الاتحاد

تقارير

تحديات القارة السمراء

الأزمة التي أعقبت الانتخابات في كينيا والتي لقي فيها نحو 1500 شخص حتفهم، هي اليوم في طريقها نحو نهايتها، ولكن قبل أن يحول العالم أنظاره إلى منطقة أخرى، من المهم أن ندرك أن النزاع في كينيا، الذي انتهى نتيجة وساطة أمين عام الأمم المتحدة السابق ''كوفي عنان'' بدعم من الولايات المتحدة، ما هو إلا نموذج من نماذج خلل سياسي أكبر تعاني منه أفريقيا يحول دون تطور القارة وتنميتها·
هناك في الواقع مجموعة من العوامل المؤدية إلى زعزعة استقرار الحكم جديرة بالبحث، ولعل التحدي الرئيسي يكمن في ميل القارة إلى الحكم الديكتاتوري السلطوي· إذ تهيمن على الأنظمة الأفريقية المستبدة في أحيان كثيرة، مجموعات حاكمة متشددة ذات طابع عرقي أو عشائري أو إقليمي، تتبنى مقاربات بخصوص السلطة من قبيل ''الكل أو لا شيء''، فهناك، لا يوجد شيء اسمه ''توازن السلطات ومراقبتها لبعضها بعضا''، أو برلمان قوي أو ديمقراطية داخل الحزب الحاكم، وهو ما أدى الميل إلى تزوير الانتخابات عبر أفريقيا إلى إعادة القارة إلى المربع الأول تقريبا بخصوص مسألة الديمقراطية، ولذلك، فسيتعين على كينيا أن تعمل بجد على إعادة صياغة دستورها من أجل حل المشكلة المزعزعة للاستقرار المتمثلة في تركز السلطة والموارد بين أيدي أنظمة فاسدة مدعومة من قبل النخبة، وفي مقدمة هذه الإصلاحات الواجب اعتمادها إصلاح النظام الرئاسي بحيث يشمل رئيسا للوزراء يتمتع بسلطات تنفيذية مرتبطا بأغلبية المعارضة·
من الأبعاد الأخرى للصراع على السلطة في كينيا، مطلب المعارضة المتمثل في اعتماد نظام فدرالي، وهو مطلب يعكس التهميش الذي تعانيه مناطق من البلاد تقع خارج قاعدة الحزب الحاكم، كحال شمال أوغندا، الذي طالما أُرهب من قبل ''جيش الرب للمقاومة''، غير أن اكتشاف النفط زاد من دوافع الرئيس الأوغندي ''موسيفيني'' لتمديد فترته الرئاسية التي لا نهاية لها·
الواقع أن الأخطار كبيرة بالنسبة لشرق أفريقيا بصفة خاصة، على اعتبار أن زعماءها ملتزمون بتحويل ''مجموعة شرق أفريقيا'' -المكونة من كينيا وتنزانيا وأوغندا وبوروندي ورواندا- إلى فدرالية سياسية بحلول ،2015 بيد أنه لم يتم إيلاء ما يكفي من الاهتمام لهذه المبادرة الفدرالية الاقتصادية في شرق أفريقيا، ولعل التحدي الرئيسي هناك يكمن في أن كل البلدان الخمسة ستضطر ربما للسماح للفدرالية بلعب دور مركزي في إدارة العلاقات الداخلية والبينية، وبالتالي، فإن جميع الأنظار موجهة نحو كينيا حيث يمكن رؤية العملية الفدرالية تلك في بدايات الحل الأخير·
ولأن كينيا هي القطب الاقتصادي لمنطقة شرق أفريقيا الكبرى باحتساب جنوب السودان، فإنها تمثل نموذجا بالغ الأهمية بالنسبة للمنطقة، فالبلدان الواقعة في شرق وسط القارة والتي يحيط بها البر من جميع الاتجاهات تعتمد على ميناء ''مومباسا'' الكيني كثيرا، اعتمادا عكسه اضطراب النشاط الاقتصادي عبر المنطقة برمتها بسبب الأزمة في كينيا، وبخاصة أوغندا· وعلاوة على ذلك، فإن أمن منطقة شرق أفريقيا على المديين المتوسط والطويل يتوقف على عملية من هذا القبيل، بالنظر إلى الثورة الديمغرافية التي تشهدها بلدان المنطقة، إذ من المتوقع أن يبلغ عدد سكان أوغندا 103 ملايين نسمة بحلول ،2050 و187 مليون نسمة بالنسبة لجمهورية الكونجو الديمقراطية، و183 مليون نسمة بالنسبة لإثيوبيا· والحال أن الخريطة السياسية الحالية للقارة بكاملها لن تستطيع إدارة هذا النمو داخل الحدود الموروثة عن الفترة الكولونيالية·
وعليه، يمكن القول إن الاندماج الإقليمي هو الأمل الوحيد لمنطقة شرق أفريقيا -والقارة- في السلام والأمن والاستقرار، فإذا كان يراد للسياسات الأميركية والغربية تجاه أفريقيا أن تكون مفيدة وتساهم في دعم الاستقرار، فلا بد من التركيز أكثر على تقوية الاندماج الإقليمي باعتباره نتيجة الحكم الفعال، كما ينبغي أن تشمل هذه الجهود تشجيع البحوث في مجال السياسة العامة في أفريقيا، والنقاش حول خيارات الاندماج التي تأخذ بعين الاعتبار الإصلاحات الديمقراطية الداخلية، إن التحديات التي تواجه القارة على هذا المستوى ضخمة جدا: فلا وجود لمراكز متخصصة في دراسة الاندماج الأفريقي، والحال أن مصلحة أمن أفريقيا تتوقف على معالجة هذا العجز عاجلا وليس آجلا·

فرانسيس كورنيجي
باحث بمركز دراسات السياسة في جوهانسبورغ
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا