صحيفة الاتحاد

ألوان

ساحة الهجن تكشف شغف أبناء الإمارات بالإبل

ساحة الهجن ملاذ الزوار في المهرجان (تصوير عبدالعظيم شوكت)

ساحة الهجن ملاذ الزوار في المهرجان (تصوير عبدالعظيم شوكت)

أشرف جمعة (أبوظبي)

ارتبطت الهجن بحياة الإنسان منذ القدم، وقد نقل الجاحظ في كتاب «البيان والتبيين» عن أم هاشم السلولية قولها: «ما ذكر الناس مذكوراً خيراً من الإبل، إن حملت أثقلت، وإن مشت أبعدت، وإن حلبت أروت» وفي ساحة الإبل «بمهرجان الشيخ زايد التراثي» -الذي يستمر حتى الثاني من يناير- كان إقبال الزوار عليها كثيفاً وبخاصة الأطفال الذين أبهرتهم الجمال الصحراوية فامتطوا ظهورها وتجولوا في هذه الساحة وسط احتفاء عارم من العائلات والزوار العرب، والأجانب وهو ما يدعم جانباً مهماً من جوانب التراث المحلي حيث الجمل سفينة الصحراء والذي كان صديقاً لأبناء الجيل الماضي يقطع البوادي والقفار في حركة تجارتهم، ويصاحبهم في جميع المناسبات الخاصة والعامة، ويُنحر للضيف في دلالة على إكرامه، ويشرب لبنه، لذا فإن مسيرة الإبل في الإمارات طويلة تكونت خلالها تلك العلاقة الخاصة بين الجمل والإنسان.

مهارات الهجن
في ساحة مفتوحة تستقبل الزوار على اختلافهم، كانت الجمال الصحراوية تستقبل العائلات الإماراتية والسياح الأجانب والأطفال الصغار من مختلف الأعمار في أجواء شتوية مدهشة وهو ما سمح لكل هذه الوفود أن تتفاعل مع سفينة الصحراء وأن تأخذ حظها من النزهة وهي متمركزة على ظهور الإبل ومن ثم تعلم مهارات الهجن التي تعد من أسخى المواطن الرياضية في الدولة والتي بلغ بها الاهتمام الذروة ومن ضمن الزوار الذين لديهم اهتمام بالغ بالإبل مطر علي بن هويدن رئيس مجلس إدارة اللجنة الدائمة لسباقات الهجن بالشارقة الذي يبين أنه ظل سنوات طويلة يبحث في تاريخ الإبل العربية وبخاصة الإماراتية وخلال زياراته المتكررة إلى «مهرجان الشيخ زايد التراثي» يحرص على الحضور إلى ساحة الهجن حيث التفاعل مع البيئة الصحرارية التي عاش في رحابها سفينة الصحراء، مبيناً أنه كان هناك احتفاء بالإبل في الحضارات العربية القديمة فذكرت في خطب البلغاء على أنها مثال للخلق الكريم والجلد والصبر والقدرة على التحمل حتى إنه كان يقال للرجل الهمام «فلان جمل المحامل» في دلالة على صبره وتحمله المشاق، وهو ما شجع الشعراء على ذكرها والإطالة في مديح صفاتها ومدى الأنس الذي كان يشعر بها الناس في قربها.
شعبية ضخمة
يذكر ابن هويدن أن ساحة الإبل في «مهرجان الشيخ زايد التراثي» تربط الجيل الجديد بالتراث الوطني الأصيل وأنه لاحظ إقبالاً كبيراً عليها وإصراراً وتسابقاً من العائلات على أن يأخذ أطفالهم حظاً من ركوبها في حضرة المدربين التراثين الذين كانوا يحرصون أيضاً على أن يعلموا الأطفال المبادئ الرئيسية لركوب الهجن، ويبين أنه سعيد جداً بهذه التجربة لأنها تساعده كباحث حر على استكمال دراساته في مجال الهجن العربية في ظل هكذا مهرجان كبير له شعبية ضخمة.

