أرشيف دنيا

الاتحاد

التقاعد.. بداية جديدة ومرحلة لتحقيق الذات

مجموعة من المتقاعدين في زيارة لمسجد الشيخ زايد

مجموعة من المتقاعدين في زيارة لمسجد الشيخ زايد

يلتفت يمينا ويسارا ويلقي نظرته الأخيرة على مكتبه الذي سكنه لأكثر من 30 عاما، يلملم شهادات التقدير وجوائز التميز مزيلاً عنها غبار السنين، يغادر خلسة دون أن يتفوه بكلمة؛ صامتا حزينا ويداه ترتعشان، في هذه اللحظة يتمنى ألا يعود إلى البيت لأنه يشعر أن جزءا من حياته بتر، إنها لحظة الوداع التي يعتبرها البعض من المتقاعدين موتا ونهاية المطاف، حيث تنتابهم مشاعر فارس ترجل عن فرس العمل ليستقبل بداية حياة عليه أن يتأقلم معها من جديد.

(أبوظبي) - الحديث عن المتقاعدين ومشاعرهم يطول، فالكثير من الأمور تؤثر على نفسياتهم وتزعجهم وتؤرقهم، فبعد الكثير من العمل تصبح الحياة فراغاً مملاً، البعض يتقوقع داخل ذاته ويعتزل الحياة العامة مراقبا عقارب ساعة الحائط حيث تحل ثوانيها مكان دقائقها والدقائق تهيمن على الساعات فيطول النهار ويتحول إلى دهر، والبعض الآخر يجد في التقاعد بداية لمرحلة جديدة وامتدادا لنشاط وحيوية، وآخرون يصرفون لا يعرفون كيف يقضون أوقاتهم فيتحولون إلى عبء على الأسرة وعلى أنفسهم قبل كل شيء. غير أن هناك من ينظر إلى التقاعد على أنها فرصة لفعل ما لم يستطع أن يفعله في مقتبل حياته.
التقاعد بداية
تقضي فاطمة السري، منسقة إعلامية سابقا في الجمعية النسائية بدبي، وقتها بين أسرتها مع بناتها. إلى ذلك، تقول “وجدت نفسي قبل التقاعد منشغلة كثيرا عن أسرتي التي لم أعطيها الوقت الكافي من الرعاية والاهتمام نظرا لارتباطي بالكثير من المؤتمرات والندوات والمهمات الخارجية والتغطيات الإعلامية، لكن الآن الحوار والمناقشة والتخطيط للمستقبل هو ما يشغل تفكيري اتجاه بناتي اللاتي كثيرا ما يلجأن لمشورتي في اتخاذ القرار نحو التخصص أو دراسة مشاريعهن المستقبلية”.
وتضيف “أصبحت الآن بعد خدمة 18عاما متفرغة لممارسة هوايتي التي انقطعت عنها لفترة ما بسبب العمل المتواصل سابقا الذي لم يكن لدي الوقت الكافي للتفرغ له بشكل تام”. وتتابع “بعد التقاعد أصبح لي زاوية خاصة لكتابة مقالاتي في إحدى الصحف المحلية، لتكون بمثابة المنبر الحر الذي أعُبر من خلاله عن كل ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية والمشاكل الأسرية، حيث تشغلني حاليا الكثير من القضايا التي تعكر مزاجي فتدفعني لكتابة أي مقال يلّوح لي بالأفق، فالكاتب يعتبر شخصا مؤثرا ينقل هموم الناس عن طريق قلمه”.
أما جميلة المزروعي، مدرسة متقاعدة، فتشعر بأن التقاعد بالنسبة لها هي بداية حياة لا نهاية حياة، إذ وجدت نفسها بين ثنايا مرحلة تحمل إشراقات عديدة وآفاق جديدة، فبعد عملها في مجال التدريس لمدة 20 عاما رسمت لنفسها بعد التقاعد خططا واضحة من خلال تصميم اكسسوارات وحقائب يدوية للصغار والكبار تحمل تموجات متراقصة من الألوان وأشكالا متناغمة من الزهور والأحرف والأسماء تزدان بها الأعناق، وتتمايل بها الأيادي بتشكيلات متميزة تصلح للمناسبات.
توضح المزروعي “يرى البعض التقاعد بأنه استغناء عن خدماتها وعطاءهم فيتحول هذا الشعور مع الوقت إلى كابوس مزعج وشبح يطارد أحلامهم وتخيلاتهم كما أنه نهاية الحياة وبداية اليأس والملل”. وتضيف “وجدت بعد التقاعد أنه لابد من إعادة تنظيم الكثير من أمور الحياة من خلال القيام بممارسة هواية كانت لدي منذ زمن طويل، لكن كثرة الارتباطات السابقة أيام العمل وضيق الوقت لم تسمح لي بمزاولتها؛ وبعد أيام معدودة من فترة التقاعد وجدت نفسي بين جدران المنزل ليس لدي هدف معين أو خطة أمشي عليها لأستمتع بهذه المرحلة من العمر، لكن بعد تفكير اهتديت إلى تصميم الاكسسورات لملء وقت الفراغ”. وتقول “التفاؤل وحب الحياة دفعني للخروج بأفكار جديدة في عالم تصميم الاكسسوارت الذي أصبح يسد الفراغ الذي ينتابني أحياناً كثيرة”. وتؤكد “من خلال تجربتي أرى أن التقاعد ليس نهاية المشوار بل بداية الأمل”.
