صحيفة الاتحاد

ثقافة

صالح كرامة: انتصرت على إغراءات بريطانيا بـ «أبوحيان التوحيدي»

ذهب إلى بريطانيا لدراسة السينما في «كنز كولج» متحصناً بمخزونه التراثي العربي والإسلامي، لم يبهره صخب المدينة، ولم يغره مجتمعها الليلي، ولكنه في المقابل لم يفوت فرصة للاستفادة من هذه المدينة «الشكسبيرية»، زار متاحفها، ومعارضها التشكيلية، وحضر تصوير الأفلام، وتعرف علي كبار المخرجين، وشاهد في اليوم 10 أفلام مستغلاً تخفيض بطاقة الطالب التي يحملها.



هو الفنان الإماراتي صالح كرامة العامري، الذي يجمع بين مواهب متعددة، الإخراج السينمائي والمسرحي، الكتابة المسرحية والأدبية، البحث التراثي والتصوير الفوتوغرافي.


* بين كل مواهبك المتعددة.. أي الفنون أقرب إليك؟


- الأقرب إلى نفسي الكتابة للمسرح، أحشد كل مواهبي الأخرى، نحو كتابتي لعمل مسرحي جديد، وربما هذا كان هو السبب في تصنيفي من أفضل الكتاب العرب للمسرح، وحصلت في عام 2007 على لقب «أفضل كاتب» في المهرجان العربي بالقاهرة، ومعظم أعمالي المسرحية تمت ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية.



ونص «عربة الروح» فاز بجائزة «سان سيباستيان» العالمية في إسبانيا، والذي أخرجه المخرج الإنجليزي كونراد كلارك. وعدد الجوائز والتكريمات كثيرة بحمدلله.


* نبوغك المسرحي.. هل له علاقة بالبداية المختلفة لك في كواليس «أبو الفنون»؟


- بدون شك، دخولي عالم المسرح طفلاً صغيراً، يبيع التذاكر للفرقة المسرحية، ويقترب من هذا العالم الساحر من الداخل، لعب دوراً كبيراً، في تكويني الفني بشكل عام وتكويني المسرحي بشكل خاص.


وبدأت قصة بيع التذاكر في المنطقة الشعبية التي تربيت فيها «الباور هاوس»، وكان يوجد بها نادٍ ثقافي بسيط يحتوي أطفال الحي، الذي تحول إلى نادي الجزيرة.


في هذا النادي الثقافي تأسست فرقة مسرحية اسمها مسرح «الاتحاد»، وبحكم أني كنت لاعب كرة في النادي، كنت أرتاد هذا المكان، وفيه تعرفت على أشخاص مختلفين عن الذين أعرفهم في حياتي العادية، هم خلية من البشر يتكلمون بطريقة مختلفة، مصطلحاتهم المسرحية غريبة عني، مشغولون دائماً، جذبتني طريقتهم في الحياة، ونسيت بسببهم معشوقتي كرة القدم، وكنت أجلس بينهم مستمعاً ومتابعاً للتجهيز لعرض مسرحي من بداية بروفة «الترابيزة»، حتى العرض المسرحي أمام الجمهور، بدأوا يلاحظون وجودي بينهم، عرضوا علي في البداية باعتباري أصغرهم سناً أن أساعدهم في مهمة بيع التذاكر، لم أتردد في القبول، واعتبرت قبولي لهذا العمل أنهم اعترفوا بي واحداً منهم.



بعد مهمة بيع التذاكر، زادت التكليفات، بدأت أساعد في أعمال الديكور، الإضاءة، الإخراج، وأخلف الممثل الذي يتغيب وأقوم بالتمثيل مكانه، حتى لصق الدعاية في الشوارع على الجدران كنت أقوم به سعيداً وفخوراً بنفسي، وأرجوا أن لا تعتبرني أضع نفسي في مقارنة مع شكسبير، هذا الكاتب العبقري، بدأ حياته «سايس خيول» في المسرح الملكي.


* أعتقد أن هذه المرحلة في تكوينك أهم كثيراً.. مما لو درست المسرح في أكاديمية عالمية أو قرأت مئات الكتب النظرية؟


- بدون شك، بين هؤلاء الفنانين الكبار، تعرفت على خيوط اللعبة المسرحية، مواطن القوة والضعف، والتفاصيل الدقيقة للبناء المسرحي، والصراع بين شخوص أبطالي، وفتحت عيني على كتب لم أتخيل أني سوف أقرؤها في هذه السن المبكرة (الإليازة، جلجامش، المسرح الإغريقي، توفيق الحكيم، محمود دياب، ميخائيل رومان، شكسبير)، وتنوعت مصادر القراءة فلم تكن في كتب المسرح فقط، بل قرأت في الاقتصاد والفلسفة وعلم النفس والعلوم الاجتماعية والدينية.


* هل توافق على النقد الذي يوجه للمسرحين الإماراتين ببعدهم عن مناقشة الواقع الإماراتي؟


- للأسف كثير من الكتابات العربية والخليجية، سقطت في خطيئة الانفعالية، والابتعاد عن الكتابات الواقعية، ولا أقصد بالواقعية الابتذال، لابد أن يحاكى المجتمع بكل إرهاصاته، مشكلة الموظف، والفتاة التي خرجت من بيتها بحثاً عن لقمة العيش، هناك تصدعات اجتماعية تحتاج إلي محاكاة بشكل علمي ومدروس.


* اهتمامك الأخير بالتراث البري والبحري.. هل يعني أنك تجهز لعمل فني التراث ثيمته الأساسية؟


التراث لم يغب عن أعمالي، سواء كانت مسرحية أو سينمائية، وكمثال على ذلك فيلم «حنة» الذي حصل على جائزة (أفضل فيلم خليجي في مهرجان أبوظبي السينمائي) وتدور أحداثه حول الحياة في أبوظبي، في أوائل السبعينيات، ويتعرض للحياة الشعبية بالتحديد، وكيف حدثت النهضة العمرانية، التي كنت شاهد عيان عليها لأني ابن الحي الشعبي، حتى في مسرحيتي (سنة أولى) استخدمت التراث البحري، بمعني الغوص، عندي فيلم وثائقي، عن «الغوص» مدته تقريباً 40 دقيقة، التقيت شيباً.. وخضنا تجربة الغوص. ووثقنا له، هذا فضلاً عن مسرحية «وين مرساك».


* دراستك في أكايمية «كنز كولج» في بريطانيا لمدة عام.. ألم تصبك بالتغريب كما حدث مع فنانين عرب كثيرين؟


- أسلحتي كانت أقوى من أن تخلعني بريطانيا من جذوري، أو تغرب فكري، ذهبت للدراسة وعمري 40 عاماً، كنت أكبر طالب في الصف بين جنسيات مختلفة، بكل فخر أستطيع أن أقول أنني الذي أثرت فيهم، ولم أتأثر بهم، كنت محصناً بقراءة (أبوحيان التوحيدي، وأحمد حسن الزيات، وأحمد أمين، والفلسفة الإسلامية، وموروثي الإماراتي) كنت أعرف مسبقاً ماذا أريد من هذه المدينة.