الاتحاد

دنيا

مسلسل الدم

في الصيف قبل أربعة وعشرين عاما وقعت مشاجرة بين الجارين المزارعين «فتحي» و«حسونة»، بسبب لعب الأطفال، ومن الأصل فإن العلاقة بينهما متوترة بشكل مستمر لأنهما متجاوران في البيوت والحقول، وتنشب الخلافات بينهما لأتفه الأسباب لأن كلا منهما لا يتحمل من الآخر أي تصرف ولو كان عاديا، ولم تكن هذه المشاجرة هي الأولى بينهما وإنما سبقتها مشاجرات كثيرة، ويتدخل أهل الخير ويصلحون بينهما، لكن تظل النفوس مشحونة، ولم يسامح أي منهما صاحبه ويكون التصالح شكليا، ينتهي في أحسن الأحوال إلى أن يكون في شكل خصام بلا كلام أو تعاملات بينهما، وهذا في حد ذاته كان جيدا لأنه يجنبهما التصعيد في الموقف المتوتر، هذه المرة تطور الأمر بشكل غير مفاجئ وكان متوقعا بالنسبة لما كان يحدث بينهما من قبل، فقد وصل إلى نهايته الدامية عندما قام فتحي بقتل جاره حسونة، حيث ضربه بشومة على رأسه ضربة واحدة أودت بحياته وهشمت عظام جمجمته.
وقت ثقيل
تعكرت الأجواء في القرية التي كانت آمنة، سال الدم على ترابها، وما تلك إلا بداية لمزيد من الدماء وليس نهاية لمشاجرة أو خلاف، فأهل هذه المنطقة اعتادوا الثأر والانتقام، فهم لا يتركون حقهم بل ربما يبالغون أحيانا ويزيدون في الفعل، ويظهر النمامون ويلعبون دورهم في هذه الأجواء يشعلونها نارا لكي يسقط المزيد من الضحايا، ألقي القبض على فتحي ولم يستطع التهرب من جريمته التي ندم عليها كثيراً، ولم يشعر بأثر فعلته إلا بعد أن وقع الفأس في الرأس وانتهى الأمر، ولو عاد به الزمن لتنازل عن حقه ولتصالح مع جاره، لكن سبق السيف العذل، اقتادوه إلى التحقيق ليعترف بتفاصيل الجريمة محاولا تبريرها، وأنه لم يقصد قتل جاره وإنما تخويفه والدفاع عن نفسه، وأحيل إلى المحاكمة وقضت محكمة الجنايات بمعاقبته بالسجن المؤبد لمدة خمس وعشرين سنة، ينظر إليها على أنها دهر طويل بلا نهاية فقد يموت قبل أن تنتهي مدة العقوبة، إنه الآن في الأربعين من عمره، ومنحنى العمر بدأ في النزول، فهل يمتد به الأجل ليعود ويخرج إلى النور مرة أخرى، هذا هو السؤال الذي يسيطر على رأسه ويلح عليه ليل نهار، خاصة أن أياما قليلة لا تزيد على أصابع اليدين مرت ثقيلة بطيئة ليلها طويل ونهارها كئيب، فما بالك بالأسابيع والشهور والسنين؟
هذه حال فتحي في محبسه فهو مهموم مكتئب، يدخن بشراهة، صامت معظم الوقت لا يتكلم ولا يرد على من يتحدث معه ولا يجيب عن أي سؤال يوجهه إليه زملاؤه النزلاء، الزيارة التي تأتيه كل شهر لا تهون عليه الحالة الصعبة التي يمر بها بل تزيده ألماً وحزناً بعد أن ينتهي وقتها القصير، يتحسر على أمه العجوز وزوجته الشابة وطفليه وهم يتحملون عناء السفر إليه في سجنه، يعانون أشد المعاناة في كل مرة بجانب ضيق ذات اليد، وما تركه من فراغ في البيت، ومع هذه الظروف فقد تتباعد الزيارات ولا يأتون إليه إلا كل ستة أشهر مرة، مازالت الفترة طويلة جداً كأن عقارب الساعة توقفت عن الدوران والزمن لا يمر، كل ما يتعلق بالوقت تجمد بلا حركة، الثواني ثقيلة بطيئة، فشل في فعل ما يفعله السجناء الآخرون الذين يعيشون حياتهم في محبسهم على طبيعتهم كأن شيئا لم يكن يتمازحون ويضحكون ولا يحملون همّ أي شيء، حتى من يقضون عقوبات أطول فترة منه، ومن قضت المحكمة بمعاقبتهم بالإعدام أفضل حالاً منه نفسياً.
نحو الهاوية
القتيل حسونة ترك ولداً وحيداً هو «جمعة»، صبي في السادسة عشرة من عمره عندما وقعت جريمة قتل أبيه، شاهد القاتل وهو يرتكب جريمته، لا ينسى المشهد، أبوه يسقط على الأرض جثة هامدة، ويفقد حياته ويلفظ آخر أنفاسه وتغرق جثته في الدم، لا يستطيع أن ينام فلا تمر ليلة حتى يرد المشهد الدموي على مخيلته يجاهد كثيرا ليتخلص منه، ويعاني حتى ينام بعد صعوبة بالغة، ليست هذه هي المعاناة الوحيدة التي يواجهها جمعة لكنه يجد كل من حوله يحثونه على الثأر لأبيه، يدفعونه دفعاً نحو الهاوية ليقتل أي شخص من عائلة غريمه، الأقارب والأباعد على حد سواء يلحون عليه بشدة، يخططون له ويرسمون الطريق المفروش بالدم، لكن جمعة لم يفعل شيئاً مما يريدون، حتى أن موقف أمه الأرملة التي فقدت زوجها لم يكن مخالفا لهم، بل هي الأخرى تدور في نفس الأفكار، ومع أنها ذاقت فقد الزوج لم تفكر في فقد الابن لأن على عينيها غشاوة، فهي لا تفكر في أن ابنها لو ارتكب جريمة فإنه سيدخل السجن وقد لا يعود، لا تنظر أبدا إلى الأمام ولا تقرأ العاقبة، فقط تريد أن تشفي غليلها وتنتقم لمقتل زوجها.
