أرشيف دنيا

الاتحاد

طريق الدم

(القاهرة) - فوجئ المارة بالطريق الذي يقع في منطقة صحراوية مهجورة بجثة لرجل في الاربعينات من عمره، ممزقة بآلات حادة ومخنوقة، من دون حذاء وبلا أوراق تثبت شخصيته او تدل عليها ولا توجد في جسده اي علامة مميزة، وعندما حضر رجال المباحث، وجدوا أنفسهم في حيرة شديدة فلا يوجد اي شخص يمكن ان يكون شاهدا في هذا المكان الخالي إلا من بعض السيارات التي تمرق سريعا على الطريق وعلى بعد عدة أمتار من دون ان يتلفت سائقوها أو مستقلوها حولهم، أما في الليل فإن الرؤية تكون منعدمة تماما، لأن الطريق غير مضاء، ومن المؤكد أن الجناة ألقوا بالجثة في هذا المكان عن عمد مستغلين طبيعته وحتى لا يراهم أحد، والأمر ليس في حاجة الى دليل على ان هناك جريمة مدبرة.
مسرح الحادث في مفترق طرق بين عدة مدن وقرى ما يصعب من مهمة التعرف على القتيل وأيضا القاتل، وبالفعل تمر الساعات والايام من دون التوصل الى اي معلومة تذكر وخطة البحث متجمدة عند نقطة الصفر، حتى بعد فحص محاضر تغيب واختفاء الأشخاص المحررة في جميع أقسام ومراكز الشرطة، لم تتطابق مواصفات صاحب الجثة مع مواصفات اي من المتغيبين المبلغ عنهم، مر أكثر من ثلاثة أسابيع والحال على ما هي عليه والجثة محفوظة في ثلاجة مشرحة المستشفى في انتظار التعرف على صاحبها إلا انه مع الوصول الى طريق مسدود وفقدان الأمل كان من الطبيعي ان تقرر النيابة دفن القتيل في مقابر الصدقة، وبالتالي فلن يكون هناك احتمال لضبط الجناة فتم قيد القضية ضد مجهول.
بعد عامين كاملين تكرر نفس المشهد تقريبا في منطقة مجاورة، إلا انه في هذه المرة كان القتيل من دون ملابسه الداخلية وتلك إشارة الى وجود جريمة أخلاقية، بالاضافة الى ذلك فانه بعد يومين فقط تم التوصل الى صاحب الجثة الذي يعمل سائقا وانه كان قبل الحادث بسيارته عند صديقته التي استدرجته من محطة السيارات الى بيتها في المساء، وكانت وحدها رغم انها متزوجة وتقيم مع زوجها في بيت الزوجية، فتم القبض عليها، لم تنكر وجود الرجل عندها لكنها أكدت انها بريئة من الجريمة برمتها وان زوجها وصديقه هما اللذان خططا لها ونفذاها، وكان دورها يقتصر على استدراج الضحية فقط بحجة قضاء وقت ممتع، ويقوم زوجها وصديقه بعد ذلك بافتعال انهما حضرا فجأة وضبطاه في منزلها، وهذا ما تم بالفعل، والهدف فقط الاستيلاء على سيارته وأمواله وهاتفه المحمول وتركه يمضي الى حال سبيله، وليس في النية مطلقا قتله أو التعدي عليه، وانما تهديده بالفضيحة اذا تفوه بعد ذلك ولو بكلمة واحدة أو فقد عقله وأبلغ الشرطة، لكن ما تم بعد ذلك لا دخل لها فيه، فعندما حاول زوجها وصديقه تفتيش الرجل والاستيلاء على أمواله ومفاتيح سيارته لم يستسلم لهما كما كان يفعل الذين وقعوا في مصيدتنا من قبل بهذه الطريقة وتشابكوا بالأيدي وتعدى عليهما محاولا الخلاص والفرار وكاد يتغلب عليهما وقاما بتوثيقه وطرحه أرضا وخنقه وطعنه بسكاكين يحتفظان بها دائما معهما حتى لفظ أنفاسه.
