أرشيف دنيا

الاتحاد

القلق الزائد للآباء على الأبناء يُنشئ شخصيات هشة وعاجزة

تعويد الأطفال منذ الصغر على مواجهة المصاعب وطرد المخاوف يفيدهم

تعويد الأطفال منذ الصغر على مواجهة المصاعب وطرد المخاوف يفيدهم

تتقلب كريستين في فراشها طوال الليل، فالأرق سرق النوم من جفنيها، بينما يغط زوجها في نوم عميق. تعترف كريستين بأن قلقها بشأن أبنائها وانعكاسات الأزمة الاقتصادية على حياتها الأسرية أتعب ذهنها وسيطر على تفكيرها، وتقول إن لديها ما يكفي من الهواجس وبواعث القلق والخوف من المستقبل لخطف النوم من عينيها. أما زوجها، فهو عكسها تماماً، فلا شيء يمكن أن يمنعه من النوم، وأعصابه باردة كالثلج، ومزاجه لا يتعكر مهما حدث.

تدرك كريستين أن تربية الأبناء بشكل توافقي يغدو تحدياً صعباً عند وجود اختلافات كبيرة بين طبائع الأبوين. فزوجها يعامل الأبناء بمنتهى النعومة والهدوء، لكنها تُعاملهم بصرامة وجدية وتخاف من أن يصيبهم أي مكروه، ولذلك فهي تعتبر المقاربة التربوية التي ينتهجها زوجها هي في الواقع إفساد لشخصياتهم قد تجلب عليهم مخاطر عدة في المستقبل عندما يواجهون الحياة لوحدهم ودون حرصها وخوفها ومساعدتها. لكن اعتقادها هذا لا يمنعها من التساؤل أحياناً حول أي من هاتين المقاربتين التربويتين أنجع وأكثر فائدة للأطفال، وحول ما إذا كان حرصها على حسن تنشئة أولادها مبالغ فيه ويصل إلى مستوى الوسواس، أو فيه جرعات زائدة من الحمائية.
أشكال القلق
يظهر القلق على الأطفال بطرق وأشكال مختلفة. ولعل أكثر الأشكال شُيُوعاً هو القلق الاجتماعي الذي يتمثل في الخوف من الوقوع في موقف محرج بحضور الآخرين، والقلق الانفصالي الذي يصيب بعض الأبناء شديدي الارتباط بأحد أبويهما أو كليهما عندما يبتعدون عن أسرهم بغرض الدراسة أو العمل، أو بسبب ظروف اجتماعية قهرية كالطلاق، والقلق العام المتمثل في القلق بشأن كل شيء. ويمكن للأطفال أيضاً أن يعانوا من اضطراب الوسواس القهري الذي لا يختلف كثيراً عن بعض أنواع القلق التي تتمظهر على شكل أفكار ومشاعر متكررة وغير مرغوب فيها تُسيطر على الشخص وتجعله يكرر سلوكات يومية مثل غسل اليدين أو التأكد من أن باب البيت مغلق، أو غيرها باستمرار وبشكل مرضي، ويتملكه الشك في كل شيء.
معتقدات سائدة
لعل الكثير من الأطفال إن لم نقل كلهم يمرون بتجارب مُقلقة في صغرهم. وفي هذا الصدد، يقول الدكتور جون بياسينتي، مدير برنامج الطفولة والقلق وتشخيص وإحصاء الاضطرابات النفسية في معهد سيميل للسلوك العصبي والسلوك الإنساني في جامعة كولومبيا بلوس أنجلوس، “نظراً لأن الأمر يبدو كأحد الردود الانفعالية الطبيعية وإحدى ظواهر التطور السلوكي، يميل معظم الناس إلى عدم أخذ القلق على محمل من الجد. وحتى إن فعلوا، فإنهم يعتقدون أن القلق ليس له نسبياً أي أثر سلبي على الصحة أو الشخصية”. لكن الحقيقة غير ذلك، فالقلق يمكن أن يُعيق الشخص عن أداء عدد من وظائفه السلوكية. فهناك بعض أنواع القلق الحاد السائدة التي تسلُب من المصاب بها القدرة على عيش حياته اليومية الروتينية بشكل طبيعي.
