أرشيف دنيا

الاتحاد

صفات المؤمن تميزه مهما تبدلت الظروف والأحوال

إن للمؤمن صفات تميزه عمن سواه، وعبق طيب يُعرف به مهما اختلط بغيره وتبدلت به الظروف والأحوال، ولعل من أهم تلك الصفات التى يُعرف بها المؤمنون بسيماهم طهارة القلب وصفاء السريرة، التى يقترن بها حسن الظن بعباد الله ما دام لم يصدر عنها ما يتنافى مع الأخلاق ومكارمها، وما يتعارض مع الإسلام وآدابه وأحكامه.
إن شأن المسلم الحق أن يحسن الظن بأخيه فى العقيدة والدين، بل وبكافة خلق الله فلا يحمل لهم قولاً أو عملاً على ما لا يليق ما دام يجد له فى دائرة الإحسان محملا، ويجد له فى محيط الصلاح سبيلا، وهذا ما توافرت الآثار عليه فقد أخرج الإمام البيهقى فى شعبه عن سعيد بن المسيب أنه قال: لقد كتب إلى بعض اخواني من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من امرء مسلم شرا، وأنت تجد لها فى الخير محملا، ومن عرض نفسه للتهم، فلا يلومن إلا نفسه، وهذا المعنى هو ما أرشد الحق سبحانه وتعالى إليه حين أمر الله تعالى عباده بأن يجتنبوا كثيراً من الظن، فقال سبحانه “يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم” .
الغيبة
ولقد نظر العلماء إلى هذه الآية فاستخلصوا منها أن الحق سبحانه قد نهى فيما تقدمها من آيات عن أن يسخر مؤمن من مؤمن، أو يلمذه فى نفسه وماله وعرضه، أو يتنابذ معه فى الألقاب، وذكر فى هذه الآية السبب الذى يؤدى إلى تلك الموبقات وهو أن يسود الظن بين جماعة المؤمنين، ولعل مما يؤيد ذلك ما ذكر فى سبب نزول هذه الآية حين اغتاب رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم رفيقهما، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر ضم الرجل المحتاج إلى الرجلين الموسرين فيخدمهما .
فضم سلمان إلى رجلين، فتقدم سلمان إلى المنزل فغلبته عيناه فنام، فجاءا فلم يجدا طعاماً، فقالا له: انطلق فاطلب لنا من النبي صلى لله عليه وسلم طعاما، فذهب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (اذهب إلى أسامة بن زيد- وكان خازن النبي صلى الله عليه وسلم- وقل له إن كان عندك فضل من طعام فليعطك، فذهب إليه، فقال أسامة: ما عندى شىء، فرجع إليهما فأخبرهما، فقالا: قد كان عنده ولكنه بخل، ثم بعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة فلم يجد عندهم شيئا، فقالا: لو بعثنا سلمان إلى بئر سُميحة لغار ماؤها. ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة شىء، فرآهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال “ مالي أرى خضرة فى أفواهكما، فقالا :يا نبي الله، والله ما أكلنا فى يومنا هذا لحماً ولا غيره. فقال “ولكنكما ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة، فنزل قول الله «َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ».
أهل الخير
من هنا أكد العلماء أنه مما ينبغي على المسلم ألا يظن بأهل الخير سوءا ما دام يعلم من ظاهر أمره خيرا، واستشهدوا على ذلك بما ورد فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ). وما ورد كذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم فى قوله ( إن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يُظن به السوء ).
واستخلص العلماء من تلك الآثار وغيرها أن محل التحذير والنهى فيها يكمن فى أن الظن يعد فى حقيقته تهمة لا سبب فيها، كما إذا اتهم إنسان بفاحشة مثلاً دون أن يظهر عليه ما يقتضى ذلك، ومن ثم أكد العلماء على أن المظنون به إذا كان ممن عُرف عنهم الستر والصلاح، وظهرت عليه الأمانة فظنوا الفساد به والخيانة لا شك هو من المحرمات .
تقسيم الظن
وتأسيساً على ذلك قسم العلماء الظن إلى أقسام ثلاثة : الأول الواجب ويكون فيما تعبد الله تعالى عباده بمعرفته مثل تحري القبلة فى الصلاة بالنسبة لمن التبست عليه معرفتها، فالظن فى هذه الحالة واجب لأنه طريق للوصول إلى المعرفة الصحيحة.
والثانى الظن المحرم وهو الذى لامبرر له كأن يساء الظن بمسلم مستمسك بدينه حافظاً لحدود الله وهو ما ورد النهى عنه فى الأحاديث السابقة.
أما الثالث فهو الظن المباح وعرفه العلماء أنه كل ظن لا يترتب على تركه معصية، ولا على وجوده حرج، ومثلوا له بالظنون التى تأتي المسلم حين يشك فى صلاته هل صلى ركعتين أم ثلاثة . وإذا أتينا إلى القرآن الكريم وحديثه عن الظن فإننا نراه يؤكد على أن سوء الظن دون وجود ما يستوجبه من علامات النفاق حيث قال الحق سبحانه (بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا) الفتح 12.
ولكي يستبشع المسلم جرم إساءة الظن بأخيه نرى القرآن الكريم وقد قرن المنافقين مع المشركين فى التحقق من هذه الصفة والتلبس بها إذ يقول سبحانه «وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)) الفتح 6 .
الأسوة الحسنة
ويأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليؤكد للأمة بأسرها وهو الأسوة الحسنة للبشرية جميعاً بأن المؤمن ينبغي عليه أن يضمر الخير لأخيه ولذا كان النبى صلى الله عليه وسلم لا يحب أن يسمع عن أصحابه إلا ما فيه خير لهم، لذا نراه يقول ( لا تخبروني عن أصحابي شيئاً أكرهه فإنى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر). ونراه فى حديث آخر يجعل صلى الله عليه وسلم حسن الظن عنواناً لحسن العبادة فيقول (حسن الظن حسن العبادة) ويؤكد العلماء أن المؤمن إذا ما تحلى بحسن الظن على وجهه الأكمل فإنه يحتاج إلى التمسك بالعفاف والبعد عن كل شىء يجلب عليه الشك والريبة، واستشهدوا على ذلك بما ورد عن أم المؤمنين صفية بنت حيى بن أخطب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان معتكفاً فى المسجد، فذهبت إليه وتحدثت معه ثم خرجت فسار النبي صلى الله عليه وسلم معها ليودعها، فمر رجلان من الأنصار فسلما وانصرفا سريعا، فناداهما صلى الله عليه وسلم وقال لهما: إنها زوجتي صفية. فقالوا يا رسول الله : وما نظن بك إلا خيرا . فقال صلى الله عليه وسلم أنا أعلم ذلك منكما إلا أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإنى خشيت أن يقذف شيئاً فى نفوسكم .

د. محمد عبد الرحيم البيومي
كلية الشريعة والقانون - جامعة الإمارات

اقرأ أيضا