الاتحاد

تقارير

سريلانكا··· ونيران النزاع العرقي

حملة الاضطهاد ضد أفراد الأقلية التاميلية تنذر بالشؤم

حملة الاضطهاد ضد أفراد الأقلية التاميلية تنذر بالشؤم

لم يعد هناك مراقبون دوليون لهذه الحرب الدائرة في سريلانكا؛ فقد انقضت الهدنة المبرمة بين الحكومة وحركة ''نمور التاميل'' الانفصاليين، بينما غادرت قوات حفظ السلام الدولية الموجودة سابقاً، وفي الوقت نفسه رفضت الحكومة دخول مراقبي حقوق الإنسان التابعين للأمم المتحدة، وليس ذلك فحسب، بل منع أيضاً اقتراب الصحفيين المستقلين من خطوط المواجهة الأمامية بين الجانبين، وفي الوقت الراهن لا يلوح شيء في سماء ''سريلانكا'' سوى صورة الموت والدمار، هذا ما أكده تقرير صادر عن منظمة الصليب الأحمر الدولي، بما ورد فيه عن مصرع 180 مواطناً مدنياً خلال الستة أسابيع الأولى من العام الحالي وحده·
على رغم صعوبة معرفة ما يجري فعلياً في ساحات المعارك، إلا أن الذي يبدو هو اعتزام الحكومة وضع حد نهائي وحاسم لهذا النزاع العرقي الطويل الأمد، وبينما تواصل الحكومة جهودها هذه، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوصف به المزاج الشعبي العام، هو تعبيره عن حدة الانقسام العرقي الذي عصف بالبلاد على امتداد عدة عقود، حتى بات اليوم أقرب إلى نكء الجراح القديمة وإدمائها مجدداً، فقد حظي هذا الهجوم الجديد من جانب الحكومة على مقاتلي ''نمور التاميل'' -الذين واصلوا القتال لمدة ربع قرن من الزمان في محاولة منهم للانفصال بإقليمهم عن الوطن الأم- بدعم شعبي قوي مـــن جانــــب عرقيــــــة السنهالــــــــي -المجموعة الغالبة في سريلانكا-، وقد عبّر هذا الحماس الشعبي عن نفسه بأشكال مختلفة، أهمها تصاعد أعداد الذين يلتحقون بالقوات النظامية الحكومية، وكذلك في انضمام أعداد متزايدة من المدنيين لجهود الدوريات الأمنية التي تستهدف أي أنشطة مشتبه بعدائها للحكومة، ولذلك فقد انخرط أفراد عرقية ''السنهالي'' بصفة خاصة، في المشاركة في أعمال نقاط التفتيش، بل انخرط بعضهم حتى في تنفيذ العمليات الانتحارية التي تستهدف ''نمور التاميل'' على أمل إحراز نصر عسكري حاسم عليهم في أقرب وقت ممكن·
غير أنه من الصعب جداً تلمس حماس شعبي منحاز إلى صف الحكومة إلى كل هذا الحد، في أوساط الأقلية التاميلية في الجانب الآخر من النزاع، فعلى العكس تماماً، لا يسود هناك سوى القلق والخوف أحياناً، وتعبر هذه المشاعر عن نفسها بقول أفراد ''التاميل'': إنهم يحرصون على البقاء بعيداً عن الشوارع الرئيسية والعامة في الفترات المسائية، مخافة تعرضهم للاختطاف أو الاعتقال، مع التزام الصمت التام مهما كانت الاستفزازات التي يتعرضون لها، ومما شاع خلال المواجهات الجارية الآن بين الطرفين، تعرض مناطق إقامة ''التاميل'' للمداهمات الليلية المتكررة، وهي إجراءات أرغمت الكثير من أفراد هذه الأقلية، على تفادي توجيه أي انتقادات للممارسات التعسفية التي تستهدف الأقلية التاميلية، مخافة أن يفهم أي انتقاد موجه للجهود الحربية الحكومية عموماً، باعتباره انحيازاً أو تأييداً لصفوف المتمردين، ما يعرض المرء للاعتقال، أو إلى ما هو أسوأ تحت طائلة قوانين الطوارئ المشددة المفروضة حالياً·
من بين هؤلاء ''إس· هاريشارشارما'' -شاب تاميلي بالغ من العمر 20 عاماً- فهو لا يكف يبحث عن أي شخص يساعده على الهجرة إلى بريطانيا بشتى السبل، فقد استعاد تفاصيل حادثة مر بها، تكاد تعبّر عن الذي يعانيه معظم أقرانه من الشباب التاميليين؛ فذات مرة كان قد خرج من مكتبة المركز الثقافي البريطاني، واستقل حافلة ركاب عامة في ظهيرة يوم ما، وقبل أن تتحرك الحافلة صعد ضباط الشرطة وطالبوا الركاب بإبراز هوياتهم، ما أثار فيه ذعراً وحالة من الانقباض لكونه يدرك أن هويته سوف تكون مثار ريبة كبيرة، فهو شاب ''تاميلي'' قادم إلى المدينة لتوه من إقليم ''جفنا'' الذي تغلب عليه العرقية التاميليـــة، ومما زاد الأمر سوءاً أنه لم يكن قادراً بعد على التحدث باللغة السنهالية، غير أنه تمكــن من إخفاء شعوره بالخوف على نحو أو آخر، وقد نجح الأمر على رغم الشعور بغصة الإهانة التي سدت عليه حلقه·
يذكر أن انتهاء مدة الهدنة المبرمة، إثر هجمات متكررة لـ''نمور التاميل'' على القوات الحكومية قبل عامين، قد أعقبه احتلال الجيش للمنطقة التي يسيطر عليها المتمردون في شرقي البلاد، ليتبعــه هجــوم حكومي كبير على المتمردين في الجزء الشمالي، ولدى إعلان إدارة الرئيس ''ماهيندا راجاباكسا'' عن وقـــف العمـــل بالهدنــة المبرمـــة في عــام ،2002 خلال يناير ،2008 فقد اضطر مراقبو السلام الدوليون لحزم أمتعتهم ومغادرة البلاد، خاصـــة وأن الهدنــة نفسهـــــا لم تكـــن سوى اتفاق اسمي لا وجود له على أرض الواقــع الدموي، فإلى جانب الحرب الأهلية التقليدية الدائرة منذ ربع قرن، هناك حرب خفية أخرى تدور في المدن والمناطق التي تسيطر عليها القوات الحكومية، بما فيها العاصمة كولومبو· وتتمثل هذه الحرب في حملة الاضطهاد والإبادة الجماعيـــة، التي يتعـــرض لها أفراد الأقلية التاميليــة، فهــــل تلتــفت أنظار العالم إلى هاتين الحربين المروعتين؟

سوميني سنجوبتا- كولمبو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا