أرشيف دنيا

الاتحاد

وجوه بيننــا


أمينة محمد تجان: الشعور بالأمان أغلى من كنوز العالم
دبي ـ موزة خميس:
كازبلانكا هو الإسم الاسباني لمدينة الدار البيضاء المغربية، ولكن قلة من الناس من يعرف معنى الاسم الذي أطلق على هذه المدينة خلال الاحتلال الأسباني للمغرب، والذي يعني الدار البيضاء حيث تعني كلمة كازا الدار وتعني بلانكا البيضاء، ومن هذه المدينة الجميلة التي المطلة على شواطئ المحيط الاطلسي جاءت أمينة محمد تجان ، حيث ولدت في أرقى مناطق الدار البيضاء وفي (زنقة بوالو) تربت وسط منطقة قريبة من الأسواق وصخب الحياة اليومية، ولا تعرف عدد الخطوات التي سارت بها إلى شارع (آنفا) ذلك الشارع الذي يعد من الشوارع الأساسية الراقية والذي يضم أرقى وأفخم الفنادق والمحال، وكذلك المطاعم التي تقدم الوجبات الخفيفة والحلويات المغربية والشطائر اللذيذة، ومختلف أنواع العصائر التي تواكب المواسم الشتوية والصيفية، كما تقع في ذلك الشارع الذي يبعد أقل من كيلومتر عن منزلها مختلف أنواع المطاعم ومحال الزهور والملابس وغيرها من البضائع المحلية والمستوردة وكذلك البنوك· كانت امينة إحدى أربع بنات بالإضافة إلى ثلاثة أخوة ذكور، عاشت بين أحضان والدين ملتزمين تجاه الأبناء والمجتمع والبيئة التي كانت تضم بعض الأسر غير المسلمة مع ان اختلاف الأديان لم يكن ليسبب ضغائن أو خللا في نمط تربية المسلمين أو سواهم لأبنائهم وكذلك كان الحال في الجانب المهني والوظيفي حيث يعمل الكثير من المسلمين في اعمال تعود لمغاربة من ابناء الديانات الاخرى، والعكس صحيح·
تقول أمينة محمد تجان: منذ كنت صغيرة وأنا أحلم أن أكون محامية والسبب لم يأتِ من ذاتي، فقد كان لوالدتي رحمة الله عليها قريبة تعمل محامية، وكانت والدتي تحب مرافقتها إلى المرافعات، وهناك رأت محامية شديدة الشبه بي، وكانت كلما تعود من الجلسات التي تحضرها تلك المحامية تخبرني أنها تتخيلني محامية في يوم ما، وهكذا زرعت بداخلي بذرة حب قول الحق ونصرة المظلوم والترافع عنه في المحاكم، وبذلك وجهتني بشكل غير مباشر نحو هذا التخصص، وأنصب كل تفكيري وتوجهت اهتماماتي نحو كتبي المدرسية حتى أصبحت من المتميزات دراسيا، ولكني لم أكمل·
الطالبة والإعلامي
في ذروة طلب العلم وعلى بعد خطوات من المرحلة الجامعية، سافر وفد إعلامي من دولة الإمارات إلى المغرب لحضور حدث هام، وكان من بينهم صحافي عربي يقيم في الإمارات وتعمل في إحدى مؤسساتها الصحافية، وهناك وقفت عينه على أمينة وتزوجها· وهكذا ومنذ عشرين عاما أنهت أمينة حياة الطالبة الصغيرة وتخلت عن حلم المحاماة، وارتبطت بزوجها الذي نقلها من المغرب إلى الإمارات، وكان أكثر ما أثر فيها، وكان ينغص عليها حياتها أن تكون بعيدة عن الأهل ومرابع الطفولة، وكان تفتقد حياتها هناك كثيرا، ولأنها صغيرة وغريبة في مجتمع تمتزج فيه جنسيات كثيرة مع بعضها، خشيت من الخروج أو الاختلاط بمن حولها·