سعادة غامرة
في ساحة الإبل «بمهرجان الشيخ زايد التراثي» حرصت ثلاث فتيات على الركوب فوق ظهر جمل واحد وسط متابعة ذويهن، وهن علياء المنهالي ووضحة يوسف ونورا إبراهيم، وتورد علياء أنها حينما وردت ساحة الإبل بالمهرجان مع أسرتها كانت مترددة وخائفة من الاقتراب من الجمال ولكنها تشجعت رويداً رويداً حين وجدت فتيات غيرها يجلسن على ظهور الجمال ولا يخشين من أن تسير بهن في الساحة المخصصة للهجن، لافتة إلى أنها أرادت أن تركب مع فتاتين على ظهر أحد الجمال حتى يزول الخوف تدريجياً وحين جلست بينهن وسار الجمل بهن اطمأنت وأحست بسعادة وهو ما دفعها إلى معاودة التجربة مرة أخرى بمفردها.
عتاد المطية
أصغت الطفلة مهرة يوسف إلى أحد المدربين التراثيين الموجودين في ساحة الهجن «بمهرجان الشيخ زايد التراثي» والذي كان يتولى شرح مفردات عتاد المطية وتقسيماته وكيف يوضع مرتباً على ظهر الجمل، واللافت أن هذه الورشة المصغرة جداً لاقت قبولاً من مهرة التي طلبت أن تصعد على ظهر الجمل من أجل تعلم فنون الهجن خصوصاً وأن أسرتها تشجعها على ذلك وتذكر والدتها أن طفلتها محبة للموروث الشعبي وتطلب منها بشكل يومي أن تصحبها إلى المهرجان، حتى تتعرف إلى ألوان الموروث الشعبي الأصيل.

حياة قديمة
أمام أحد الدكاكين التراثية الموجودة في أحد جوانب ساحة الهجن استقر هودج تراثي على الأرض بشكله المعروف في البيئة القديمة، وهو ما دفع بعض الشباب إلى تلمسه ومعرفة بنائه ومما يتشكل، وهو ما دفع مسؤول المبيعات في دكان «العربية للخيام» يتوضيح محتويات الهودج لهؤلاء الشباب إذ يبين أحمد عبدالحميد أن الهودج مصنوع من الخشب وبه بطانة أسفنجية وهو في إطاره العام صنع من أجل الاحتفاء بالحياة القديمة وكيف كانت الجمال تستقبل هذا الهودج على ظهورها وتسير بها في الصحراء وبداخل الهودج كان يسكن أحدهم وهو في راحة تامة حتى يبلغ هدفه الذي يريد.
ويقول حمدان الشحي (21 عاماً) إنه أراد مع شقيقه راشد أن يضعا هذا الهودج على ظهر جمل في ساحة الهجن «بمهرجان الشيخ زايد التراثي» حتى يستحضرا الحياة القديمة وميزات هذا الهودج واستخداماته في التنقل والسفر ومدى احتمال الجمل سفينة الصحراء وجوده على ظهره ومن ثم السير به مسافات طويلة.
ويشير حمدان إلى أنه من منطقة رأس الخيمة وحضر إلى المهرجان من أجل الاستمتاع بالموروث الإماراتي الأصيل في نواحيه كافة، خصوصاً أن ساحة الهجن بالمهرجان كان لها بريق خاص وجذبت عديدًا من الزوار.

طفلان داخل هودج
في لفتة طريفة وأثناء وجود هودج تراثي في ساحة الهجن، أصر الطفل حمد مبارك المنصوري 9 سنوات من العين على دخول الهودج وتبعه الطفل بطي أحمد الشامسي 8 سنوات وجلسا متقابلين داخله، ودار بينهما حديث عن طبيعة الحياة الصحراوية قديماً واستخدامات الهودج، وقد ظهرت عليهما السعادة البالغة. ويوضح الشامسي أنه يحب الموروث الشعبي الإماراتي ويصر دائماً على الحضور إلى مهرجان «زايد التراثي»، من أجل الاستمتاع بمعالم القرية التراثية التي جمعت المفردات التراثية الإماراتية في مكان واحد.

معاني الولاء
حرص مسؤول قسم نادي الصقارة في «زايد التراثي» على أن يصطحب ابنتيه عائشة ونور إلى ساحة الهجن لتعلم المهارات التراثية خصوصاً وأنه يعمل في مجال التراث، لافتاً إلى أن المهرجان يلهم الجيل الجديد محبة الموروث الشعبي الإماراتي ويطلعه على تجارب حية من حياة الأجداد، مؤكداً أن حضور العائلات الإماراتية بشكل يومي إلى المهرجان يجسد معاني الولاء للتراث الوطني، ويجمع الأسرة الإماراتية على بساتين الأجداد الفواحة.