يبدو أن كل هذه الضغوط والمحاولات لم تؤثر في جمعة قيد أنملة، ولم تحرك عنده ساكناً حتى عندما عيروه بأنه ليس رجلا، ولو أن أباه أنجب فتاة لكانت أفضل منه وأكثر رجولة ولتحركت الدماء في عروقها، وهبت تنتقم لأبيها ولا تسكت على دمه، لكن الشاب ألقى بهذا كله وراء ظهره ولم يعره أي اهتمام كما كان يبدو من تصرفاته وردود فعله على كلامهم، بينما ما في نفسه لا يعلمه إلا الله، لم يبح به لأحد، حتى أن السنين الطويلة كانت كافية لتتوقف هذه الضغوط التي كانت تمارس عليه، ووصل الأمر إلى أن الناس جميعاً كادوا ينسون الجريمة وبدت الحياة عادية، وانشغل الجميع بأمورهم مات من مات وكبر الصغار وتزوج الشباب وتغيرت الدنيا في المكان، وقامت البيوت الجديدة وامتد العمران، لم يعد شيء على ما كان عليه.
الانتقام بالمرصاد
السنون ولو كانت بالمئات أو الآلاف والملايين لها نهاية، تمر بحلوها ومرها وأحداثها، وهكذا انتهت فترة العقوبة التي قضاها «فتحي» في السجن عن جريمة القتل، خرج إلى النور، كل شيء تغير، معالم الأماكن والوجوه، قليلون الذين يعرفهم، ما يقرب من أربعة وعشرين سنة وراء القضبان غيرت كل ما في القرية، ولم لا وهو نفسه قد زحفت علامات الزمن على وجهه الذي غطته التجاعيد، فقد تخطى الستين وسقط شعر رأسه إلا قليلا من شعيرات بيضاء شاهدة على ما مضي من العمر، جاءه المهنئون ملأوا البيت وسط زغاريد النساء وأغاني الشباب، بينما يريد هو أن يستريح قليلا، لا يصدق ما هو فيه ولم يصدق كل هذه الأحداث القاسية، والأكثر قسوة فقد زوجته التي وافتها المنية منذ ثلاث سنوات ولم يكن في وداعها ولم يلق عليها النظرة الأخيرة، ولم يتمكن من تلقي العزاء فيها، وحيد الآن كان بحاجة لها لتكون بجانبه، يشعر بالغربة في الحياة كلها لم يكن يتوقع أن تتغير كل المظاهر بهذه الصورة، لم يعد الناس ولا البيوت ولا الأشجار والزراعات كما كانت، لا الزمان هو الزمان ولا المكان هو المكان ولا الناس هم أنفسهم الذين تركهم قبل هذه السنين.
آثر «فتحي» أن يعتزل الجميع ويلجأ إلى قطعة الأرض التي يملكها يقضي فيها معظم وقته، يستيقظ قبل طلوع الشمس ويتوجه إليها يقضي بها كل النهار، ولا يعود إلا بعد العشاء ينام وهو يتململ في فراشه فقد أرقته أمراض الشيخوخة، بعد أسبوع واحد من خروجه من السجن، لم يعد إلى بيته هذه الليلة، في الصباح وجدوا جثته طافية على سطح مياه ترعة الري، اعتقدوا أن قدمه انزلقت ولم يستطع الخروج، لكن الطبيب أكد أن الوفاة ليست بسبب الغرق وأنه مات مخنوقاً قبل إلقاء الجثة في الماء، وهذا يدل على أن هناك جريمة، وأن الوفاة ليست طبيعية، كان لابد من إبلاغ الشرطة وتحرير محضر رسمي لكشف ملابسات الحادث.
توجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى «جمعة»، فهو الوحيد صاحب المصلحة في قتله انتقاما لأبيه، لكن لا يوجد دليل واحد ولا شاهد عيان على هذا الاتهام الذي يقوم على الظن ولأن الضحية هو قاتل والد جمعة من قبل، وعندما جاؤوا بالمشبوه أنكر تماما صلته بالحادث، وقال إنه كان نائما في بيته طوال الليل ولم يخرج إلا في الصباح على هرج ومرج عندما تناقل الناس خبر مقتل فتحي، وقامت النيابة بفحص الجثة وتأكد وجود آثار خنق على الرقبة، كما قامت بمعاينة مسرح الجريمة، وهناك كانت المفاجأة فقد عثر على «حذاء» قديم ملقى مقلوبا على الأرض ذهب الظن في البداية إلى أنه يخص القتيل، لكن تبين عكس ذلك فالقتيل ينتعل «شبشباً» وقد كان موجودا على مسافة ليست بعيدة، إذاً فهذا هو حذاء القاتل. وتأكد أن الحذاء يخص جمعة خلعه أثناء ارتكاب جريمته ونسيه في المكان عندما أراد أن يهرب حتى لا يشعر به أحد، حينها انهار واعترف بأنه صبر كل هذه السنين لينتقم من قاتل أبيه، وخطط كي يفر من العقاب، لكن خطته باءت بالفشل، ويتم حبسه في السجن نفسه الذي كان فيه القتيل، منتظرا الحكم العادل.


أحمد محمد (القاهرة)

اقرأ أيضا