أرشيف دنيا

الاتحاد

قلب صناعي

(القاهرة) - ألقى أبي المجلة التي كان يتصفحها جانبا على المنضدة ثم قام الى صلاة العصر، فالتقطتها وبدأت أتصفحها وأقلب أوراقها، بين خبر وصورة وحدث وتعليق، ولملمت نفسي على الاريكة، بينما أمي تتابع التلفاز بالقرب مني، واستغربت من هذا الخبر العلمي الذي وقعت عيناي عليه بتفاصيلة المبهرة، فرجل الاعمال الثري المشهور قد أجريت له عملية تغيير قلب في أميركا وعاد سالما مرة أخرى وان الاطباء سيعاودون فحصه بشكل منتظم للتأكد من سلامة عمل القلب الصناعي الجديد، وعليه ان يسافر كل ستة أشهر للمتابعة، قرأت هذه التفاصيل على مسامع أمي التي كانت هي الاخرى مندهشة من التقدم الطبي المذهل، إلا أنها بعد ذلك باغتتني بسؤال استنكاري لم أتوقعه، كيف ان المال مكّن الرجل من شراء «قلب» ولولا المال لكان في عداد الاموات منذ سنوات مع التسليم بأن الاعمار بيد الله سبحانه وتعالى، ومع ذلك علينا الا ننكر الاسباب وانه لا بد ان نأخذ بها.
أيقنت انني وضعت يدي في عش الدبابير او دخلت في وكر الثعابين، فقد كان هذا السؤال موجها لي بشكل مباشر، غير انني حاولت ان أقفز عليه وأمرره حتى لا يتكرر النقاش نفسه بيني وبين أمي خاصة انها الآن لديها حجة قوية قدمتها لها بنفسي، وسأخسر الرهان اذا ما ناقشتها، ولم يتحول تركيزها حتى بعد ان علقت على عدد من المشاهد في الفيلم الذي تتابعه وايضا بعض الموضوعات المنشورة في المجلة، وبالفعل استغلت الفرصة التي جاءتها على طبق من ذهب لتتمكن من هزيمتي هذه المرة بعد ان اعيتها الحيل معي في حوارات كثيرة سابقة ونحن نتجادل، وكل منا مصمم على موقفه ومصر عليه.
أقدر لامي حرصها على مصلحتي ولا أختلف معها في هذا الجانب، ولكن رغم اننا لسنا متباعدتين في الزمن والفارق بيننا ليس كبيرا اي لا يعد طويلا بمقياس الاجيال، فهو لا يزيد على عشرين عاما، والدنيا لم تتغير فيها كثيرا حتى نقول إنه خلاف بين الاجيال، لكنه خلاف في وجهات النظر، والسبب انني بعد ان انتهيت من دراستي الجامعية التحقت بوظيفة مكتبية، تناسب مؤهلي، وانا من طبيعتي لست من محبي العمل ولا أفضّل عمل المراة خاصة اذا كانت حال أبيها او زوجها ميسورة، وما التحقت بالعمل الا هروبا من الملل في البيت، وتقدم لي شاب حاصل على مؤهل عال، لكنه لا يعمل به واتخذ طريقا آخر في الحياة حيث يعمل تاجر أخشاب مثل أبيه، يرتدي الجلباب البلدي والعمامة وقد ترك لشاربه العنان ولا يهذبه، وجدت من جانبي نفورا منه لم استطع ان أقنع نفسي بقبوله، فتعليمه العالي لم يؤثر في سلوكياته وتصرفاته التي يبديها كما لو كان في السوق، ولغته التي يتحدث بها غريبة من خلال مصطلحاته التي يستخدمها في كلامه فأحيانا تكون صادمة، ولا مانع عنده من ان أعاونه في تجارته، ومع هذا فان أمي على قناعة تامة بانه العريس المناسب لي وانه بأمواله الكثيرة وسياراته وممتلكاته يستطيع ان يحقق لي السعادة، لأن أمي ترى ان المال هو الذي يحقق السعادة ولا تقتنع بان التفاهم أهم من المال، ونقف دائما عند هذه النقطة في خلافنا.
اعتمد في وجهة نظري على الكلام المجرد المرسل وما أقرأه من قصص وما أشاهده في الافلام وما أشعر به وأقتنع به من داخلي، وقد يبدو ذلك ضعيفا وبلا قيمة أمام حججها القوية التي تستمدها من الواقع خاصة من خلال حياتها هي وأبي مقارنة بخالتي وزوجها، وسبب المقارنة هو الفوارق في المعيشة والظروف التي تعرضت لها كل منهما، فخالتي أقل جمالا من أمي وأكبر منها سنا، وأقل تعليما، ومع ذلك تقدم لها عريس، غني يعمل في مجال المقاولات ومشروعات البناء، وأصل العمل الذي اكتسب الخبرة فيه من أبيه، أصبحت له ذمته المالية الخاصة به ويملك الملايين ويقيم في فيلا خاصة شيدها على طريقته وهي أشبه بالقصر، أثاثها مستورد كله وأركانها مزينة بالانتيكات الثمينة، يقضيان الشتاء في مدينة والصيف في أخرى، أبناؤهما الثلاثة في مدارس لغات مصروفات الواحد منهم في عام تكفي أسرتنا مدى الحياة بالمستوى الذي نعيش فيه، بجانب انهم لا يهتمون بالمستقبل ولا يفكرون فيه فهو مضمون بالاموال التي يدخرها لهم أبوهم بحسابات خاصة بأسمائهم في البنوك، وفوق هذا وذاك فان لكل منهم شقته الفاخرة في منطقة راقية جدا، بجانب ان الفيلا يمكن ان تسعهم هم وأسرهم عندما يتزوجون فيما بعد وان كان ذلك مازال بعيدا فأكبرهم لم يبلغ العاشرة من عمره، هدية عيد ميلاد خالتي كل عام سيارة جديدة من أفخم الماركات، ورحلة الى أوروبا، فزوجها في غاية الكرم ويستبشر بوجه خالتي ويرى ان الخير تكاثر بين يديه منذ تزوجها، ولذلك لا يتوانى في تلبية كل مطالبها مهما كانت.
خالتي من جانبها لا تبخل على أخوتها وأخواتها وأبنائهم بالهدايا والملابس وايضا ببعض المال أحيانا، فقد تستغل فرصة نجاح تلميذ او عيد ميلاد طفل او اي مناسبة لتمد لهم يد العون، ولكن هذا مهما كان فانه لن يحدث طفرة في حياتهم، غير انه يصل الود والمحبة بينها وبينهم. وإن كان بعضهم يريد ان يكيل من أموالها كيلا حتى يرضى عنها، واذا كان هذا نوعا من الطمع لا مبرر له إلا انه لم يكن عندنا خاصة أمي فهي لديها كنز كبير اسمه القناعة وزرعت آثاره فينا فلا ننظر أبدا الى ما في أيدي الاخرين، ونحن راضون دائما بما قسم الله لنا خاصة واننا نعيش بلا معاناة.
أما أمي، فقد رفضت كثيرين مثل زوج خالتي تقدموا لها، لانها لم تكن تريد ان تتزوج زواجا عاديا مثل ما كان يحدث في عهد الاجداد وانما تريد زوجا حاصلا على مؤهل عال ليكون هناك توافق بينهما ولا مانع من ان يكون بينهما ارتياح على الاقل ان لم يكن حبا قبل الزواج، وقد تسبب ذلك في تأخير زواجها وتزوجت خالتي التي تصغرها قبلها، وتمت خطبة امي لابي، وهو غاية في الطيبة وينبوع حنان، خفيض الصوت، لا يغضب بسرعة، وقد لاحظنا نحن أبناؤه ذلك منذ نعومة أظفارنا فأحببناه الى درجة لا توصف.
