون للقضاء على أزمة ديون القارة، يشير الكثيرون للاحتذاء بالنموذج الأيرلندي للخروج من هذه المشكلة. وبتبنيها لمعايير تقشف شديدة الصرامة، بدأ أمل التعافي يساور أيرلندا، وعاد إليها نمو متوسط وتراجع عجز ميزانيتها بعد عام من تلقيها مساعدات بنحو 67,5 مليار يورو (90 مليار دولار).
لكن ألقت أثار التقشف بثقلها على اقتصاد أيرلندا الهش مخلفة أضراراً تتطلب سنوات لإصلاحها. ونزح نحو 40,000 أيرلندي هذه السنة وحدها بحثاً عن مستقبل أفضل، التوجه الذي ربما يستمر لبعض الوقت. ويقول كونستانتين جوردجيف، الاقتصادي والمحاضر في “جامعة دبلن”،: “لا يزال الاقتصاد فقيراً ولا يعني عدم الاحتجاجات والمظاهرات كما هو الحال في اليونان، أن اقتصاد البلاد بخير”.
وامتدحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مؤخراً رئيس الوزراء الأيرلندي أندا كيني لنموذج بلاده المثالي، في وقت أعلن فيه الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي أن أيرلندا كادت أن تخرج من الأزمة. لكن خلافاً لهذا المدح الظاهر، تخفي باطن الأمور معاناة حقيقية في أيرلندا، حيث تم خفض أجور العاملين في حقل التمريض وأساتذة الجامعات وبعض موظفي القطاع العام بنحو 20%، بالإضافة إلى جملة من الزيادات الضريبية على السكن والمياه، كما أوشكت استثمارات الأعمال العامة على النضوب. وأعلنت الحكومة مؤخراً عن زيادات إضافية في الضرائب بنحو 3,8 مليار يورو وخفض في إنفاق عام 2012 تنعكس آثاره على قطاع الرعاية الصحية ومستحقات الطفولة والحماية الاجتماعية. وانخفضت مبيعات قطاع التجزئة 3,8% في أكتوبر مقارنة بالعام الماضي تزامناً مع تراجع معدل الإنفاق حتى في أشياء مثل الدفاتر المدرسية والأحذية وبعض السلع الأساسية الأخرى.
ويثني الكثير من الخبراء على الشعب الأيرلندي لتنفيذه ما يطلب منه ما يسهم في عودة المستثمرين إلى بلادهم، على الرغم من أن ذلك لا يعود بالنفع عليهم. وبدأت تلوح بعض دلالات التحسن في الأفق، حيث ارتفعت الصادرات بنحو 5,4% في التسعة أشهر الأولى من العام الحالي، مقارنة بالسنة الماضية مدفوعة بأرباح شركات مثل “فايزر” و “إنتل” و “ساب”، وبعض الشركات العالمية الأخرى التي جاءت إلى أيرلندا في تسعينات القرن الماضي والألفية الثانية، نظراً لانخفاض معدلاتها الضريبية والقرب من الأسواق الأوروبية.
كما دخلت شركات التقنية الجديدة مثل “فيسبوك” و“لينكد إن”، علماً بأن شركات التقنية المحلية تبشر بمستقبل واعد أيضاً. وارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1,2% خلال الربع الثاني عنه في العام الماضي، بالمقارنة مع انخفاض بلغ 0,4% خلال 2010 و7% خلال 2009. كما انخفض سعر الفائدة الذي يترتب على أيرلندا دفعه للدائنين العالميين إلى 8,7% مقارنة بنحو 14% في أغسطس، وذلك في حالة عدم تلقيها لبرنامج إنقاذ. لكن لا يزال ذلك فوق المستوى الذي استدعى أيرلندا لطلب الإعانة، ومرتفع للغاية ليسمح بوجود نظام مالي مستدام. وتراجع عجز الميزانية إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام مما كان عليه عند 32% في العام الماضي، لكن وحتى في أفضل الظروف لا يمكنه بلوغ الهدف الأوروبي بنحو 3% بحلول العام 2015.
علاوة على ذلك، يبدو أن أجل التعافي قصير للحد الذي يجعل تحقيق الهدف غير ممكن. وخفض “معهد البحوث الاقتصادية والاجتماعية” في دبلن توقعات أيرلندا للعام المقبل إلى النصف تقريباً إلى أقل من 1%. وأشار المعهد إلى كساد يشمل عموم منطقة اليورو ويعود ذلك نسبياً إلى أن معايير التقشف التي فرضتها ألمانيا و “البنك المركزي الأوروبي” على معظم دول أوروبا، تزيد توقعات التعافي سوءا بدلاً من تحسينها. وليس من الممكن لأيرلندا تفادي أضرار الديون المشبعة بها والآخذة في الزيادة وليس النقصان كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. لكن يعكس النموذج الأيرلندي مخاطر الأخذ من عامة الشعب لتسديد مستحقات الدائنين بدلاً من مشاركة العبء على أوسع نطاق ممكن. مثلاً تم خفض إعانات الرعاية الاجتماعية حتى في ظل ارتفاع معدل البطالة إلى 14,5% والذي من المتوقع استمراره على هذا المنوال خلال العام المقبل.
ودفعت الاحتجاجات الأخيرة الحكومة الأيرلندية إلى استبعاد “صندوق النقد” ومطالبة حاملي الأسهم بمشاركة البنوك الأيرلندية خسائرها. وفي غضون ذلك، بدأت هجرة الآلاف من البلد التي لا يتعدى عدد سكانها سوى 4,5 مليون نسمة إلى بلدان مثل أستراليا وبريطانيا وكندا يحترفون مهنا مختلفة من مهندسين ومحاسبين وأطباء أسنان وغيرهم.
كما أن هجرة العمال من المناطق الفقيرة إلى الغنية واحد من عوامل اختلال التوازن الاقتصادي في البلاد. ويتخوف معظم الأيرلنديون من أن تضيع ثمرة جهد سنواتهم في حالة فشل القادة الأوروبيين الحفاظ على وحدة “منطقة اليورو”. ويقول سايمون جونسون، الأستاذ في “معهد ماساشوسيتس للتقنية” والاقتصادي السابق في “صندوق النقد”،: “تدخل منطقة اليورو منعطفاً حرجاً للغاية وليس من المؤكد صمود عملة اليورو في شكلها الحالي. كما ليس هناك مبرر لاستمرار لعب أيرلندا دور الطالب النموذجي في ظل إخفاقات أوروبا للتصدي للمشكلة”.

نقلاً عن: «إنترناشونال هيرالد تريبيون»
ترجمة: حسونة الطيب

اقرأ أيضا

المحكمة العليا في المملكة المتحدة تعيّن حارساً قضائياً لـ «إن إم سي»