صحيفة الاتحاد

ثقافة

عن تحولات البراءة والجريمة ومستحيلات العلاقات الإنسانية

 من فيلم «فيكتوريا» (من المصدر)

من فيلم «فيكتوريا» (من المصدر)

إبراهيم الملا (دبي)
في لقطة واحدة ومتواصلة يقطعها فيلم «فيكتوريا» للمخرج الألماني سيباستيان شيبر، تبرز لنا مدينة برلين كما لا يمكن أن نراها في صخبها وروتينها اليومي المعتاد، إنها مادة الليل والبهجة السرية والطيش العابر، والتي يلتقطها المخرج هنا وبذكاء وحنكة كي يرصد تحولات البراءة والجريمة والحب والعنف والصداقة والموت في هذه المدينة الكوزموبوليتية بامتياز.

خبايا ودهاليز
يبدأ الفيلم بمشهد صاخب في ملهى ليلي تتصدره الفتاة الإسبانية فيكتوريا، وهي تلاحق فضولها للتعرف على خبايا ودهاليز مدينة برلين بعد مرور ثلاثة أشهر منذ إقامتها، وعملها كنادلة في مقهى لا تستفيد منه سوى بأجر ضئيل.
وعند خروجها من الملهى تصادف أربعة شبان متسكعين يصفون أنفسهم بالبرلينيين الأصليين، ومن خلال حوارات ارتجالية ومداولات الحكي والثرثرة، تنشأ صحبة حذرة بين الفتاة والشبان الأربعة وتتطور إلى حالة من الانجذاب الشخصي تجاه أحدهم، تصاحبهم فيكتوريا في مغامرتهم الليلية وتتداخل مع عالمهم الثمل بالأحلام والشغب والفوضى، ومع اللقطات المقربة والحيّة والواقعية في حركة الكاميرا يمكن للمشاهد أن يتوقع أحداثاً سيئة قد تجرف الأحداث إلى منحى خطر وعنيف، ولكن مسار الحكاية وسلوك الشبان الحميمي يؤجل هذا التوقع المتشائم إلى زمن أبعد، خصوصاً بعد أن تصطحب فيكتوريا صديقها إلى المقهى الذي تعمل به وقت الفجر وقبل حضور الزبائن، وعندما تعزف له على آلة البيانو نكتشف أنها عازفة محترفة لم تجد فرصة مناسبة في بلدها إسبانيا، وأتت للعمل في برلين هرباً ربما من خساراتها الشخصية هناك، ومع هذا المشهد بالتحديد ينسج الفيلم خيوطه النفسية والدرامية المتينة حول الشخصية الرئيسة في الفيلم، والتي يدفعها يأس غير ملحوظ إلى مشاركة الشبان في عملية سطو على أحد البنوك امتثالاً لأوامر عصابة محترفة أنقذ زعيمها أحد الشبان الأربعة عندما كان مسجوناً قبل سنوات، كي يسدد ديناً مؤجلاً بعشرة آلاف يورو.
في النصف الثاني من زمن الفيلم تأخذنا المشاهد السريعة والمتلاحقة إلى مسار مختلف تماماً عن البدايات الهادئة، وذلك بعد أن تبدأ الشرطة مع طلوع النهار بمطاردة فيكتوريا وأصدقائها المسلحين، وتنتج المطاردة عن مقتل أحدهم وإصابة آخر، بينما تهرب فيكتوريا وصديقها المقرّب ومعهما خمسون ألف يورو كحصاد لسرقة البنك، وتلجأ إلى أحد الفنادق القريبة لتفاجأ بصديقها وهو ينزف حتى الموت، وينتهي الفيلم بلقطة عامة تتوقف معها الكاميرا ولأول مرة في مكان محايد، كي تدخل فيكتوريا المحطمة والمنهكة إلى الكادر الضبابي وتختفي في أزقة برلين وهي تنفض عن نفسها عتمات ليلة باردة ظاهرياً، ولكنها تنطوي في العمق على مآسٍ وقصص داكنة لا يعرفها أحد.
فيلم «فيكتوريا» من الأعمال المميزة التي قدمها مهرجان دبي السينمائي في دورته الحالية، ومردّ هذا التميز هو بناء الفيلم المعتمد كلياً على المصور ستورلا غروفلن بكاميرته المحمولة طوال ساعتين متواصلتين ومن دون قطع أو مونتاج، ومن خلال حوارات ارتجالية وأداء عفوي من الممثلين برزت فيه الممثلة لايا كوستا بقدراتها العالية على التنويع الأدائي والانتقال المتدرج من حالات الفرح والانتشاء إلى الحزن والصدمة الذاتية واستدعاء الذاكرات المرّة، وكل ذلك ضمن توليف بصري محكم وخطاب إنساني مرهف لم نجده في معظم الأفلام الأخرى التي اعتمدت أسلوب اللقطة المتواصلة حدّ الإنهاك.

