الاتحاد

دنيا

الحاج سعيد خميس·· يرحل بين زمنين


حوار وتصوير- محمد الحلواجي:
للحاج سعيد اليوم حياة مليئة بالذكريات وهو يشهد أياما تجري في تحولاتها جريان النهر الجارف دون أن تتوقف ولو للحظة واحدة للنظر في وجه الإنسان أو المكان·· وجدته يجلس وحيدا في عصر أحد الأيام الغائمة المشمسة في ساحة حي المريجة بالشارقة القديمة· نظرت إليه من بعيد وهو يتأمل بإمعان حيوية الشباب الذين أحيوا فعاليات أيام الشارقة التراثية فراحوا يرقصون بلغة شغف الروح على أنغام 'المداندو' وترديدات 'العيّالة'·· تتعالى صيحاتهم وتشتد إيقاعات طبولهم وهو لا يفتأ يتفرس في الوجوه من وراء نظارته القاتمة وكأنه يعرفها كلّها أحيانا· أو كأنه يبحث عن وجه ضاع في الزحام تارة أخرى، ولكي يمعن المكان في زيادة مقدار الغرابة على تلك اللحظات، انتبهت إلى شاشتين من شاشات الكومبيوتر وهي تتبدى بوضوح في خلفية المكان الذي اختاره الرجل للجلوس، فأحيانا يتواطأ المكان والزمان على نحوٍ يبدو وكأنه مدبر بشكلٍ مقصود من أجل صياغة المفارقات: شيخ وقورٌ قادم من زمن نهايات اللؤلؤ جاء ليجلس وحيدا على كرسي حديث في بدء زمن القرية الإلكترونية وظلال العولمة· لذا لم أستطع ساعتها أن أكبح فضولي أكثر، فقررت الاقتراب من الرجل عساني أعرف شيئا منطقيا عن مغزى نظراته ولفتاته المبهمة تلك· ولم يتأخر الجواب كثيرا···
ألقيتُ عليه التحية، فحيّاني تحية الأب المتلهف للحديث مع ابنه عن رحلة حياته في الزمن الأول، ليبدأ شريط الذكريات في التداعي والتكشّف بوضوح لحظة بعد لحظة عبر أكثر من خمسة وثلاثين سنة·· ويأتي صوته حميما: الحاج سعيد خميس حمزة·· رجل من سكنة منطقة المريجة التي ولد وترعرع فيها حتى شاءت تصاريف الدنيا أن ينتقل للعيش في منطقة الخزّامية في الشارقة·
صحيفة العمر
ويكشف الماضي قليلا عن وجهه حين يشرع الشيخ في سرد صحيفة سنوات عمره فيذكر أنه بدأ حياته العملية سائقا مجندا في الجيش البريطاني الذي لا يزال يحتفظ بزيّه الخاص بالخدمة آنذاك·· والذي كان يتضمن حينها 'كَمَرْ بته'، أي حزام، وغترة بعقال تعلوه 'شعيرة وخنجر'· ويضيف الحاج سعيد أن رئيسه حينها كان قائدا عسكريا يدعى 'جونسون' كان يقوده مع عدد من رفاقه للقيام بمهمات مضنية لنقل عتاد ومؤن عسكرية في الصحراء والجبال· وقد كان يتقاضى يومها راتبا مجزيا قدره 'سبعين روبية' في الشهر (كانت معظم دول الخليج تتعامل بالروبية الهندية إبان الاستعمار البريطاني)·· ورغم وفرة الراتب الهائل جدا نسبيا حينها، حيث كان يقوم بتوفير ما بين أربعين إلى خمسين روبية شهريا، إلا أن العمل كان شاقا جدا حيث كانت مجاميع المجندين التي تتكون من ست سيارات على الأغلب، تخرج للصحراء في قوافل ومخيمات متنقلة لتحمل الطعام والمعدات للجنود في 'مرفع' و'طريف' و'البريمي'·
كان الطريق الصحراوي القاسي غير معبد على الإطلاق إلى جانب أن السيارات غير مكيّفة بطبيعة الحال، لذلك لا يمكن للكلمات وصف العناء الذي كانوا يتحملونه خاصة وأن بعض الطلعات أو الرحلات كانت تستمر لمدة يومين متواصلين وسط الطرقات الوعرة التي كانت تهز السيارات المثقلة بالبشر والأحمال هزا عنيفا صعودا وهبوطا في أجواء من الحرارة الشديدة والعواصف الرملية التي يعرفون متى تبدأ ويجهلون متى ستنتهي·
استراحة المحارب
بعد أن ينال منه تعب المعسكرات والصحراء، يترك الحاج سعيد الجيش·· ويتجه مرة أخرى إلى أحضان المدينة ليعمل في ميناء خالد سائقا لسيارة رافعة 'كرين' متوسطة الحجم، تتلخص مهمتها في نقل ومناولة كميات هائلة من الاسمنت الذي كان يستخدم حينها في تشييد الميناء، وبعد قرابة السنتين ينتقل للعمل كسائق لشاحنة ثقيلة تجلب الأحجار من البرّ في بداية التحولات في أواخر ستينيات القرن الماضي في شركة (مَادَرْ كَتْ) التي كان مقرها خلف بريد الشارقة المركزي حاليا·· وكان يعمل في الشركة عدد من رفاقه الإماراتيين ومجموعات أخرى من الفلسطينيين والعرب والانجليز·· حيث كانت شاحنات الشركة تتجه لمقالع الجبال الواقعة خلف منطقة 'الذيد'، لتعود محمّلة بالحصى 'الكنكري' بشكل متسارع لتعبيد الطرقات والشوارع وانشاء المطار والمباني الحديثة في بدايات الطفرة العمرانية لإمارة الشارقة·
ويلتفت الحاج سعيد لحال الناس في الماضي القريب وما أصبحوا عليه اليوم فيقول بأسى:
'يا ولدي لقد تغير كل شيء كثيرا بما في ذلك الناس الذين كانوا أنقياء يحبّون بعضهم البعض لوجه الله ويتزاورون رغم تباعد مناطقهم وقطعهم لمسافات طويلة مشيا على الأقدام في ظروف طرق متعبة وصعبة·· في تلك الأيام لم نكن نعرف فقيرا اضطر لمدّ يده وسؤال الآخرين··إذ كانت الناس تدرك حاجات بعضها البعض وتلبيها دون طلب مباشر من أحد ودون ان يضطر الانسان لسفح ماء وجهه·· أما اليوم فقد أصبحوا أناسا مختلفين بسبب الوفرة المادية 'فالفلوس غيّرت النفوس'·· لذلك تكبّر الصديق على صديقه·· ولم يعد الأخ يسأل عن أخته أوأخيه أو يذهب لزيارة أهله ووالديه، رغم قرب سكناهم منه ورغم سهولة المواصلات'·
بِسَاط البساطة
ونعود به إلى مكاننا وزماننا الحالي الواقعي لنسأله عن ذكرياته في احتفالات الماضي·· فيؤكد الحاج سعيد أن 'الناس كانوا يحتفلون بجميع المناسبات وسط أجواء كبيرة من البهجة المهرجانية كالاحتفال بـ 'المولد النبوي' وغيره من المناسبات أمام بيت الحكومة في الشارقة·· إلى جانب فن العيّالة الذي كان يقام عصرا أمام قصر سلطان بن صقر القاسمي القريب من منطقة 'الرولة'·· ويستدرك قائلا إن الفعاليات التراثية التي تقام في البلاد اليوم مهمة جدا كي يتعرف أبناؤنا الصغار على تراث وطنهم وطبيعة حياة وعادات وتقاليد وقيم وأخلاق أجدادهم'·
ونسأله عن كيفية قضاء وقت فراغه بعد أن تقاعد اليوم فيقول: 'في الصباح أذهب للسوق لشراء اللحم والسمك وكل حوائج البيت·· وفي فترة العصر أقوم يوميا بلقاء أصدقائي في دكان أحد الأصدقاء بسوق الشارقة القديم·· ونجلس نتجاذب أطراف الحديث ونقص الذكريات حتى ما بعد صلاة المغرب حيث يتوجه كل منا إلى بيته·· وعدا ذلك لا نقوم بشيء خاصة وأن شيوخ وحكام الإمارات بارك الله فيهم لم يقصروا معنا في شيء، وأولادي كلهم متزوجون ويعملون في أحسن الأشغال·· أحدهم يعمل في القوات المسلحة برتبة مقدم والآخر إمام مسجد ولله الحمد· وكلمتي في الحياة هي 'اصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب' فقد عشنا دهرا لا نعرف القروض ولم نفكر في هم اللقمة أو هم ماسيحدث في الغد·· فلم يكن يأتينا الطفل إلا ورزقه معه·· لذلك نحن نعيش حياتنا ببساطة على أكمل وجه ولا نفكر في خزن الأموال في البنوك·· ولو نزلت علينا أموال الدنيا كلها لن نتغير فهؤلاء -نحن الأولين- ما زلنا كما كنا·· نعيش على بساطنا وبساطتنا'·

اقرأ أيضا