ابي وامي عاشا المعاناة بعينها في الحياة فقد تزوجا في شقة مستأجرة لم يشعرا فيها بالامان او الاستقرار، مما اضطرهما لربط الاحزمة على البطون والتوفير من قوتهما، والالتجاء الى العمل الاضافي لشراء شقة تمليك، من أجلنا نحن الابناء ومن أجل التخلص من الترحال بين المساكن المؤقتة، فالتهمت الشقة كل دخلهما على مدى سنوات طويلة من الكفاح المتواصل، حتى انهما لم يستطيعا تغيير الاثاث الذي تزوجا به، وتهالكت الاجهزة الكهربائية ايضا، أما الملابس، فهي بالكاد تستر أجسادنا، ولم تبدأ أحوالنا في التحسن الفعلي الا بعد الانتهاء من اقساط الشقة والتي كانت تثقل كاهل الاسرة، وأنا واخوتي كنا حينها في مراحل التعليم، لكن بعد ذلك كانت الاوضاع تسير في طريق أفضل فقد انتهيت من تعليمي والتحقت بالعمل ولي دخل خاص رفض ابي وامي ان يحصلا منه على اي شيء وطلبا مني ادخاره لحين زواجي، اذا ان راتب كل من اب وامي كانا يكفيان لمستوى معيشي جيد أفضل من ذي قبل بكثير ولم تكن الاسرة في حاجة لاي أموال مني.
ونأتي لمربط الفرس في المقارنة، فأمي عاشت المعاناة بكل جوانبها ومعانيها في حياتها وان كانت راضية عن اختيارها وليست نادمة عليه على الاطلاق وبينها وبين ابي تفاهم كبير، وتعتبر ذلك نوعا من الكفاح اللذيذ، وحياتنا أفضل من غيرنا بكثير لكنها محرومة من الترفيه والتنزه والملابس الفاخرة، بينما خالتي لا تعرف الا الترف ولا تحمل اي هم ولا تفكر في اي مشكلة، بل ربما مشكلتها انها ليست لديها مشكلة، من هنا فان أمي لا تريد ان أكون مثلها لانني أريد رجلا أحبه ولا أحب امواله وأتفاهم معه لا مع ممتلكاته، بينما هي تريد ان تجنبني كل ما تعرضت له هي وأبي بالزواج من شاب ثري مثل زوج خالتي، وها هو قد جاءني يطلب يدي، الا انني بكل تلقائية وبلا تفكير وجدتني اتصرف نفس تصرف أمي القديم، وأرفضه لانه لا يناسبني ولم يجد عندي قبولا، وهنا محل الخلاف بيني وبين أمي، وهذا الخلاف لا يفسد للود قضية ولم يصل الى مرحلة الشقاق وإنما من قبيل النقاش والحوار وصولا الى الاختيار الافضل.
أبي لا يتدخل ولا يعرف التفاصيل التي تدور بيني وبين أمي إلا انه يميل الى رأيي، غير انه لا يريد ان يفرض كلمته وقد قال صراحة إن هذه حياتي وانني يجب ان أكون صاحبة الاختيار والرأي الاول والاخير ولن يتدخل الا اذا طلبت المشورة منه، وها انا أجد نفسي في مفترق طرق فمع علمي بأن المال وحده لا يصنع السعادة لكنني أؤكد انه سبب رئيسي فيها، ولا استطيع ان استبعد أهميته في الحياة بعد ان طغت الماديات على معاملات البشر، وايضا فان الحب وحده لا يشتري مسكنا ولا يوفر طعاما ولا كساء، وما تجربة أمي وخالتي مني ببعيدة، ويبدو انه لا يمكن ان يجد الانسان كل ما يريد ويتمنى في شخص واحد، ان لم يكن هذا محالا، وقد وضعني الحوار الاخير مع أمي في حيرة من أمري، فقد استطاع صاحب المال ان يشتري «قلبا»، هذا القلب الصناعي الذي تسبب في إرباك حساباتي، بينما لا يستطيع الفقير ان ينظر أبعد من تحت قدميه، لان هموم الحياة تكسر ظهره، وتجعله منكس الرأس ينظر الى أسفل.

اقرأ أيضا