أرشيف دنيا

الاتحاد

رسولنا الكريم علم الدنيا حب الأوطان

احتفل شعب الإمارات مع قيادته الرشيدة، يوم الجمعة الماضي باليوم الوطني الأربعين لقيام دولة الإمارات ونحن من جوار المسجد الأقصى المبارك نقول لأشقائنا وأحبابنا في دولة الإمارات العربية المتحدة، بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وإلى أصحاب السمو الشيوخ حكام الإمارات حفظهم الله، وإلى شعب الإمارات الشقيق، كل عام وأنتم بألف خير، ونسأل الله أن يحفظ دولة الإمارات العربية المتحدة وسائر بلاد العرب والمسلمين من كل سوء.
ولابد في أن ننسب الفضل لأهله، وأن نترحم على القائد المؤسس لهذه الدولة الشقيقة، المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، الذي أسس دولة تسابق الزمن، ووضع لبلاده مكانة مرموقة وسط أقطار العالم، فبادله شعبه حباً بحب، وتقديراً بتقدير، ووفاء بوفاء، كما جاء في الحديث الشريف أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم، قال: “خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم” (أخرجه مسلم)، أي تدعون لهم ويدعون لكم.
لقد أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بجهد مؤسسها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد، رحمه الله، ومن بعده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله، وإخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات دولة عصرية حديثة ينعم مواطنوها بالرخاء والأمن والأمان والحياة الكريمة، كما أصبحت الإمارات نموذجاً تنموياً ناجحاً في جميع المجالات وفي شتى القطاعات، ومن المعلوم أن رسولنا -صلى الله عليه وسلم - قد علم الدنيا كلها حب الأوطان، عندما ألقى نظرة الوداع على مكة المكرمة وهو مهاجر منها وقال كلمته الخالدة: “وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ” (أخرجه الترمذي).
لقد حرص - صلى الله عليه وسلم - على تأسيس دولة الإسلام الفتية في المدينة المنورة، فأزال ?ما بين الأوس والخزرج من خلافات وسماهم الأنصار، ثم آخى بينهم وبين إخوانهم المهاجرين من مكة المكرمة، وأصبحوا بنعمة الله إخوانا، وتأسست دولة الإسلام الفتية قوية متينة مبنية على الحب والتسامح.
ومن فضل الله علينا أنه قبل أيام أطل على العالم الإسلامي هلال شهر جديد وعام جديد، وهلال المحرم يجيء في كل عام، ومع شعاعه الفضي يتذكر المسلمون ساعة الشدة والعسر، ساعة النضال والنصر، والإفلات من الأسر، تلك الساعة التي بلغ فيها الشرك غايته في إيذاء المسلمين، وإيذاء الرسول الأمين، صلى الله عليه وسلم، الذي خرج بأمر ربه فراراً إلى الله بدينه وكتابه، ولحاقاً بالمهاجرين قبله من أصحابه، إنها لحظات حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفي عمر الإنسانية، حددت المسار، وأقالت العثار، ومضت بالدعوة إلى الغاية المرجوة، وإن ملامح النصر فيها كانت شعاعاً كشعاع هلال المحرم يضيء الطريق أمام المسلمين.
لقد كانت الهجرة انتصاراً للحق الأعزل من كل شيء إلا من الإيمان في مواجهة الباطل المدجج بأسلحة البغي يريد أن يفتك به ويكتم أنفاسه ويعطل موكبه عن المسير.
ولم يكن انتصار الحق بالهجرة الكريمة سهلاً ليناً، وإنما كان موضع ابتلاء ومحنة تعرض فيها لأقذر مؤامرة وأبشع جريمة، ولكن الحق كان مؤيداً من الله بالصبر والثبات والتضحية والإيثار والفداء والشجاعة والإيمان.
حقاً إنها لذكرى عظيمة في حياة الإسلام والمسلمين، تتطلع نفوسهم إلى ماضيهم التليد، وتهفو أفئدتهم إلى مجدهم وعزهم القديم، كما يتذكر المسلمون المؤامرة الكبرى التي اجتمع فيها أهل الشر والكفر ليضعوا حداً للرسول، صلى الله عليه وسلم، ودعوته، فيحبسوه أو ينفوه أو يقتلوه «وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ? الْمَاكِرِينَ» (سورة الأنفال الآية 30) .
فلنأخذ من درس الهجرة عظة وعبرة بأن نقوي بالله إيماننا، ونتمسك بالإسلام قولاً وعملاً، ونبذل ونضحي في سبيل رفعته وإعزازه بكل غال وثمين وأن نجعل محبة الله ورسوله مقدمة على محبتنا لأنفسنا وأموالنا وأهلنا.
ومن المعلوم أن شهر الله المحرم فيه خير كثير، وفيه أيام مباركة، ومن السنة صيام بعض أيامه، فقد ورد أن الرسول، صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم” (أخرجه مسلم)، كما ورد في الحديث الشريف أن رجلاً جاء إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- فسأله يا رسول الله: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد رمضان؟ قال: “إن كنت صائماً بعد رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله، فيه يوم تاب فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين” (أخرجه الترمذي).
ويوم عاشوراء من الأيام المباركة في هذا الشهر فقد قيل: إنه اليوم الذي تاب الله فيه على آدم، وقد نجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، كما قيل أنه فيه نجى الله إبراهيم من النار، ويوسف من الجبّ، وغير ذلك من الآثار، لذلك كان من السنة صيام التاسع والعاشر من المحرم كما ذكرت الأحاديث.
وقد ورد في الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “صام رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى قال: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع” (أخرجه الإمام مسلم)، فلم يأت العام المقبل حتى توفي ?رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
كما جاءت أحاديث نبوية تبين فضل صيام يوم عاشوراء، فعن عائشة -رضي الله عنها- ?قالت: “كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يصومه في الجاهلية، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه” (أخرجه مسلم).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “قدم النبي –صلى الله عليه وسلم- المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: “فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه” (أخرجه البخاري والترمذي وأبو داود).
فصيامه سنة مؤكدة عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- فلذلك يفضل أن يصومه المسلم ويُعوِّد أبناءه الصغار على صيامه، لما ورد في الحديث عن الربيع بنت معوذ -رضي الله عنها- قالت: “أرسل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه، فكنا بعد ذلك نصومه ونصوِّم صبياننا الصغار منهم إن شاء الله، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن “الصوف” فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياه إلى الإفطار” (أخرجه الشيخان).
وقد ذكرت الأحاديث فضله في تكفير الذنوب، كما ورد عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال:”صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله” (أخرجه مسلم).
وفي يوم عاشوراء استشهد الإمام الحسين بن علي- رضي الله عنهم أجمعين- سنة إحدى وستين على أيدي الطغاة في كربلاء، والإمام الحسين هو أبو الشهداء، وريحانة رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة.
فهذه أيام مباركة يجب أن نستفيد منها، فإن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها، فإن الشقي من حرم رحمة الله عز وجل.


الدكتور يوسف جمعة سلامة
خطيـب المسـجد الأقصـى المبـارك
www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا