إبراهيم سليم (أبوظبي) شهدت أبوظبي مساء أمس إعلان إطلاق «مجلس حكماء المسلمين»، ليصبح أول هيئة دولية مستقلة تهدف إلى تعزيز السلم في العالم الإسلامي، وستدعمه دولة الإمارات العربية المتحدة بالمقر والتمويل. وجاء هذا الإعلان عشية اجتماع مهم عقده عدد من كبار علماء الدين في العالم الإسلامي، وثمن المشاركون فيه احتضان الإمارات بداية مهمة للم شتات الأمة. وأكد المشاركون في المؤتمر أن الأمة الإسلامية في حاجة ماسة لمن يأخذ بيدها الآن، في وقت فقد فيه المسلمون السلام في مجتمعاتهم، وأصبحت لغة الاقتتال الداخلي والاحتراب، والتكفير وإهانة الآخرين وتفزيع المسلمين وغير المسلمين هي السائدة. ويترأس المجلس فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ومعالي العلامة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة. وجاء في نص البيان التأسيسي، اتفاق المشاركين على أن جسد الأمة الإسلامية لم يعد يتحمل حالة الاقتتال والاحتراب بين مكونات المجتمعات المسلمة، وعلى حاجة الأمة إلى تدخل عاجل وضروري لحقن دم الإنسان، مؤكدين أن غاياتهم هي نفسها غايات ومقاصد الشارع التي تتمثل في تأمين الناس على أنفس ودمائهم وأديانهم، وأن ما يعطيه السلم لا يساويه ما تنتجه الحروب. وقد أكد بيان مشترك للعلماء، ضرورة الامتثال إلى نصوص الشرع الداعية لإقرار السلم، وتأصيل مفهوم السلم وشن الحرب على الحرب، وتثبيت منظومة السلم فقهاً وقيمة ومفاهيم وقواعد وثقافة، وتلمس الطريق إلى السلم باقتناع ذاتي من أبناء الأمة ومبادرة جدية ومسؤولة من نخبها وحكمائها وعقلائها للم شتات الأمة وترسيخ قيم التعايش المشترك والسعيد، بهدف إعادة ترتيب البيت الإسلامي. كما نص البيان التأسيسي على أنه من أهداف «مجلس الحكماء» تقوية مناعة الأمة، خاصة شبابها ضد خطاب العنف والكراهية، وتصحيح وتنقيح المفاهيم الشرعية وتنقيتها مما علق بها من شوائب انحرفت بها عن مقاصدها النبيلة، واستعادة الوضع الاعتباري لمرجعية العلماء وتأثيرها المشرف على تاريخ الأمة الإسلامية، وإحياء الوازع الديني والتربوي في جسد الأمة ومكوناتها، وإيقاف لعبة التدمير. ويهدف المجلس الذي تقرر أن تكون العاصمة الإماراتية أبوظبي مقراً له، إلى توحيد الجهود في لم شمل الأمة الإسلامية وإطفاء الحرائق التي تجتاح جسدها، ومبادئ الإسلام السمحة، وتشييع شرور الطائفية والعنف التي تعصف بالعالم الإسلامي منذ عقود. وصرح فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور الشيخ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، أمس بأن الإسلام الذي أنشأ هذه الأمَّة، وصنَع تاريخَها، ودخَل مُكوِّناً أساساً في نسيج حضارتها، هو دين سلامٍ للعالم أجمع، يصنعُ الأمن والسَّلام بين أهله ويُصدِّرُه للإنسانيَّة جمعاء. وأضاف فضيلته «لم يكن بدٌّ من أن يتحمَّل عُلَمَاءُ الأمَّة وحُكَماؤها مسؤوليَّاتهم كاملةً في هذا المنعطف التاريخي الخطير الذي تمرُّ به أمَّتُنا الآن، وأن يُدركوا أمَّتَهم في هذا المعترك البائس بين أبنائها، بالتَّدبُّر والتَّفكُّر العميق والتخطيط الدقيق، والصبر والمثابرة، وبذل الجهد لِنَشر السِّلم وتَحقيقه وتكريسه في مجتمعاتنا الإسلامية، بمنهجٍ وسطيٍ سديدٍ، وفقه رشيد، يُوائم بين فهم النص وفقه الواقع، ومع البُعد عن مَسالك الإثارة والتهييج والحماس الزَّائِف». من جهته، قال معالي العلامة الأستاذ الدكتور الشيخ عبدالله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، إن حالة الاحتراب والتشرذم والاضطراب في الأمة لا تسمح لها أن تصبح شريكاً في صنع القرار في