أرشيف دنيا

الاتحاد

شــقيقات العزلة ·· يرصـد سحر المناطق النائية

الفجيرة ــ إبراهيم الملا:
'موزة، وشيخة، وحليمة' ثلاثة أسماء طالعة من وهج الأرض لثلاث أخوات يتيمات اخترن الصبر والعزلة وصحبة الحيوانات الداجنة كبضاعة لأحلامهن الأنثوية البسيطة، وكعودة أبدية لطفولتهن المصادرة والمغيّبة، يقمن تحت سقف من 'الدعون' المتهالكة لمنزل حمل على عاتقه ثلاثين عاماً من سياط القيظ، وانهمار الغيوم والذاكرة الموبوءة بالشرخ، لا يحرسهن سوى دعاء الأم الغائبة واليقظة المهيبة لجبال 'الغونة'، الواقعة بين دبا ومسافي، وفي 'الغونة' بالذات كان على القدر أن يهيء لهؤلاء الأخوات موطناً من الإقصاء والنبذ والوحشة القصوى ، وفي 'الغونة' أيضاً كان على الأخوات أن يروضن حتى الريح كي لا تنحني واحدة منهن لعاصفة الأيام وعنف الأزمنة·
في منزلهن المتداعي، مثل 'عرجون قديم' كانت الظلال المتصدعة تتسرب إلى الباحة وكأنها أغصان الشجر الميت والمحروق، وكان الخراب يانعاً في كل غرفة وكل زاوية، وتحت كل حجر صغير· كان الغرباء -رغم قلتهم- يتجنبون المكان خشية واحتراساً، وضجيج طيورهن وأغنامهن يذهب للجبال القريبة ولا يرتد، لقد احتشد الصدى حتى صار جبلاً هو الآخر، لكنه الجبل الذي اعتمر الصمت طويلاً، وذهب في السراب حد الذوبان، وحد الخديعة·
طبيعة التسجيل
عندما فكر المخرج مسعود أمرالله مع فريق العمل في تنفيذ مشروع هذا الفيلم، كانت الصعوبات التقنية والموضوعية هي هاجس الجميع؛ فطبيعة التعامل مع فن بصري مستقل مثل الفيلم التسجيلي عليها أن تواكب نوعية المعطيات التي تكوّن نسيج هذا الفيلم، كالتحريض، وكشف الحقائق، والاصطدام بذهنية الآخر -الذي هو موضوع الفيلم- وبكل ما يحمله هذا الآخر من خبرات ذاتية، ومرجعيات متوارثةٍ؛ بالإضافة إلى أن الفيلم التسجيلي يعتمد أثناء تصويره على براعة المصور في استثمار الحدث، فبعض المشاهد الحية قد تظهر لمرة واحدة فقط، وقد لا تتكرر أبداً، على عكس الفيلم الروائي الذي يستطيع فيه المخرج أخذ عدة لقطات للحدث الواحد، واختيار الأنسب منها بعد ذلك، كما أن الأفكار في الفيلم الروائي تكون مصاغة سلفاً على الورق 'سيناريو نص، وسيناريو إخراج'، ويتم اختيار التجهيزات التقنية وفقاً للنص المكتوب· في الفيلم التسجيلي، أنت تتعامل مع شخوص من لحم ودم، ومع لقطات لحظية وطازجة، وكادرات تتخلق تبعاً لظروف الحدث الآني لموضوع الفيلم؛ فطبيعة الفيلم التسجيلي أقرب إلى الارتجال منها إلى التخطيط المعتمد على هيكل السيناريو، وهذا الارتجال عليه أن يتعامل، وبسرعة عالية، مع كل التقلبات والتغيرات التي تطرأ على شخصيات الفيلم وأحداثه، ولذلك لم يكن غريبا ان يصف النقاد الفلم التسجيلي بـ: (ضمير السينما)·
