أرشيف دنيا

الاتحاد

أوجاع الفم تكشف الأمراض الصامتة


صلاح الحفناوي:
'قد تبدو مشكلتي بالنسبة للكثيرين بسيطة وعلاجها سهل ولا تتطلب استشارة طبية·· ولكنها بالنسبة لي وربما بالنسبة لكل من يعاني منها مشكلة شديدة الصعوبة·· ومنذ بدأت معاناتي منها سقطت في دائرة الخجل الذي أحاطني من كل اتجاه، الخجل من التعامل مع الزملاء والأصدقاء وحتى العملاء في الشركة التي اعمل بها·· بل أنا اشعر الآن بالخجل وأنا اكتب هذه الرسالة كما لو كنت تراني·· مشكلتي هي انبعاث رائحة كريهة جدا من الفم·· اشعر بها طوال اليوم·· استخدمت كل أنواع معاجين الأسنان دون فائدة·· قاطعت كل الأطعمة التي قد ينتج عنها رائحة·· أصبحت مدمنا على أقراص النعناع والعلكة وكل ما يمكن أن يخفي رائحة الفم·· دون فائدة·· وقد بدأت مشكلتي هذه قبل عامين ومازالت مستمرة معي حتى الآن·· المشكلة أن هذه الحالة أصبحت تؤثر حتى على علاقتي بزوجتي·· ألا توجد وسيلة تخلصني من عذاب الرائحة وتنهي معاناتي'·· هذا هو ملخص رسالة طويلة جدا أرسلها احد القراء على البريد الإليكتروني·· وكان المفروض أن تأخذ مكانها في زاوية استشارات وألا يتجاوز الرد عليها عدة اسطر·· ولكنها تحولت إلى موضوع محاورة طويلة مع احد الأساتذة المتخصصين في طب الأسنان لأسباب عديدة·· أولها أنها تجسد حالة اللا مبالاة التي نتعامل بها مع الفم والأسنان·· وثانيها أنها تتعلق بمشكلة شائعة جدا كما أكد لي الأستاذ الدكتور عمار الأمير استشاري الفم والأسنان وجراحة الفكين في مستشفى النور·· وثالثها أن هذه المشكلة التي تبدو بسيطة بالنسبة للكثيرين قد تكون عرضا لمشاكل صحية عديدة، بعضها لا علاقة له بشكل مباشر بالفم أو الأسنان·
في البداية يقول الدكتور عمار الأمير أن اغرب ما جاء في الرسالة أن صاحبها يعاني من مشكلة ما تسبب له قدرا هائلا من المعاناة على حسب تعبيره لمدة عامين كاملين لم يفكر خلالهما في استشارة طبيب·· وهو بذلك ربما يكون قد حرم نفسه من تلقي علاج مناسب في الوقت المناسب لمشكلة صحية أهم بكثير من رائحة الفم·· وأهم ما جاء في الرسالة هو ذلك الوصف المسهب لمشاعر الخجل التي ربما تكون السبب وراء عدم لجوئه إلى طبيب متخصص·· والخجل هو مشكلة المشاكل في حياة الكثيرين ممن يعانون من مشاكل صحية عديدة·· فالخجل هو الذي يجعل مرضى الضعف أو الاضطرابات الجنسية لا يبحثون عن العلاج·· وهو الذي يجعل النساء اللاتي يعانين من السلس البولي أو من مشاكل نسائية أخرى يتحملن آلامهن في صمت لأنهن يخجلن من استشارة طبيب·· والسؤال الذي يفرض نفسه هو·· لماذا الخجل من المرض·· ولماذا نعتبر أن الإصابة بالأنفلونزا أو الحمى أو الروماتيزم حالة مرضية لا نخجل منها ولا نتردد في استشارة الطبيب بشأنها·· بينما نعتبر الأمراض المؤدية إلى انبعاث رائحة غير محببة من الفم أو ما نطلق عليه البخر مشكلة تستوجب الخجل·
العرض والمرض
قال الدكتور الأمير: هل تعلم أن البخر أو رائحة الفم يمكن أن تقود إلى تشخيص اضطرابات هرمونية أو أمراض هضمية أو متاعب صدرية؟·· والذي لا يعرفه الكثيرون هو أن البخر عرض وليس مرضا·· وهو يتساوى في ذلك مع قائمة كبيرة من الأعراض التي لا تعالج إلا بعلاج الأمراض المسببة لها·· مثلا الصداع في معظم حالاته عرض وليس مرضا·· هو عرض لارتفاع ضغط الدم وقصر النظر والتهاب الجيوب الانفية والأورام الدماغية وغيرها الكثير·
