أرشيف دنيا

الاتحاد

«السادو» يعكس فلسفة نشر السلام من خلال طقوس إعداد الشاي

طالب وطالبة يتعلمان طقوس إعداد الشاي الياباني (من المصدر)

طالب وطالبة يتعلمان طقوس إعداد الشاي الياباني (من المصدر)

«للشاي طقوس لها أعظم الأثر في تهذيب النفوس»، هذا هو خلاصة القول في الموروث الشعبي الياباني الموغل في القدم المرتبط بهذا المشروب، وهو ما حدا بالكثيرين في الشرق والغرب للاهتمام بذلك المشروب العالمي وطرائق تقديمه التي احتفى بها الشعب الياباني بشكل لافت على مدار قرون عديدة. وانطلاقاً من هذه الرؤية تم ابتعاث مجموعة من شباب الإمارات لدراسة طقوس الشاي الياباني، والتعرف على أسراره، في بادرة تعكس مدى اهتمام أولي الأمر بالتراث وإحيائه ليس داخل الدولة فقط، بل في سائر أرجاء الأرض حتى لو في الشرق البعيد.

أحمد السعداوي (أبوظبي) - سافر حسن الزعابي إلى بلاد الشمس المشرقة، وعايش تجربة الشاي الياباني المعروف بالـ»سادو» بحسب اللغة اليابانية، ضمن بعثة أرسلت للوقوف على هذه الطقوس ذات الأبعاد الأخلاقية. وعن كيفية الترشيح لهذه البعثة، قال الزعابي إنها تمت في إطار مبادرة من قبل ديوان الفريق أول، سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حيث قام الديوان بطلب عدد من الطلبة للقيام برحلة إلى اليابان لدراسة عادات تقديم الشاي الياباني، وكانت أهم شروط القبول أن يكون الطالب له الرغبة في دراسة هذه العادات وأن يكون خير سفير لتمثيل بلاده هناك طيلة فترة البعثة، وبالفعل تم اختيار الطلبة عن طريق النادي الياباني في كليات التقنية العليا وجامعة زايد، وتم إرسال أسماء المبعوثين إلى اليابان، وهم حسن الزعابي، وعدنان الطنيجي، وعيسى القبيسي، وسيف السويدي، وهيا الظفيري وسلوى الهاشمي.
المعلم الكبير
حول معرفته السابقة بالشاي الياباني، أوضح الزعابي، أنها كانت بسيطة قبل قيامه بالسفر إلى اليابان، وكان لا يتعدى خبر عارض يقرأه هنا أو، يسمعه هناك، ولكن بعد أن انتهى الترشح للسفر لليابان، أخذ في قراءة كل ما يتعلق بالعادات والمناسك المرتبطة بتقديم وتناول الشاي الياباني، وكانت البداية مقال طالعها في جريدة «الاتحاد» حول المعلم الكبير للشاي الياباني والملقب بـ «Dai So Sho» الذي زار أبوظبي وقدم الشاي الياباني إلي الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وأعجب سموه بالشاي، ومن هنا زاد حماسي لتعلم الشاي الياباني ومن بعدها سارعت بترشيح نفسي لهذه البعثة.
وتابع «اقتدائي بالفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، كان السبب الرئيس في خوض هذه التجربة، بالإضافة إلى حبي لمعرفة ثقافات الشعوب الأخرى، واحترامي وانبهاري بثقافة الشعب الياباني الذي استطاع أن يحتل مكانة مرموقة بين بلدان العالم بفضل ارتباطه بقيمه وعاداته وعدم تأثره بموجات التغريب التي تجتاح العالم بسبب قوة وسطوة الثقافة ووسائل الإعلام الغربيتين».
وذكر الزعابي أن تلك الرحلة جعلته يعرف أن طريقة تناول وضيافة الشاي الياباني أو «السادو» تمثل أحد أهم الموروثات الشعبية في اليابان وتجسد تقاليد الضيافة الممزوجة بالصفاء الروحي والجمالي. وحول الأشياء التي تعلمها الزعابي خلال رحلته إلى اليابان، أوضح أن أهمها أن يكون خير ممثل للإمارات في أي مكان في العالم، والتواصل مع أي إنسان حتى لو كان لا يعرف لغته، والقدرة على توصيل ما يريد وفهم الآخر دونما الوقوف أمام حائل اللغة، وفيما يتعلق بأهم ما تمثله طقوس الشاي الياباني من وجهة نظره، مشددا على قيمة التواصل بين المضيف أو الشخص الذي يقدم الشاي وضيفه بحيث يكون هذا التواصل نابعاً من القلب، ويقوي العلاقة بين الشخصين.
وحول ما كان يشعر به لدى تعلمه طقوس وتقاليد خاصة بعيدة عن منطقتنا العربية، قال «زادت معرفتي واطلعت على أشياء جديدة، فتحت لي المجال للتعلم أكثر والقراءة أكثر وقمت بزيارة اليابان للمرة الثانية على حسابي الخاص لمعرفة المزيد عن هذا البلد وتاريخه، وبالفعل لاحظت مجموعة من السمات على الشعب الياباني أهمها أنه شعب منظم في كل مكان، ويمثل الاحترام شيئاً أساسياً في التعامل مع الآخرين بغض النظر عن وضعهم الاجتماعي أو المادي أو العلمي».
ركائز أساسية
عن أهم المبادئ التي تقوم عليها طقوس إعداد الشاي الياباني، قال الزعابي إن الركائز الأساسية للشاي الياباني «السادو» تبدأ من أربع كلمات هي وا- كي- سي- جاكو، «وا» وتعني التجانس والمقصود به التجانس الواجب توافره في العلاقات الإنسانية والطبيعة وفي اختيار أواني الشاي وطريقة استخدامها. و»كي» تعني الاحترام الذي يبدأ تجاه جميع الأشياء النابعة من مشاعر الامتنان الصادقة لوجودها. و»سي» تعني النقاء والذي يتضمن النظافة الروحية والدنيوية. و»جاكو» تعني الهدوء وهي حالة من السلام الروحي.
وبالحديث عن الفارق بين الشاي الياباني والشاي الذي نشربه يومياً، أشار الزعابي إلى أن الشاي الياباني له فوائد صحية كبيرة بدليل أنه كان يستعمل كدواء في الماضي، لأنه عبارة عن أوراق الشاي الطبيعية مطحونة وبدون أي إضافات صناعية.