وتكمل أمينة ·· بقيت لمدة ثلاث سنوات لم أصادق فيها أي سيدة من الجيران، وكنت اجد عزائي في زوجي الذي لا يفارق الكتابة والاطلاع على مختلف الصحف اليومية والكتب بالإضافة إلى الأخبار والتحاليل السياسية والبرامج الأسرية، ويوما بعد يوم تتراكم في داخلي حياة جديدة صنعتها من خلال علاقتي بزوجي، وهكذا أصبحت أتعلم من زوجي لهجته الآتية من بلاد الشام والتي هي مألوفة لدى مختلف الجنسيات الأخرى وقريبة منهم، ولذلك كانت أول مفتاح لي لتقديم نفسي للآخرين، كما كنت ولا أزال مجيدة للغة الفرنسية مع انني كنت أحب اللغة الإنجليزية بشدة، ولذلك أتاحت لي الساعات الكثيرة التي أقضيها في منزلي متابعة الأفلام الأجنبية التي اتابعها واقرأ ترجمتها وأستمع إلى اللغة وكنت اقرأ في المجلات أو أي كتاب بالإنجليزية حتى أجدتها كإجادتي للفرنسية وأصبحت أترجم من الكتب والمجلات إلى العربية، وكان زوجي إلى جانبي يشجعني على ذلك·
وجه السعد
كنت بعد ثلاث سنوات من الزواج قد رزقت بطفلي الأول سعد الله وبعده بعام ونصف رزقنا الله بالولد الثاني يونس، وبدأت أتعود على حياتي في الإمارات، حيث ألفت عادات أهل الإمارات وأحببت تقاليدهم، وبذلك بدأت أبحث في الجانب الديني من خلال البرامج الدينية الكثيرة التي تبث وتنشر، فوجدت نفسي أعود للالتزام دينيا أكثر مما كنت عليه وأنا طفلة أو عندما كنت على عتبات المراهقة، وقد حببني ذلك في الإمارات حين وجدت أن كل الجنسيات المسلمة فيها أصبحت تمارس حياتها بشكل أكثر أمانا وأطمئنانا ويتقربون إلى الله أكثر، مما يزيد الناس خيرا وبركة وسعادة· اكتشفت اني كلما قمت بزيارة الأهل في بلدي الذي أحبه وله علي الولاء والوفاء، أجد نفسي أهيم شوقا للإمارات، فهناك عشق لها يسكن بين أضلعي، وكأنه ذات البلد الذي ولدت فيه، وكأن فيه أجدادي، لأني هنا في الإمارات تعلمت كل شيء، حيث أستطيع أن أقول إني هنا بدأت من الصفر وكونت رصيدي الديني والثقافي والاجتماعي، والفارق الوحيد في الناحية المادية حيث في المغرب التعليم والعلاج مجانا للجميع، وهنا أسعار ورسوم التعليم والعلاج باهضة، ولا تترك للناس فرصة للتوفير، فما يدخل يتبدد مع الغلاء، ولكن رغم ذلك فكل الجنسيات تحب العيش في الإمارات لتوفر مختلف المتطلبات الحياتية والكماليات وأحدث التقنيات والحياة العصرية·
ولذا أينما نجتمع نجد المئات تلهج ألسنتهم بالدعاء وبالقول( اللهم أدم علينا نعمة الأمان التي نعيشها في الإمارات) فهي فعلا نعمة لا تعوض ولا تعادلها كنوز العالم ولا الأرصدة في البنوك، فما فائدة الملايين إن لم يكن الناس ينعمون بالأمان في المكان الذي يعيشون فيه· حالة الأمان هي ذاتها التي كنت أشعر بها في بلدي، ولذلك هناك حب وهنا قصة عشق، وقد كانت لي في يوم ما أحلام وطموحات، ولكن على مر السنين تتكون بداخل الإنسان الكثير من التجارب التي تؤثر على توجهاته، وبدلا من أن يحقق شيئا لذاته فقط، تراه يركز على أناس آخرين ويحقق من خلالهم تلك الأحلام والطموحات·

اقرأ أيضا