أضافت المرأة في اعترافاتها انهم بعد ذلك قرروا ان يجردوا القتيل من ملابسه الداخلية لتبدو الجريمة وكأنها أخلاقية لخداع رجال المباحث وحتى لا يتم التوصل اليهم ويفلتوا من العقاب، وألقوا بالجثة في تلك المنطقة وباعوا السيارة لأحد تجار الخردة الذي يتعاملون معه وهو يعلم ان السيارة مسروقة، ولم يحسبوا حسابا الى ان أحد العاملين في محطة السيارات شاهدها مع السائق القتيل وهي تستقل معه سيارته ويغادران المكان، وتم القبض على زوجها وشريكه.
السؤال الاول الذي وجهه ضابط المباحث للزوج بان عليه ان يعترف بكامل التفاصيل بعد ان اعترفت زوجته بها من البداية الى النهاية ويجب ألا يحاول الانكار أو المراوغة خاصة وأنهم وضعوا أيديهم على الادلة، ولم يكن المتهم بحاجة الى عنف أو ذكاء فقد كان بارد الاعصاب هادئا أو متحجرا، وبعد ان كرر اعترافات زوجته بتفاصيلها، اعترف ببعض الجرائم الاخرى التي ارتكبوها بأسلوبهم نفسه، لكن الجريمة الاولى كانت مختلفة وتفاصيلها غريبة، ولم يكونوا ايضا يعتزمون قتل ضحيتهم السائق الذي أوهموه بحاجتهم اليه لتوصيلهم الى مدينة اخرى، وهدفهم الوحيد هو سرقة سيارته الجديدة التي يعمل عليها.
في الطريق- كما اعترف- كان الرجلان والمرأة يتشاجرون أحيانا ويتصالحون أحيانا أخرى ويحّكّمون السائق فيما شجر بينهم إلا انه لا يعرف كيف يحكم فهو لا يعرفهم ولا يريد ان يتدخل في مشاكلهم العائلية فيجاملهم بكلمات هي أقرب الى التهدئة، وفي منطقة افتراق الطرق طلب الزوج منه التوقف لحظة بعد ان تظاهر بالغضب من رفيقه واشتبكا معا في عراك اضطر معه للتوقف ليفصل بينهما، كان الليل قد أرخى سدوله وبدأت الرؤية تقل مع الظلام، وقام الزوج باخراج مطواة وهدد بها السائق وأمره بالابتعاد عن السيارة وتركها لهم وتقديم هاتفه المحمول ونقوده لهم ليتركوه بلا أذى، وعندما اتفق الثلاثة ووقفوا في وجهه شاهرين أسلحتهم وظهرت نواياهم قرر ان يعود سالما لابنائه وزوجته ويضحي بالسيارة، وفعل ما طلبوه منه بلا نقاش أو مقاومة.
المفاجأة عندما قدم لهم المحمول وحافظة نقوده اكتشفوا من أوراقه الشخصية انه «شرطي» لكنه يعمل سائقا على هذه السيارة لبعض الوقت لمواجهة أعباء الحياة، فتملكهم الخوف من الابلاغ عنهم والسقوط في أول عملية إجرامية فقاموا بتوثيقه بالحبال وقتله والقاء الجثة في الصحراء وبيع السيارة بأقل من ربع ثمنها، فقد استغل التاجر موقفهم واضطروا لقبول عرضه الهزيل حتى لا يبلغ عنهم، ومع هذا فان المبلغ الذي تحصلوا عليه ليس قليلا فهو بضع عشرات من الآلاف لم يعرفوا مثلها من قبل فتحت شهيتهم الاجرامية لمواصلة عملياتهم بنفس الاسلوب مع تغيير الاماكن حتى لا يتم التوصل اليهم.