الانفصال عن المجتمع
تصف لطيفة إبراهيم تصف زوجها، الذي تجاوز الستين وأحيل إلى التقاعد، بأنه أصبح مملاً. فهو لا يريدها أن تفارقه لحظة. وتقول “لا يريدني أن أطبخ أو أهتم بشؤون المنزل، يريد أن أتفرغ لطلباته واحتياجاته التي زادت عن حدها عند التقاعد، يرافقني إلى السوق والزيارات العائلية، ويضيق علي الخناق فهو يريدني أن أقوم بخدمته والجلوس والحوار معه فقط”. وتتابع “أشعر بعد تقاعده أنه قد فقد كل شيء أصدقاءه وعمله وحياته الاجتماعية، لقد أصبح طفلاً صغيرا يريد من يمده بالحنان والاهتمام، وأنا أريد التحرر من قيوده وملازمته لي”.
ويصف أبو راشد، وهو متقاعد منذ 10 سنوات، الحالة التي يعيشها بشكل يومي بأنه يغلق على نفسه في غرفة مخصصة له ويجلس ليراقب الفضائيات محركاً “الريموت كنترول” طوال الوقت إلى درجة أنه أصبح وحيداً. ويقول “على الرغم من أهمية موضوع التقاعد إلا أنني لم أشاهد برنامجاً واحداً عن المتقاعدين عبر الفضائيات العربية التي تهتم فقط بفئة الشباب، وكأننا جزء منفصل عن المجتمع”. ويؤكد أن دور الإعلام مهم لتسليط الضوء على هذه الفئة. ويضيف “أعتقد أن الفضائيات لها تأثير الآن أكثر من غيرها ولو كان هناك برنامج عن المتقاعدين لتسليط الضوء على معاناتهم وإيجاد طرق لإعادة دمجهم في المجتمع ومساعدتهم على اكتشاف طرق مفيدة لتمضية الوقت”.
ومن الأعراض النفسية المرتبطة بمرحلة التقاعد تقهقر القدرات الذهنية، ونقص التركيز، ويمكن أن يصل الأمر لدى بعض المتقاعدين إلى حد الخرف. إلى ذلك، يقول الدكتور علي عطية، أخصائي نفسي إنه “إضافة إلى الأثر النفسي للضعف الجنسي مع تقدم السن الذي يواكب عموما مرحلة التقاعد، هناك عوامل أخرى بدنية تولد حالة التوتر ومع استمرارها تنتج حالة حصر عند الكثير من المتقاعدين، ويمكن أن تؤدي إلى ظهور اضطرابات نفسية تندرج ضمن هذا الإطار؛ حيث تعتبر حالة الحصر أحد أهم الأعراض النفسية التي يواجهها المتقاعد، وتشكل قاعدة للعديد من الأمراض النفسية لديهم”. ويضيف “التقاعد في حد ذاته لا يمثل المشكلة النفسية الأساسية، بل ما يصاحب ذلك من تقدم الفرد في السن وتراكم خبرات الحياة، مع فقدان الكثير منها، كلها تلعب دورا في نشوء حالة نفسية خاصة بتلك الفترة من العمر. حيث تؤدي بالفرد إلى تكوين وبناء الصور المعرفية غير الكاملة ما يولد لديه أيضا شعورا بالعجز في الوصول إلى حلول العديد من المشاكل لمواقف الحياة المتعددة والمختلفة باختلاف الزمان”.
ويوضح عطية “بالنسبة للجانب النفسي والاجتماعي نجد أن العلاقات الاجتماعية تتقلص لدى المتقاعد ما يجعله يحس بأنه أصبح غير مهم في المجتمع؛ فيتولد لديه اضطراب يتعلق بمفهوم التقدير الاجتماعي له بخسارته مكانته، ما ينعكس سلبا على سير حياته بعد التقاعد، ويعود ذلك إلى جانب تقدير الذات الذي طوره الفرد خلال مراحل حياته”. مشددا على ضرورة اتخاذ التدابير الوقائية النفسية الاجتماعية.




تربية الأحفاد
لم يجعل خميس العبيدلي (70 سنة) التقاعد حاجزا يمنعه من العطاء والتواجد، بل جعله فرصة مناسبة للالتحاق بالدروس والندوات الدينية والثقافية، وهذا لم يمنعه من أن ينتظم في أحد النوادي الرياضية لمزاولة الرياضة التي تمنحه النشاط والحيوية، وتساعده على المحافظة على جسم صحي بعيدا عن الأمراض. وبين هذا وذاك كان للأحفاد والاستمتاع بتربيتهم متعة كبيرة عند العبيدلي الذي يعتبر أحفاده وتربيتهم من أجمل ما يقوم به ويشعر تجاههم بالسعادة حين يكون وسط ضحكاتهم.

اقرأ أيضا