أرشيف دنيا

الاتحاد

الضوابط ·· أقصر الطرق لتعديل سـلوك الأطفــــال


أبناؤنا مرآتنا في السلوك والمواقف(2-2)
ترجمة وإعداد ـ ميسون جحا:
كثيرة هي المشكلات التي تحتاج منا إلى الصراحة في التعاطي معها، بل إن بعض المشكلات تتطلب منا أن نقف وقفة صارمة مع أنفسنا، وأن نقسو عليها أحياناً لأننا نكون السبب فيها بوعي أو من غير وعي· ولا شك أن المشكلات التي تواجهنا مع أطفالنا هي في غالبيتها من هذا النوع، أي أننا مسؤولون بشكل أو بآخر عن وجودها وتفاقمها وعلى الرغم من أن الوالدين يؤثران بشكل كبير في سلوك الأطفال ومواقفهم واستجاباتهم المختلفة تجاه شؤون الحياة، وما يحدث حولهم، إلا أن الكثير من الدراسات تهمل دورهما عندما تعالج موضوعات سلوكية تبدو مألوفة الحدوث مثل: الشقاوة، الكذب، ضرب الإخوة، الشجار المستمر وغيرها· لكن تانيا بايرون الاخصائية النفسية في جريدة التايمز اللندنية تقف في الجهة المقابلة، وتنحو في كتابها الجديد الى التركيز على دور الآباء والأمهات في مثل هذه المظاهر، وتعتقد أن اللوم ربما يقع عليك إذا كان أطفالك دائمي الصياح والبكاء والشكوى· وفي الجزء الثاني من الكتاب تؤكد تانيا بايرون أن وضع ضوابط محددة يساعد على تعديل سلوكيات طفلك، ولكن من المهم أيضا منحه الاهتمام والمحبة·
في عالم الأطفال المثالي، ينفذ الأطفال طلباتك لحظة سماعها، ويتوقفون عن القيام بالأشياء التي ترفضينها فور مطالبتهم بالكف عن ممارستها· لكن في عالم الواقع، يسعى الأطفال دوما لاختبارك أبعد من ذلك· إن التحلي بالإيجابية والصبر في التعامل معهم سيجعل الحياة أسهل، ولكنك بحاجة أيضا لتقرير أين تريدين رسم الخط بين سلوك أطفالك وما تقبلين به وما ترفضين تقبله·
جميع الأطفال بحاجة لضوابط واضحة من أجل فهم القواعد المتعلقة بسلوكهم· بوضع الضوابط في مكانها، يصبح سلوك الأطفال أكثر قابلية للثبات· بعض الأسر ترعاها الأم فقط، وفي بعضها يقوم الأبوان بمهمة التربية، وفي أسر أخرى تنشأ علاقات مع زوجة الأب أو زوج الأم· مهما يكن الوضع الأسري، يجب على جميع الأطراف الاتفاق فيما بينهم على أسلوب واحد للتعامل مع الأطفال· ولو كان الأبوان مختلفين حول ما يريدون، فإنهم يواجهون مشقات كبيرة في وضع ضوابط وقواعد خاصة سلوكيات اطفالهم·
نيجل وبيانكا برايس اختلفا بشأن قواعد معينة داخل المنزل· شعرت بيانكا بأن نيجيل شديد الصرامة، بينما رأى نيجل أن زوجته متساهلة· على سبيل المثال، أمضى نيجيل 15 دقيقة في محاولات يائسة لوضع هيربي الشديد الصياح في حوض الاستحمام، خاصة أن نيجيل استمر في الصياح وإصدار الاوامر لابنه قائلا' أدخل للحمام· لا أبالي فيما إذا كنت راغبا بالاستحمام أم لا'· كثيرا ما تثور أعصاب نيجيل لدرجة تجعله يستدعي زوجته بيانكا التي تسارع لتهدئة هيربي، ولتقول له لاحقا أنه لا داعي للبكاء وأنه تصرف بسخافة· أدى اختلاف مواقف الأبوين لجعل الصغير هيربي أكثر قوة، وقد حظي بمزيد من الاهتمام لأنه شديد العناد والتمرد، لكنه لم يتلق رسالة واضحة من أبويه بشأن نوعية السلوك الذي ينتظرانه منه·
قواعد وضوابط محددة
حال وضع قائمة من القواعد والضوابط، يمكن التفكير في كيفية تطبيقها· تذكري أن تلك المواقف تطبق بالشكل الأفضل في أجواء من المحبة والسعادة يتلقى من خلالها طفلك مزيدا من الاهتمام الإيجابي·
القاعدة الهامة الأولى تقوم على عدم تكرار الطلب أكثر من مرتين· إذا واصلت تكرار المطالب على مسامع أطفالك، سيعتادون على تجاهلك· وإذا علا صوتك بالصياح، لن يبالوا فيما بعد بغضبك· ولو افتقر صوتك للقوة، لن يتعاملوا معك بجدية·
لكي ينفذ أطفالك مطالبك، تحتاجين لأن تسأليهم بلطف في المرة الأولى، ثم تكررين الطلب بحزم وصرامة· وفي المرة الأولى، استخدمي عند توجيه الطلب نبرة صوت هادئ ولطيف لكنه يتسم بالنفوذ والسطوة· احرصي على أن يكون صوتك مسموعا وانظري في عيني طفلك مباشرة· وجهي الطلب لطفلك كما تحبين أن يوجه إليك طلب للقيام بعمل ما·
مزيد من الحزم