تقاطع ثقافات
في فيلم المخرج الفرنسي صموئيل بنشتريت بعنوان «أسفلت» ثمة أصداء وملامسات وانتباهات لا يمكن أن تتبخر سريعاً من ذهن المتفرج وهو يغادر صالة العرض، لأن ما يشرع الفيلم في تفكيكه وتحليله من مواضيع تبدو عادية، يتجاوز هنا الحدود المستحيلة لما تختزنه الحياة من علاقات إنسانية وتقاطع ثقافات ومصائر منسيّة في هذا الكوكب المبتلى بجنون السياسيين وعنصرية الإعلام وجشع تجار الدم والسلاح.
يتسلل الفيلم وبهدوء إلى المساحة الروحية الخصبة لدى البشر، والتي تتشكل في هذا الشريط الآسر وسط مدار مشترك تتفرع منه ثلاث قصص تقع أحداثها في عمارة سكنية، وداخل مصعد ضيق ومعطل دائماً، وعلى وقع صوت غامض يصدر في أرجاء الحيّ ويؤوله كل شخص حسب خيالاته وتفسيره الذاتي.
في القصة الأولى ترصد الكاميرا رجلاً مقعداً يسكن الطابق الأول للعمارة ويعاني من مشاكل المصعد، ثم نراه وهو يتسلل ليلاً إلى المستشفى القريب كي يسكت جوعه من خلال جلب رقائق البطاطس في جهاز المأكولات الآلي بالمستشفى، وهناك يتعرف على الممرضة المناوبة ليلاً، ويدّعي أنه مصور محترف يعمل لشركة ناشيونال جيوغرافيك، وبعد أن تنشأ بينهما حالة من الود والتواصل، يعدها بالتقاط صورة شخصية لها، وفي الليلة الموعود يتعطل المصعد، ويعلق كرسيه المتحرك هناك، فيضطر لمقاومة آلامه ويذهب إليها مشياً على رجله المعطوبة كي لا يخلف وعده، ولا يفسد هذه العلاقة الناضجة للتوّ.
في القصة الثانية نتعرف على ممثلة مسرحية وسينمائية معتزلة حظيت في الثمانينيات بشهرة كبيرة، ولكن نسيها الجميع بعد اعتزالها، تتعرف الممثلة الخمسينية على جارها المراهق الذي يسكن وحيداً في شقته، ويساعدها بعد أن يتلمس حجم خساراتها الذاتية في العودة مجدداً إلى التمثيل بعد أن يعثر في أ حدى صناديقها المهملة عن نص مسرحي مميز كي يبث في دواخلها روحا جديدة ومشرقة ومهيأة للعودة إلى الأضواء مجددا.
في القصة الثالثة التي بدت أكثر غرائبية يهبط مكوك فضائي على سطح العمارة، ويخرج منه رائد فضاء أمريكي تستضيفه سيدة جزائرية مسنة تسكن في ذات العمارة، كي يجري مكالمة مع وكالة ناسا المكلفة بالعثور عليه، ورغم جو الارتياب والشكوك المخّيم على ذهن رائد الفضاء وهو في منزل امرأة عربية، إلا أن طيبة السيدة وبساطتها تذوّب كل هذه الهواجس المقلقة، يسكن رائد الفضاء لمدة يومين في غرفة ابن السيدة الغائب، ويتواصل معها ضمن منطقة شفافة من المشاعر الإنسانية والنوايا النقية التي شوهها قبح السياسة والبروباغندا المضللة للإعلام.
قدم المخرج بنشتريت فيلمه في إطار كوميدي ومتخفف كثيراً من عبء الموضوع في بنائه العام وهيكله السردي، ولكنه يشتمل في الوقت ذاته على خصوصية أسلوبية وفرادة في الطرح، من حيث تقديمه لقصص تنبع من واقعية الحياة وصيرورة الوجود، وتتمرد أيضا على القشرة الصلبة لأفكارنا المغلوطة، وانطباعاتنا الخاطئة عن الآخرين.