وحول إمكانية انتشار طقوس الشاي الياباني في الإمارات، أكد أن الإمارات تحرص على تقوية علاقاتها مع الدول الأخرى، وتحترم ثقافات الشعوب الأخرى، ولذلك يمكن للإماراتيين أن يقبلوا على تناول الشاي الياباني كنوع من إظهار التقدير للآخر. غير بعيد عن هذا لفت الزعابي إلى أن هناك أوجه تشابه بين المجتمع الإماراتي والمجتمع الياباني منها، أن كلاهما يستعمل يده اليمنى فالبدء بأي عمل يقوم به، وأيضا طريقة الجلوس متشابه بين البلدين.
وعن الشهادات التي حصل عليها عقب نهاية هذه البعثة وهل هناك معاهد متخصصة في اليابان تقوم بتعليم طقوس الشاي الياباني، أجاب الزعابي أنه حصل مع زملائه الإماراتيين على شهادات بعد الانتهاء من البعثة، وهناك منظمة تدعى «اوراسينكي» مسؤولة عن تدريس ونشر ثقافة الشاي الياباني.
تبادل الثقافات
من جهته، قال عدنان الطنيجي أحد المبتعثين في تلك التجربة، إنه تم ترشيحه إلى هذه البعثة عن طريق إدارة كلية التقنية، عبر البريد الإلكتروني الخاص بالطلبة، حيث ورده علم بوجود بعثة لليابان هدفها التعرف على أصول إعداد الشاي الياباني من خلال الدراسة في إحدى الجامعات الرائدة في هذا المجال، وأضاف «سجلت وقابلت نجحت في المقابلة تم ترشيحي وصرت أحد ممثلي الإمارات في البعثة».
وعدد الطنيجي أسباب اهتمامه بالشاي الياباني، قائلاً «بدأ اهتمامي باليابان وثقافتها منذ الصغر، حيث إنني كنت أعشق التكنولوجيا وهذا ما دفعني إلى أن أذهب إلى هناك لأتعرف أكثر على هذا الشعب وثقافته خصوصاً وأنني لا أعرف كثيرا عن ثقافة الشاي، وكنت أود أن أعيش ثقافتهم وحياتهم اليومية».
وبالحديث عن الأشياء التي تعلمها من خلال رحلته إلى اليابان، قال «بعد خوض التجربة اتضحت لي أشياء كنت أجهلها، فمثلاً لم أكن أعلم أن لليابانيين أساليب خاصة في التعامل مع الضيف من خلال إعداد الشاي الأخضر له وقد تأخذ عملية صنعه نحو عشر دقائق يسودها الهدوء. و تعلمت أيضا أنهم يهتمون بحضارتهم وثقافتهم بشكل كبير جداً، حيث يتم استخدام المعدات و الطرق نفسها لإعداد الشاي بدون تدخل أي عامل جديد مع أنهم من الدول المتقدمة وأهل التكنولوجيا».
وفيما يتعلق بأهم طقوس الشاي الياباني، ذكر الطنيجي أن «أهم الطقوس هو الاسترخاء والهدوء. حيث يقوم الطرفان (الضيف والمضيف) بتبادل الأفكار ويشعر كل منهما بالآخر بالأمان والترحيب. ويجب على معد الشاي التركيز والتحرك بشكل انسيابي متنقلا بين الحركات التي يجب عليه اتباعها بالترتيب حتى يقدم الشاي للضيف في النهاية».
الترحيب بالضيف
حول المشاعر التي كانت تنتابه وهو يتعلم طقوساً بعيدة جداً عن منطقة الخليج، قال الطنيجي «تذكرت حينها أساليبنا الخاصة في إعداد القهوة للضيف، وكيف أن لكل دولة ثقافة معينة ولكن مع اختلاف الطرق والأساليب إلا أن الهدف واحد وهو الترحيب بالضيف وإكرامه، ومع أن الاختلاف واضح بيننا وبينهم، حيث نقوم نحن بالحديث من الضيف وتبادل الحوار معه وهم يكونون في حالت صمت إلى أن يتم تقديم الشاي والانتهاء منه».
وحول أهم السمات التي لاحظها على الشعب الياباني، قال الطنيجي «تركيز كل فرد على عمله ومحاولة الوصول إلى أعلى درجات الإتقان فيه، حيث يقوم كل شخص بعمله بحب، وترى الناس يقرأون الكتب في جميع الأماكن متى سنحت لهم الفرصة. وهم شعب مبتسم».
وأوضح الطنيجي أن «المبدأ الرئيس لإعداد الشاي الياباني «سادو» هو نشر السلام حيث بدأت هذه الفكرة بين المحاربين القدامى، وكان طرف محايد يأتي ويطلب من الطرفين المتخاصمين الحضور إليه لشرب الشاي ويقوم الطرفان بالجلوس معاً في جو هادئ ومسالم للتفكير والتوصل لحل ينشر السلام». وحول أبرز أوجه التشابه بين المجتمع الإماراتي والمجتمع ?الياباني، فيحددها الطنيجي «في احترام كبار السن بشكل كبير والتركيز على الموروث الحضاري والتراث ومحاولة الحفاظ عليه وحمايته بكل السبل».
تمثيل نسائي
من العنصر النسائي الذي مثل الإمارات في هذه الرحلة الثقافية هيا الظفير، التي قالت إنها تهتم بالثقافة اليابانية وبكل ما يتعلق بها، وسبق لها دراسة اللغة اليابانية، وعندما رشحتها كليه التقنية العليا في أبوظبي لهذه البعثة، وافقت على الفور لأنها رغبت في تعلم طقوس الشاي الياباني «سادو»، مشيرة إلى أنها أصبحت أكثر هدوءاً ودقة وتركيزاً في الأداء واحتراماً للوقت.
وأوضحت الظفير أن أهم طقوس الشاي الياباني وفقاً لرؤيتها تتمثل في الهدوء والسكينة مع بطء حركه المضيف. أما عن أهم السمات التي لاحظتها على الشعب الياباني، أنه شعب ودود يقدم الاحترام من كل قلبه ودائماً يعمل بجد ومن كل قلبه ويحب التعريف بثقافته.
وبالنسبة للفارق الذي وجدته بين الشاي الياباني والشاي الذي نشربه يومياً، أوضحت «الشاي الذي نشربه يوما نأخذ منه ما يستخلص من ورقة الشاي، وقد نفقد بعض الفيتامينات، أما الشاي الياباني الأخضر فهو محضر على هيئة مسحوق لنستفيد من ورقة الشاي نفسها وبذلك نأخذ كل الفيتامينات». وفيما يتعلق بأوجه التشابه بين المجتمع الإماراتي والمجتمع ?الياباني، قالت إن كلا المجتمعين لديهما آداب الشرب والتقديم وفي هذا دلالة على حسن الضيافة، وإعطاء الضيف قدره من الاحترام والتقدير.