وإذا استجاب طفلك ونفذ رغبتك، كافئيه بالشكر والمديح· وإذا رفض طفلك أو تجاهل طلبك، يكون الوقت مناسبا لفرض مزيد من الحزم· اقتربي منه وانزلي لمستوى طوله وانظري في عينيه مباشرة· يفترض أن تكون نبرة صوتك هادئة لكنها تظهر أنك تعنين ما تقولين· ارفعي صوتك للفت الانتباه، لكن لا تصيحي لأن ذلك يعطي الانطباع بأنك فقدت أعصابك· وإذا كررت طلبك مرتين ورفض طفلك الاستجابة وما زال رافضا القيام بأي عمل، تكونين في حاجة لاتخاذ موقف يدل على أنك غير سعيدة ولست راضية عن تقاعسه· في هذه الحالة تتوفر أمامك عدة خيارات، كأن تتجاهلينه وتمتنعين عن مكافأته، أو تؤجلين الوفاء بوعد خاص به·
إن تجاهل الأطفال أسلوب قوي وفعال في توجيه رسالة بأن سلوكهم السيئ ليس مقبولا· يقول عدد من الآباء والأمهات أنهم حاولوا تطبيق هذا الأمر لكنه لم يكن مجديا· غالبا ما يحدث ذلك لأن الأهالي تراجعوا واستسلموا لمطالب الصغار عوضا عن المضي قدما في تنفيذ خطتهم حتى تؤتي ثمارها·
يفيد التجاهل في التقليل من أثر السلوك المرفوض، ولا يجعله محط اهتمام، ويقلل بالتالي من تكراره· احرصي على أن يترافق ذلك بامتداحك لحسن السلوك، وعندها سيدرك طفلك أنه لن يستفيد شيئا عندما يسيء السلوك·
دأبت تامارا كاريرا على إجبار ابنها كانو ذي الأعوام الأربعة على إعادة ألعابه لمكانها بعد كل مرة ثار فيها غاضبا ورمى بألعابه في كل مكان· لكن تامارا نصحت بتجاهله، وأن تظهر له بوضوح أنها غير سعيدة بتصرفه وأن تقول له' لن أكلمك حتى ترتب البيت وتعيد الألعاب لمكانها'· لكونه غير معتاد على التجاهل، ثار كانو وبدأ يضرب أمه ويحاول إجبارها على التحدث إليه· لكن تامارا ابتعدت عنه قائلة' سأتكلم إليك بشرط واحد، وهو أن تقوم بما طلبته منك'·
رغم إصرار كانو على موقفه لبعض الوقت، هدأ في نهاية الأمر، بعد أن ثبت له أنه لن يستقطب أي اهتمام إذا كان مشاكسا· يحاول عدد كبير من المربين تطبيق الشعار القائل' إذا لم تفعل كذا، لن تحصل على هدية فاخرة'· من السهل أن يتحول هذا الشعار لكلام فارغ ولتهديدات غير واقعية· يدرك الأطفال جيدا أنك لن تمضي قدما في تنفيذ تهديدات مثل' لو لم تتوقف عن القيام بهذه الأعمال، سألغي الرحلة'·
إنذار يترجم لعمل
حالما وجهت إنذارا لم يترجم لعمل، فإن ذلك سيؤدي لتعزيز السلوكيات السيئة عند الأطفال، ويعني أنهم لن يأخذوا كلامك على محمل الجد· لكن، حرمان الأطفال من المكافآت أو المزايا يعد استراتيجية فعالة·
رسم مات وزوجته ماندي ايلسون جدولا للعقوبات خاصة بولديهما شيلبي وعمره 9 أعوام، وتانار وعمره 7 أعوام، واتفقا على أن الطفلين سيفقدان فرصة قريبة لشراء لعبتهما المفضلة بلي ستينشين إذا تشاجرا· في كل مرة يسيئان التصرف، تقوم الأم برسم إشارة على الجدول تدل على تضييع فرصة الشراء· وقد نجحت الخطة لأنه لم يكن أي من الصبيين راغبا بتضييع فرصته في الحصول على اللعبة·
وإن النقطة الأهم الجدير تذكرها عند التعامل مع الأطفال، وخاصة الصغار منهم، هي أن صوت الأفعال أعلى من صوت الكلمات· يمضي عدد من الآباء والأمهات ساعات في الجدال والتفاوض مع أطفالهم في محاولات فاشلة لردعهم عن الســـــــلوكيات الخاطـــــئة· لكن الطريقة المثالية لتعليم الأطــــــفال ما ترفضينه من أشياء تتم بهدوء ودون ضجيج·
كانت سارا كريستي تتسوق مع ماثيو وهو في الخامسة من عمره· عندما قرر الجري بعيدا عنها· كان عليها اللحاق به لإمساكه· لكن ما إن فعلت ذلك حتى كان عليها أن توضح، بالأفعال وليس الكلمات، أنه أساء التصرف· أخرجته بصرامة، ودون الدخول معه في أي نقاش، من مركز التسوق، ثم جلست على مقعد ووضعته في حضنها دون أن تكلمه حتى هدأ· في تلك الحالة، تلقى ماثيو عدة رسائل واضحة، وهي أن أمه سارة لم تكن راضية عن سلوكه، وأنها هي التي تمسك بزمام الأمور، وان العقاب ينتظره عندما يجري بعيدا عن أمه·
وفي حين يعد الضرب فعلاً مؤثراً أكثر من الكلمات، فإن الخبراء لا يشيرون باتخاذه كتكنيك لإدارة سلوك الأطفال· إنه يقدم رسالة مربكة، ويمكن أن يطبع في أذهان الصغار أن الضرب وسيلة مقبولة· ورغم إقبال البعض على ضرب أطفالهم( ليس الضرب المبرح بالطبع)، تتوفر عدد كبير من الوســـــــائل الأكثر فعالية، والتي لا تدع مجالا لأن يتســـرب الشعور بالذنب للأهالي بأنهم آلموا صغارهم·

اقرأ أيضا