هذه الحقيقة تنطبق على البخر·· فهو سبب أو نتيجة لمشكلة صحية ما·· وأيا كان السبب فهي تبقى مصدر إزعاج كبير لصاحبها ولمن حوله·· وأسباب البخر عديدة·· بعضها له علاقة مباشرة بالفم والأسنان وبعضها له علاقة بأمراض عضوية في الجهازين الهضمي والتنفسي·· ونبدأ بالأسباب الموضعية·· وفي مقدمتها تسوس الأسنان·· فمناطق التسوس والفجوات الناتجة عنه تكون مكانا مناسبا لتجمع فضلات الطعام التي تتخمر وتتحلل بسبب وجود البكتريا مما ينتج عنه رائحة كريهة لا تختفي باستعمال فرشاة الأسنان ولا أي من أنواع المعاجين ولا باستعمال المواد المطهرة والغسولات التقليدية للفم·· لأنها لا تصل إلى بؤر التسوس المحتوية على فضلات وبقايا الطعام·· والعلاج في هذه الحالة يكون بعلاج السبب أي التسوس و النخر· ومن الأسباب المهمة التهابات اللثة التي تساهم في حدوث ظاهرة أو مشكلة البخر·· والتهابات اللثة بدورها لها أسباب عديدة بينها الموضعية وبينها الأسباب العامة·
الترسبات الكلسية
ومن الأسباب الموضعية وجود ترسبات كلسية على الأسنان سواء فوق اللثة أو تحتها·· هذه الترسبات تؤدي إلى التهاب اللثة الذي من أعراضه النزف اللثوي وتكون الصديد وتغير لون اللثة وانتفاخها وفي بعض الأحيان تكون خراجات لثوية·· ومن الأسباب كذلك عدم العناية بتنظيف الأسنان وانحصار بعض فضلات الطعام بينها مما يؤدي إلى التهاب اللثة·· وهناك أيضا الحشوات السنية الخاطئة أو السيئة والتي تضغط على اللثة، والجسور القديمة التي تعمل على انحصار فضلات الطعام مع عدم القدرة على تنظيف الأسنان بشكل جيد·· وهذه كلها تؤدي في النهاية التهابات لثوية ومن ثم إلى ظهور الرائحة غير المقبولة·· ومن عوامل التهاب اللثة أيضا التنفس المستمر من الفم بسبب مشاكل أنفية مثل لحمية الأنف أو الحساسية المزمنة التي لا تعالج بشكل جيد·· فالتنفس من الفم يجعل المريض يعاني بشكل مستمر من جفاف الفم ومن ثم من البخر أو من الرائحة غير المستحبة·· ومن المهم أن نشير هنا إلى أن التهابات اللثة تجعل الوسط الفموي غير صحي لتواجد الجراثيم المرضية·· ويؤثر على الجهاز الهضمي خصوصا عندما تعوق الآلام والنزف المتكرر عملية مضغ الطعام·
ومن العوامل المهمة التي تؤثر على اللثة وتؤدي إلى التهابها مرض السكري خصوصا في الحالات التي لا يلتزم فيها المريض بالبرنامج العلاجي وبمراقبة نسبة السكر في الدم بدقة·· وكذلك الاضطرابات الهرمونية في سن البلوغ وعند الإصابة ببعض الأمراض التي تترافق بتقرحات في الفم والأسنان·
يضيف الدكتور عمار الأمير: بالإضافة إلى كل الأسباب السابقة هناك أسباب أخرى عديدة مثل التهابات الجيوب الانفية والتي عادة ما تترافق مع صداع شديد وألم في منطقة الجيوب الملتهبة ويشكو المريض من خروج صديد من الفم عند الاستيقاظ من النوم صباحا ومن تغير في الصوت·· وكذلك فإن التهاب اللوزتين المزمن والتهاب البلعوم والتهابات القصبة الهوائية كلها عوامل تؤدي إلى حدوث البخر أو الرائحة عير المستحبة من الفم·· ومن الأسباب الأخرى بعض الاضطرابات الهضمية وأيضا أمراض الصدر المزمنة·· وكلها عوامل تؤدي إلى البخر المستمر وربما تكون السبب الرئيسي له·
وهكذا نجد أن البخر أو الرائحة غير المستحبة من الفم قد تكون عرضا لمرض بسيط·· وقد تكون عرضا لمشكلة صحية مهمة وتتطلب تدخلا علاجيا سريعا لمنع المضاعفات ووقف تفاقم الحالة·· وعلاجها وأن كان يبدأ في عيادة طبيب الأسنان إلا انه قد يتطلب الاستعانة بأخصائي انف وأذن وحنجرة أو غدد صماء وسكري أو أمراض صدرية أو أمراض الجهاز الهضمي حسب الحالة وحسب التشخيص الأولي لأسباب البخر·
الأمراض الصامتة
حقيقة أخرى قد تبدو بالنسبة للكثيرين غريبة وهي أن الكثير من الأمراض الصامتة أو التي لا تكون مصحوبة بأعراض مرضية واضحة يستطيع المريض تمييزها بوضوح يتم تشخيصها عند طبيب الأسنان·· وأن زيارة العيادة السنية قد تجنب بعض المرضى مشاكل صحية هائلة·· وعلى سبيل المثال فإن الكثيرين من المصابين بمرض السكري ولا يعرفون ذلك يتم تشخيص إصابتهم لأول مرة بواسطة طبيب الأسنان عند محاولة تشخيص أسباب التهاب شديد في اللثة·· والأمر ينطبق على الكثير من أمراض الدم والكبد·· وهو ما يؤكد أهمية عدم إهمال أي أعراض سنية والمبادرة إلى طلب المشورة الطبية·

اقرأ أيضا