وعندما يُصاب الطفل بقلق انفصالي على سبيل المثال، فإنه قد يبكي بطريقة هستيرية ويفقد السيطرة على نفسه في المدرسة، أو يرفض الذهاب إليها بتاتاً. وإذا كان يافع ما مُصاب بالقلق الاجتماعي، فإنه يكون على الأرجح يخشى كثيراً المشاركة في النقاشات التي تدور في صفه الدراسي، ويهاب مخالطة أقرانه خارج نطاق المدرسة. وعلى الرغم من أن بعض الأطفال القلقين ينجحون في التواصل مع الآخرين دون أن تظهر عليهم علامات حزن أو كآبة أو توتر، فإن ذلك يتطلب منهم بذل جهد ضخم، وهو ما يُسبب لهم في الغالب أعراضاً سيئة مثل الشعور بالإعياء والإرهاق، وسرعة الغضب والاهتياج، واضطرابات النوم، ومشكلات في التركيز.
عوامل وراثية وبيئية
لا يعرف أحد على وجه الدقة السبب الذي يؤدي بالأطفال إلى الشعور بالقلق الشديد، لكن يوجد مع ذلك جزء لا بأس به من الدلائل التي تشير إلى أن للأمر علاقة بالجينات. وفي هذا الصدد، يقول بياسينتي “يبدو أننا خُلقنا بقابلية جينية مسبقة للقلق. فبعض الأطفال يواجهون شعورهم بالتوتر بسرعة شديدة وبشكل عنيف ومبالغ فيه. وعادةً ما يكون الطفل القلق ينحدر من أب قلق أو أم قلقة”. غير أن ذلك لا يعني أن كل أب قلق سيُرزق بأبناء قلقين، بل إن هناك حالات يكون فيها الأبوان كلاهما قلقين بينما أطفالهما لا يعانون من هذه المشكلة بالمرة. ولذلك فإن القلق لدى الأطفال هو أكثر من مجرد صفة وراثية تنتقل من أحد الأبوين أو كليهما إلى الأبناء. فبالإضافة إلى البيت، هناك المدرسة والبيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الطفل وما يُشاهده في التلفزيون والإنترنت وما يمارسه من ألعاب فيديو وغيرها. وأحد هذه العوامل أو بعضها أو جميعها قد يجعل الطفل عُرضةً للإصابة باضطرابات عدة ومن بينها القلق. وإذا كان الأبوان قلقان على الدوام، فإنهما ينقلان هذه الصفة إلى الأبناء ويجعلانهما يتوجسان ويشكان في كل ما يحيط بهما، ويرسمان في مخيلاتهم صورةً قاتمة عن العالم الذي يعيشون فيه تجعله مكاناً مخيفاً في شعورهم ولاشعورهم.
منح الاستقلالية
تقول تارا بيريس، أستاذة الطب النفسي وعلوم السلوكات الحيوية في جامعة كولومبيا في لوس أنجلوس، “تعليم الأطفال وتلقينهم صفات أو قيم معينة يتم على مستويات مختلفة”. فالآباء القلقون يستخدمون لغةً تتسم دوماً بالحيطة والحذر الزائدين مقارنةً بغيرهم من الآباء غير القلقين. فهم مثلاً قد يُرددون على مسامع أبنائهم بشكل متكرر عبارة “كن حذراً، توخي الحذر، قُدْ سيارتك بأمان” وغيرها من التعليمات. كما أنهم يميلون إلى منح أولادهم استقلاليةً أقل، حتى في المهام المنزلية اليومية الروتينية. إذ تجد بعض الآباء لا يسمحون لابنهم البالغ 12 سنةً باستخدام الفرن أو الذهاب وحده لزيارة صديق يسكن بالجوار.
الرسائل السلوكية