ظل الصراعات الداخلية التي تمزقها، وفي ظل الواقع الذي أصبحت فيه لعبة الموت أمراً معتاداً، وصار فيه تنازع البقاء المفني هدفاً لدى الكثير من أبنائها، موضحاً معاليه أن الفرص التي يمنحها السلم أكثر من الفرص التي تمنحها الحروب التي لا تنتج إلا الفناء، مؤكداً معاليه أهمية الفصل بين الخطاب الإسلامي ومنهج الإسلام، حيث إن الخطاب الإسلامي ليس هو الإسلام، بل هو فهم للإسلام، والإسلام حاكم على المفهوم وليس العكس، فلا يحاكم الإسلام إلى فهم ولا إلى تاريخ. وتتمثل رؤية المجلس في إيجاد مجتمعات آمِنة تُوقِّر العلمَ والعلماء، وتُرسِّخ قيمَ الحوار والتسامح واحترام الآخَر، وتَنعمُ بالسلام، كما تقوم رسالته على إحياء دور العُلَماء واستثمار خِبراتهم في ترشيد حرَكة المجتمعات المسلمة، والإسهام في إزالة أسباب الفُرقة والاختلاف، والعمل على تحقيق المصالحة. وجاء الإعلان عن تأسيس «مجلس حكماء المسلمين» كأول كيان مؤسسي جامع لحكماء الأمة الإسلامية، تنفيذاً لما خرج به المشاركون في منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة من توصيات جاءت في وثيقة البيان الختامي للمنتدى الذي دارت فعالياته خلال شهر مارس الماضي، والتزاماً بمقاصد الشريعة الإسلامية السمحة، وبمبادرة مشتركة من فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، ومعالي العلامة الأستاذ الدكتور الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة. يشار إلى أن منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي عقد بأبوظبي في الفترة من 9 إلى 10 مارس 2014، حضره أكثر من 250 عالماً ومفكراً إسلامياً من مختلف أنحاء العالم، ضمهم أول لقاء من نوعه على المستوى العالمي، وكان من ضمن نتائجه الشروع في تأسيس مجلس إسلامي لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، يضم ثلة من علماء المسلمين المتسمين بالحكمة ليسهموا في إطفاء حرائق الأمة قولاً وفعلاً. البيان التأسيسي - امتثال نصوص الشرع الداعية إلى إقرار السلم. - تأصيل مفهوم السلم وشن الحرب على الحرب. - تثبيت منظومة السلم فقهاً وقيماً ومفاهيم وقواعد وثقافة. - تلمس الطريق إلى السلم باقتناع ذاتي من أبناء الأمة الإسلامية ومبادرة جدية ومسؤولة من نخبها وحكمائها وعقلائها للم شتات الأمة وترسيخ قيم التعايش المشترك والسعيد وإعادة ترتيب البيت الإسلامي. - التجرد من أية عوامل ذاتية تجعل أعضاء المجلس طرفاً في أي صراع سياسي أو ديني أو عرقي. - تقوية مناعة الأمة، خاصة شبابها ضد خطاب العنف والكراهية. - تصحيح وتنقيح المفاهيم الشرعية وتنقيتها مما علق بها من شوائب انحرفت بها عن مقاصدها النبيلة. - استعادة الوضع الاعتباري لمرجعية العلماء وتأثيرها المشرف في تاريخ الأمة الإسلامية. - إحياء الوازع الديني والتربوي في جسد الأمة ومكوناتها. - إيقاف لعبة التدمير. وصادق المجتمعون على اختيار أبوظبي عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة مقراً رسمياً للمجلس، شاكرين ومقدرين لدولة الإمارات وللقيادة الحكيمة ترحيبهم الكريم بهذا الاختيار، سائلين المولى جل وعلا أن يمن عليهم بالصحة العافية والأمن والأمان. تشكيل هيئة الحكماء تتشكل هيئة الحكماء بالمجلس من مجموعة من كبار علماء الأمة وحكمائها، وتضم الهيئة التأسيسية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، ومعالي العلامة الأستاذ الدكتور الشيخ عبد الله بن بيه رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، ومعالي الدكتور محمد قريش شهاب وزير الشؤون الدينية سابقاً في إندونيسيا، والشيخ الدكتور إبراهيم الحسيني رئيس هيئة الإفتاء بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في نيجيريا، والدكتور أبو لبابة الطاهر حسين رئيس جامعة الزيتونة سابقاً في تونس، والدكتور أحمد الحداد كبير المفتين مدير دائرة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، والدكتور حسن الشافعي عضو هيئة كبار علماء الأزهر، رئيس مجمع اللغة العربية في مصر، والدكتور عبدالحكيم شارمن جاكسون أستاذ بجامعة كاليفورنيا الجنوبية، والدكتور عبدالرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، ومعالي الدكتور عبدالله نصيف رئيس مؤتمر العالم الإسلامي، والأمير الدكتور غازي بن محمد بن طلال رئيس مجلس أمناء مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي في الأردن، والدكتورة كلثم المهيري أستاذ في معهد دراسات العالم الإسلامي بجامعة زايد، والقاضي محمد تقي الدين العثماني نائب رئيس دار العلوم في باكستان، ومعالي الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف سابقاً في مصر، على أن تُحدد بقية الأعضاء بما لا يزيد على 40 عضواً. بن بيه: المجلس ينشر السلام باعتباره حقاً للجميع أكد فضيلة العلامة عبد الله بن بيه، رئيس منتدى السلم في المجتمعات المسلمة، أن هناك قضايا عدة يضعها مجلس حكماء المسلمين على قائمة أولوياته، إذ تم الاتصال مع نيجيريا بشأن وقف الصراع مع التنظيم الإرهابي «بوكو حرام»، مشيراً إلى أن المجلس سيتدخل في القضايا التي يمكن العمل عليها، إذ إن هناك قضايا يصعب التدخل فيها في الوقت الراهن، مضيفاً أنه من المتوقع محاولة اختراق المجلس، لكن على الأعضاء الحكماء المسلمين بذل الجهود للتعامل مع هذه المحاولات وتثبيطها، مع ضرورة نشر الوعي بالسلام ومفهومه والتأكيد على أنه حق للجميع، لافتاً إلى أن هناك فكرة إنشاء قناة فضائية، خاصة لبث أخبار المجلس والقضايا التي يعمل عليها. ومن جانبه، قال فضيلة الدكتور أحمد الحداد، كبير المفتين، مدير دائرة الإفتاء في دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، أحد أعضاء مجلس حكماء المسلمين، إن اختيار أبوظبي مقراً لمجلس حكماء المسلمين هو مفتاح الخير والبركة للأمة الإسلامية، وإنشاؤه برعاية دولة الإمارات ودعم قيادتها الرشيدة برئاسة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، يدل على أن المجلس سيكون له الأثر الفعال لتوافر عاملين له، هما المقر والدعم اللذان سيحققان له إمكانية التوسع والانتشار، لافتاً إلى أن أهم قضية سيعمل عليها أعضاء المجلس أولاً إطفاء الحرائق التي تشتعل في المنطقة العربية والإسلامية، بالإضافة إلى نشر الثقافة الإسلامية الوسطية. وبدورها، قالت الدكتورة كلثم المهيري، الأستاذة في معهد دراسات العالم الإسلامي بجامعة زايد، إحدى أعضاء مجلس حكماء المسلمين، إن المجلس لديه الكثير من الخطط والأهداف التي ما زلت قيد الدراسة والنقاش بين الأعضاء، مشيرة إلى أن اختيار أبوظبي مقراً للمجلس، مبادرة عظيمة لها أهمية بالغة، لا سيما في هذه الفترة الزمنية الحرجة التي تشتعل فيها الأحداث في العالم، خاصة في الدول العربية والإسلامية، بالإضافة إلى أن هذه المبادرة تأتي في محاولة لإيجاد الحلول للإشكاليات الموجودة في العالم الإسلامي مع تلمس الوسائل التي يمكن لها أن تعيد لم شمل الأمة العربية والإسلامية ونبذ الخلافات والتخلص من المشاكل التي فجرت الأحداث وأشعلت الفتيل في الدول العربية، مؤكدة أن هذه المبادرة تنطلق من تعاليم الدين الإسلامي السمح لبناء استراتيجية عمل تتوافق مع تعاليم الشريعة الإسلامية.