لكن المجرمين الهواة الذين كانوا أكثر حيطة من المحترفين، لم يتركوا الامور تمر عادية، وإنما أخذوا حذرهم ولعبوا لعبة كبرى غير مسبوقة، لمزيد من التضليل، فقد حصلوا على رقم هاتف زوجة القتيل الذي كان يحتفظ به في محموله، وقاموا بالاتصال بها من هاتف عمومي حتى لا تتعرف عليهم أو على مكانهم ورقم هاتفهم، وأبلغها أحدهم ان زوجها في مهمة عمل سرية وعليها ألا تقلق عليه لان هاتفه مغلق، وقد تستغرق مهمته عدة أسابيع، وأعادوا الاتصال بها بنفس الطريقة عدة مرات.
على الجانب الآخر، بعد ثلاثة أسابيع بدأت المرأة تشك في الامر فلا يوجد اي مانع من ان يتصل بها زوجها بنفسه ليخبرها بتلك المهمة، علاوة على ان طبيعة عمله الشرطي لا تستدعي اي مهام سرية على الاطلاق، فلعبت الظنون برأسها وقررت ان تتوجه الى مقر عمله لتقف على الحقيقة ويطمئن قلبها، لكن هناك كانت المفاجأة الكبرى في انتظارها فان زوجها بالفعل ليس في اي مهمة وانما متغيب عن العمل طوال هذه الفترة، فانهارت وسقطت على الارض فاقدة الوعي، وبعد ان تمت إفاقتها تم تحرير محضر بتغيب الشرطي واختفائه في ظروف غامضة، لكن جاء ذلك بعد ان تمكن الجناة من تنفيذ مخططهم وتفويت الفرصة للتعرف عليه وبعد ان تم دفن الجثة، وتوقف جهود البحث وفشلها في فك لغز الجريمة.
لم يربط رجال المباحث بين العثور على الجثة المجهولة التي تم دفنها وبلاغ زوجة الشرطي لان المكانين مختلفان وبين الواقعتين فارق زمني، وبعد هذا الاعتراف تم التوصل الى السيارة المسروقة وإعادتها، الآن فقط تم الربط واكتشاف ان هذه السيارة تخصه وان تلك الجثة التي تم دفنها في مقابر الصدقة لذلك الشرطي المختفي وتم كشف لغز الجريمة بعد عامين كاملين من الغموض والنسيان.
اما المتهم الثالث بعد القبض عليه فقد حاول هو الآخر التنصل من كل تلك الجرائم التي ربما لا يتذكر كثيرا منها والقى باللائمة على صديقه وزوجته وانه هو نفسه وقع ضحية لهما بعد ان أوهماه بأنهما يهدفان فقط الى جمع المال، وان الخطة مجربة من قبل ومضمونة النتائج وسيكون الضحايا في موقف ضعف ولا يستطيعون الابلاغ علاوة على انهم لا يعرفوننا مع اختلاف الاماكن، والأهم اننا سنتوقف بعد ان نجمع مبلغا معقولا نبدأ به حياتنا ونستثمره في اي مشروع، لكن شهوة المال جرفتنا مثل التيار، وكنا ننفق ببذخ ولم ندخر شيئا من الاموال الطائلة التي سرقناها، وبعد كل مرة نقول اننا سنتوقف لكن ما ان ننتهي من انفاق ما بين أيدينا حتى نعود مرة اخرى. وأخيرا سقط تاجر السيارات الذي تخصص في شراء المسروقات، وبدوره اعترف على جرائم ارتكبوها ولم يتذكروها ظهرت من خلال فحص أوراق السيارات، واقتيدوا جميعا الى النيابة التي أمرت بحبسهم ووجهت اليهم قائمة من الاتهامات بين القتل والسرقة والاحتيال، وكل اتهام منها يكفي لإعدامهم.

اقرأ أيضا