كما يقول المثل “هذا الشبل من ذاك الأسد”، فالأطفال يتعلمون من آبائهم الطريقة التي يتعاملون بها مع مختلف مواقف الحياة وتترسخ في أذهانهم ولاشعورهم وتتجسد في سلوكاتهم وشخصياتهم فيما بعد. فالآباء الذين يتعاملون بهدوء ورصانة وثقة بالنفس في المواقف الجديدة التي يتعرضون لها يبعثون برسائل مختلفة تماماً عن تلك التي يبعث بها الآباء القلقون الذين يُظهرون أمام أبنائهم قدراً كبيراً من التوتر والقلق والخوف وعدم التفهم. ومن هذا المنطلق، فإن الآباء القلقين والمتصفين بالحرص الزائد والحمائية المبالغ فيها تُجاه أبنائهم يُفاقمون المشكلة ويزيدون الطين بلةً بالنسبة لأطفالهم الذين يعتريهم أصلاً القلق بشأن كل ما يكتشفونه من جديد في الحياة. وتقول بيريس “لا بُد أن قَلْبَيْ كل أبوين قد ينفطران عند رؤية أبنائهما قلقين بسببهما”. ولتقليل بواعث شعور الأطفال بالقلق وعدم الارتياح، يحاول الآباء عادةً تجنيب أبنائهم القيام بما يثير استياءهم وتذمرهم أو المبالغة في مراقبتهم خوفاً عليهم. لكنه وحتى إن أدى سلوك الآباء هذا إلى تخليص الأبناء ظرفياً من القلق، فإنه لا يُساعدهم على التحسن على المديين المتوسط والبعيد، وإنما يجعل راحتهم مرتهنةً بالحضور الدائم لآبائهم لصد رياح القلق وتعكير المزاج التي ستصادفهم في مواقف متعددة في حياتهم.
يقول بياسينتيني “إن السماح للأطفال بتجنب القيام بالأشياء التي تثير قلقهم يرسخ لديهم صفة سوء التكيف، لأنه كلما تجنبوها وتفادوها، زادت شدة القلق لديهم وساءت أحوالهم أكثر”. فالأطفال يحتاجون في الواقع إلى مواجهة مخاوفهم للتغلب على هواجسهم وبواعث قلقهم. وهم بحاجة إلى التعرف على كل المواقف الحياتية التي تستفزهم ليتعلموا كيفية التعامل معها وإدارة مشاعرهم وانفعالاتهم وردودهم بشكل أفضل، وبعيداً عن الشعور بالحزن أو القلق أو الكآبة أو سرعة الغضب. ولتحقيق ذلك، يتعين على الآباء أن يتعلموا أنفسهم كيفية إدارة قلقهم. ولقد أُجريت العديد من الدراسات لمعرفة ما إذا كان من المفيد علاج الآباء موازاةً مع علاج الأبناء أم لا، فتوصل بعضها إلى أن الأطفال يتحسنون إلى الأفضل عندما يتلقى آباؤهم العلاج.
وكما هو الحال بالنسبة لغالبية الآباء، فإن التحدي الأساسي هو أخذ العصا من الوسط واتخاذ مقاربة تربوية متوازنة تُشجع الأطفال على الاستعانة بآبائهم في بعض المواقف، لكن دون أن تجعلهم متواكلين وسلبيين غير قادرين على مواجهة الحياة بحلوها ومرها، وذلك لا يتأتى إلا إذا تحلى الآباء بعقلانية أكثر وحرصوا على أن يُعلموا أبناءهم كيفية الصيد بدل أن يقدموا لهم الأسماك على أطباق من ذهب خوفاً عليهم من أن يتعرضوا لمخاطر الصيد أو من أن تبتلعهم أمواج بحر الحياة وتغيرات سوقها البشرية.
“لا خوف عليهم”
يبقى تبني مقاربة تربوية متوازنة هو الطريقة الأسلم في التعامل مع الأطفال. فالحرص على سلامتهم لا يعني زرع مخاوف في أذهانهم، وإنما تعويدهم على توخي الحذر والابتعاد عن التهور. ومنح استقلالية للأبناء وتشجيعهم على الإقدام والمبادرة يفيد شخصياتهم ويقوي أعوادهم. وبدل تخويفهم، ينبغي تعليمهم التحلي بالشجاعة لخطو الخطوات الأولى. ولا بأس من الإمساك بأيديهم في المرة الأولى أو الثانية للعبور بأمان ما دام ذلك يقودهم للانطلاق لخوض غمار الحياة دون خوف أو وجل. وعندما يصل الأبوان إلى مرحلة توصية أحد الأبناء بهدوء بالاعتناء بنفسه أو بنفسها فيتلقيان الإجابة الواثقة الباسمة “لا تقلق أبي/ لا تقلقي أمي”، فحينذاك فقط يُدركان أنه لا خوف على أبنائهم ولا هم يحزنون، أو يقلقون.

هشام أحناش
عن “لوس أنجلوس تايمز”

اقرأ أيضا