شعرية الخراب
في إحدى المرات عندما كان فريق التصوير منهمكاً في ملاحقة تفاصيل منزل الأخوات وغرفهن المسكونة بالغرابة، أطلق المخرج مسعود أمرالله وصفاً لخص به شكل المكان، وقال لنا أن ما يراه من حوله ومن خلال الكاميرات هو تعبير مفعم لشعرية الخراب، لقد كنا نشعر فعلاً بهذا التضاد والتداخل بين الأشياء، كأننا في متحف غرائبي منتمٍ بقوة لهوية صانيعه، ولرائحة الأرض التي صادقوها، إنه متحف أنثوي لكنه غير مهجوس بالتزيين، ومديح الجمال· ذلك أنه ممتلىء بأرواح عذبة ومعذّبة في آن، وبأنفاس تصهل في حرائق الوقت· لقد بدا المكان عندما زرناه وكأنه طالع للتو من إحدى روايات الواقعية السحرية، أو من حكايات الخرافة الشعبية التي أطلقها الرواة في لحظة خدر وهيام مفرط· ذكّرنا المكان أيضاً بعوالم القاصة الإماراتية سلمى مطر سيف، خصوصاً في قصّتها العارمة، والموسومة بـ 'عشبة'؛ فكل ما تشاهده من طقوس يومية للأخوات، وخصوصاً طقس الرعي ومشاغل الصباح، يحيلك مباشرة لقراءات ذاتية سابقة حول تذويب المتخيل في الحقيقي، وحول الارتقاء بالملموس والمشاهد إلى مصاف المتلاشي في وهج اللغة المخترقة والباذخة بالظلال والإيحاءات·
ورغم اهتمامنا بالمنزل كمكانٍ عامرٍ بجماليات التشويه، إلا أن إحساساً مبهماً كان يقودنا للعيش في زمن مستعاد، ومأهول بالثبات الذي يجدد ذاته بذاته، ويحفر حضوره في المكان مثل عروق النبات الضاربة في قاع الحجر· لقد شكلت قرية 'الغونة' عنواناً لدهشتنا التي نسيناها في التكرار القاحل للمدن، فلستة أيام متواصلة، هي مدة تصوير الفيلم، كانت دهشتنا تتوالد وتتلون وترتدي أثوابا مختلفة كل يوم، وهذا المزيج المتداخل والنادر بين الفناء والخلود، وبين الإنسان كجوهر، والطبيعة كمظهر، لا يمكن العثور عليه سوى في هذه الأمكنة النائية بنفسها عن البصيرة الملوثة لأناس المدينة، وعن إعاقات التأمل عند سكان الأقفاص الإسمنتية العالية· لقد كنا في 'الغونة' على وعد حقيقي مع الماضي كقيمة، ومع الحاضر كاتساع شعري يستحق المطاردة والكشف، وحتى التلصص!
لون العسل والحناء
عندما سألت أهالي المنطقة عن معنى كلمة 'الغونة'، لم ألق الإجابة الشافية، ربط بعضهم الاسم بكلمة 'الغنى' المرتبطة بوفرة المحاصيل الزراعية ومياه الأمطار قديماً، كنتُ شخصياً أميل لربط اسم القرية بكلمة 'الغناء' كتفسير شعري ربما، وعندما سألت الشاعر أحمد راشد ثاني جاءت إجابته كتأكيد لهذا الحدس، وقال 'إن الغونة تصغير لكلمة (غنّ) بتشديد النون، ومعناها الحفر في الأرض، ومنها اشتقت كلمة الغناء التي تعني الحفر في الحنجرة!'
عندما ذهبت لزيارة 'الغونة' القديمة، ازداد يقيني بهذا التفسير الأخير، حيث رأيت بئراً قديمة، وعميقة جداً، لم أشاهد مثلها من قبل، وهي تربض مثل سرّة لا نهائية في بطن الجبل، وكان الصمت هو الآخر غناءً متحجراً في المكان، وكان شدو المزارعين والرعاة القدامى مطبوعاً على الأطلال الباقية· كنتُ أرى الخيالات المرتعشة لسيولٍ مرّت ذات يوم، وضحكات نسوة غسلن أحزانهن في الوادي، وذهبن في الأبد· هذا الغناء المسترسل، وهذه البهجة الحيوانية الطليقة كانت ملازمة للأخت الكبرى 'موزة'، وهي تقود قطيع الماعز وسط جبال مصغية ومطلية بالشفق البارد، وبلونٍ صمغي ولدن أشبه بمزيح العسل والحناء· كان طقس قيادتها للقطيع، الذي يبدأ بعد الفجر بقليل، وينتهي مع وقت الضحى، أشبه بطقس العُبّاد الذين يفنون رغباتهم في مهن قاسية، وتمارين مهلكة حتى يفوزوا بلذائذ روحية وهيامات صوفية تحوّل الجسد إلى وعاء من نور· ورغم جهل 'موزة' بالتفسيرات الخفية لهذا الإحساس؛ إلا أنها وفي ذروة عزلتها بين الجبال تتحوّل إلى ملكة على المكان، وبصلاحيات مُطْلقة حتى على أنفاس الشجر، وأعشاب السفح، تتلبسها حالة من التناغم العجيب مع عنزاتها، فتحدثها وتنادي عليها بأصوات بدائية غامضة، وكأنها تستنطق دهوراً من الوئام الفطري بين الإنسان وحيواناته الداجنة· لقد كانت تستحضر الميثولوجيا القديمة بصوتٍ بهيمي وحاد، يخدش الهواء، ويكشط الحصى· لقد أشفقنا جميعاً على المصور الذي لاحق 'موزة' صعوداً وهبوطاً بين المتاهات الصخرية، وألاعيب الممرات الغائصة بين الوديان· وعندما تستطيع امرأة وحيدة مثل 'موزة' أن تروض جبلاً بأكمله، وأن تتوحّد مع الطبيعة بهذا الاختراق والتداخل غير المفسَّر؛ فإن المسألة برمتها سوف تقودك لمنطقة التفكير المتبصّر بهؤلاء الشخوص النادرين الذين تصادفهم لمرّات قليلة في الحياة، وتكتشف ضآلة كل ما قرأته وخبرته أمام صدمة مشاهدتهم، والتي لا تصطدم بالعين فقط، ولا تنتهي بالنظر، بل تغوص وتتوالد حتى قيعان الروح، إنه صوت الحجر الذي لن تسمعه أبداً، وهو في طريقه إلى بئر المعرفة الكاملة والحقيقة المطلقة·
رحلة ليلية بين جبال داكنة
كانت الأيام الستة المخصصة لتصوير منزل الأخوات، وأجوائهن الغرائبية أقرب للورش اليومية، وكان مسعود أمرالله يجمعنا على طاولة واحدة لوضع الاقتراحات، وسماع الملاحظات الكثيرة والمتشابكة، خصوصاً وأننا كنا نتعامل مع ظروف غامضة وغير متوقعة؛ ورغم اعتماد أي فيلم تسجيلي على حصيلة وافرة من المعلومات، ومن الفضول الذي لا يتوقف عن البحث والمعاينة والرصد، قبل الدخول الحقيقي في معترك التصوير والتعامل مع الأجهزة والمواقع والرؤى الإخراجية، ورغم زياراتنا السابقة والمكررة للمكان قبل عدّة أشهر للتعرف عليه، وعلى قاطنيه عن قرب، واكتشافه بشكل شخصي، إلا أن الأحداث غير المتوقعة أو المفاجئة قد تصيب أي مشروع فيلمي بالإحباط من البداية؛ فقد فوجئنا منذ اليوم الأول بمرض فني الصوت 'عمر إبراهيم'، وعدم وصول المايكروفونات اللاسلكية، كما أن كاميرتين -من أصل ثلاث- تعطّل الصوت فيهما فجأة، أما مكان الإقامة الوحيد الذي عثرنا عليه في خورفكان؛ فكان يبعد كثيراً عن مكان التصوير، ورغم كل هذه الظروف، ورغم الدقة البالغة في المواعيد التي يقدّسها المخرج مسعود أمرالله، ورغم صرامته المبرّرة، وعدم تنازله عن الشروط التقنية والإجرائية، إلا أن تمسكه بقرار البدء في المشروع، وإصراره على تصوير الفيلم كان محل استغرابنا جميعاً· فمنذ اليوم الأوّل، وفي الليلة الأولى قبل بدء التصوير، ورغم الإرهاق الواضح على طاقم العمل، اتخذ المخرج قراراً بمعاينة موقع التصوير ليلاً، وقياس الوقت، أو المدّة بين مكان الإقامة، وقرية 'الغونة' تحسباً لأية ظروف غير متوقّعة، وذهبنا بالفعل في رحلة ليلية بين جبال داكنة، وشوارع ملتوية ومعتمة، وكان الطريق وكأنه لا يُريد أن ينتهي· كانت بواكير الخوف تتسرب إلينينا وتطيل علينا الدروب، وكان البحر ينفث ضباباً أليفاً مثل قماشة هائلة تلتصق بالجبال، وسرعان ما تهبط إلى مستوى النظر، ثم إلى مهبط الوديان، ثم ما تلبث أن تمزّقها الريح القادمة من لا مكان، والذاهبة لحتفٍ ينتظرها قرب السفوح·
عندما وصلنا لقرية 'الغونة' اكتشفنا أننا أمضينا ساعة كاملة، وسنمضي مثلها في طريق العودة إلى خورفكان، قاطعين في دربنا طريق 'دبا-مسافي'، أو طريق الموت كما يلقبه الأهالي في هذه الأنحاء· كان اليوم التالي مخصصاً لمعاينة المنزل، والتعرف إلى الأخوات الثلاث، حتى لو كان ذلك عن بُعد، وبحذرٍ شديد تحسباً لأي خوف، أو حساسية من الأخوات تجاه الكاميرات، ومعدّات التصوير، ونحن!
كانت توصيات المخرج للمصورين واضحة وصارمة، فلا مجال للاعادات هنا، ولا مجال لاكتشاف أخطاء التصوير، إلا عند العودة إلى مكان الإقامة؛ فالعملية هنا تُشبه فلسفة تصوير الأفلام السينمائية؛ حيث الاعتماد الكامل على مدير التصوير، وعلى وعيه وحساسيته تجاه موضوع الفيلم، وتجاه رؤية المخرج· فالصورة المنطبعة على الشريط عند بدء تشغيل الكاميرا ستكون شبيهة تماماً بالسهم الفالت من القوس؛ حيث لا مجال للتصحيح، ولا مجال لخلق ظروف مشابهة في يومٍ آخر·
طلب المخرج من المصورين إعطاء فسحة للقطة لا تقل عن ثلاثين ثانية، وألا يكون هناك أي استخدام للـ 'زوم' أو 'البان' في اللقطة الواحدة حتى لو كان إيقاع اللقطة نفسها بطيئاً، ورأى المخرج أن مناخات التصوير في المدرسة الروسية القديمة أقرب إلى طبيعة وشخصيات هذا الفيلم· وكان هذا الأسلوب في التصوير بداية مبشّرة لي شخصياً في توجه المخرج نحو تحقيق فيلم أقرب للتسجيلية الشعرية، وأقرب لتجربة الشعر في الصورة، والتي نتمنى أن تكون الساعات الأربعون من التسجيل المرئي والسمعي -وهي حصيلة غزيرة قياساً بأيام التصوير الستة- نتمنى أن تفلح في رصد حياة الأخوات الثلاث المليئة بثيمات متعدّدة واستثنائية، بحيث يمكن لكل ثيمة منها أن تتحول إلى فيلم مستقل بذاته؛ إن اجتماع حالات إنسانية ثرية ومفعمة في مكان واحد، وفي زمن متراكم قد يُصيب أي مهتم بحيرة كبرى عند الاختيار، فثيمات مثل: النبذ، اليتم، الانتماء الروحي، تهشيم الأمل، الانتشاء باللحظة، نكران الجسد، التبتّل في حضرة الطبيعة، التماهي مع الفَقد، كلها ثيمات تشتمل على الوصل، كما تشتمل على التمزّق أيضاً·
فـ 'موزة' التي تآخت والجبل لم يعد يهمها من الترف النسوي سوى الذهاب مع مملكتها الحيوانية إلى آخر الحواف السحرية للحياة، ومع آخر قطعة حصاة ترميها يدها القوية في وجه المدن بخرابها العالي، وصخبها المجوّف· و'شيخة' المطلقة أوت لمنزلها المفتوح على السماء، وعادت لأنوثتها البرّية كي تسرّح بريق عينيها في السهوب، وتفلت غزلانها في فضة الينابيع، عادت 'شيخة' كي تغوي عشيقها المستحيل بقلبٍ من ذهب، وقامة من رماد· أما 'حليمة' القابعة دوماً في غرفة الأشباح، فقد اختارت أن تهرب إلى الحياة دفعة واحدة؛ لكن الحياة لم تتسع لكل أحلامها، لذلك لم يكن غريباً أن يكون سور منزلها شبيهاً بسور الزريبة، وأن تتحول دفاترها المدرسية إلى البياض الطــــــــــــــــاهر من كل معــــــــرفة، وأن يختلط عندها الغناء بالثغاء، وأن تكون هي العنقود الأخير والظل الأخير لشجرة البيت المائلة والعصية على الكسر·

اقرأ أيضا