مسحوق أخضر
الشاي الياباني «سادو» وهو عبارة عن مسحوق الشاي الأخضر الممزوج بالماء الساخن ومعد على قطع خشبية ذات رائحة عطرية نفاذة، والذي يتميز بمذاقه المر، ويقابله شيء من الحلوى لتخفيف حدة هذا المذاق في الفم. وتبدأ طقوس الـ «سادو» بإعداده وتحضيره في كوخ من عيدان الخشب مستوحى من التراث المعماري الياباني مفروش بقطع الحصير مكون من حزمة عيدان القش وعددها في كل قطعة 64 حزمة، ترمز إلى عدد مقاطعات اليابان قديما أعد خصيصا لهذه المناسبة، مستخدماً الملاعق الخشبية والأواني الخزفية والفخارية العتيدة الخاصة بإعداد الشاي الياباني.
غرفة الشاي
اليابانيون أضافوا واحدة من أهم التقاليد والطقوس الخاصة بشرب الشاي وهو ما يعرف بـ «حجرة الشاي»، وكانت الحجرة الأولى من إبداع «سينوسويوكي»، وهو أعظم معلمي الشاي وقام في القرن السادس عشر بوضع أسس طقوس الشاي وإيصال شعائرها إلى حد الكمال تقريباً. وقد تقررت نسب حجرة الشاي عبر جو وو، وهو معلم شاي شهير من القرن الخامس عشر. ولا تعد حجرة الشاي باهرة من حيث المظهر، فهي أصغر من البيوت اليابانية، بينما القصد عن المواد المستعملة في تشييدها منح الانطباع بالتقشف المهذب. ونتج نقاء حجرة الشاي وبساطتها عن محاكاة دير «الزن».ولا يعد معبد هذا الدير مكاناً للعبادة، بل غرفة دراسية يجتمع فيها التلاميذ لمناقشة التأمل وممارسته.

اقرأ أيضا