صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أقدام حافية على الأرض المقدّسة

ترجمة: أحمد حميدة

كان خطاب الهنود الحمر، بعد اغتصاب أراضيهم ونهب موارد عيشهم، منبئاً بما سيكون عليه مصير الإنسان في هذا العصر، الذي غدا اليوم يتأمّل عاجزاً خراب محيطه الطّبيعي وتضاؤل الموارد الحيّة التي يزخر بها.
وقد كان خطاب الهنود الحمر أيضاً، مصدراً لحكمة بالغة، مؤسّسة على احترام الطّبيعة، وإدراك عميق للرّوح السّارية في جميع عناصرها ومكوّناتها.
لقد تحدّث الهنديّ الأحمر قبل أن تسحقه الآلة الحربيّة للإنسان الأبيض، ونظلّ نحن اليوم، مربوكين أمام هذه الشّذرات من الأصوات، المترعة رهافة وإحساساً ورفعة وروحانيّة. هؤلاء الهنود الذين لم يشيدوا لا أهرامات ولا كاتدرائيّات، أدركوا حقيقة مكانتهم في هذا الكون، وانخرطوا بأجمعهم في طبيعة كانوا يوقّرونها ببالغ الإجلال، ليدركوا بالسّليقة أن لا مكانة أرفع للإنسان من كونه إنساناً. لذلك.. لم يكن يعنيهم تكديس الثروات، ولا اللّهاث وراء مباهج الحياة، بقدر ما تعلّقت همّتهم بصقل روح أبيّة، كريمة، أنوفة.. متناغمة مع بقيّة عناصر الوجود.
ونحن إذ نعلم ضراوة الجشع الذي كان ينتهب الغزاة الوافدين من أوروبا، ندرك إلى أيّ مدى كان الحوار مستحيلاً بين الإنسان الهنديّ والإنسان الأبيض، بين رؤيتين للوجود، متعارضتين، ومختلفتين في الجوهر.. إلى أبعد حدود الاختلاف.


ما من شيء إلاّ وكانت تهبنا إيّاه ببالغ السّخاء أمّنا الطّبيعة، لم يعرف أبناءنا البتّة.. الجوع
ولم ينقص شعبنا أيّما شيء. منحدرات نهر روك ريفر، كانت
تغدق علينا سمكاً وفيراً، والأرض الخصبة، كانت في كلّ سنة، وهي في
أوج عطائها، تمنحنا حصاداً طيّباً من الحنطة والفاصوليا
وقرع اليقطين... هنا كان مُقامنا.. هنا كان سكننا منذ مئات السّنين،
أقمنا هنا، في هذا هذا الوادي، ولم ينازعنا فيه أحد..
لو زار قريتنا أحد المتنبّئين يومذاك، وأخبرنا بما سوف يحلّ بهذه البقاع،
والذي حدث ويحدث فعلاً، فلا أحد كان سيصدّقه.
الزّعيم الهندي بلاك هوك

كنّا نؤثر السّكينة والسّلام، نترك الفأر يلهو بكلّ أمان،
ولم يكن الخوف ليتملّكنا حين كانت تنفخ الرّيح في الغاب،
فترتجف لهبوبها الأغصان.

من رسالة لزعيم هنديّ إلى حاكم بنسلفانيا سنة 1796

كنّا نعلم ذلك من زمان.. نعلم أنّ الأرض ليست ملكاً للإنسان،
وأنّ الإنسان ليس إلاّ ابن هذه الأرض، كنّا نعلم من زمان.. أنّ كلّ الأشياء تشدّها
عرًى لا يعتريها انفصام، وأنّ كلّ أذى يلحق الأرض.. لابدَّ أن يكتوي به الإنسان،
فالإنسان لم يَحِك نسيج هذه الحياة، إن هو إلاّ مجرّد خيط في هذا النّسيج المهيب،
وكلّ تلف يلحق هذا النّسيج، هو تلف يصيب روح الإنسان..
سياتل.. زعيم قبائل دوواميش

«الهنديّ الأحمر في قبائل لكوتا، كانت تملأه دوماً مشاعر
الحنوّ والمحبّة للطّبيعة، وتعلّقه بها كان لا يني يكبر مع الأيّام. (...)
لذلك كان كبار السنّ يؤثرون دوماً افتراش الأرض، حتّى لا تنقطع صلتهم بالقوّة
النّابضة فيها، ولا يتوقّفوا عن الإنصات إلى دبيب النّسغ السّاري في أوصالها،
ذلك أنّ الجلوس على الأرض والاسترخاء فوقها، كان يمكّنهم من
الاستغراق في التّفكير، وشحذ إحساسهم، لاستشعار الذّبذبة الكامنة في جوهر الأشياء.
هكذا.. كانوا يتأمّلون أسرار الحياة بمنتهى الصّفاء، ويشعرون بأنفسهم
أكثر دنوّاً من كلّ القوى النّابضة التي في الأرض وفي السّماء.
كان كبير السنّ في قبائل لكوتا.. حكيماً، يدرك أنّ
قلب الإنسان متى انفصل عن الطبيعة.. أجدب وتيبّس.
وكان يعلم أنّ كلّ تغافل عن مشاعر الاحترام تجاه
كلّ ما ينمو وينبض، سوف يحطّ لا محالة من كرامته هوَ،
لذلك كان حرصهم شديد، على تلقين الأبناء هذه المحبّة
الغامرة للطّبيعة، وضرورة الانغمار فيها بقلب طافح بالنّقاوة والصّفاء.
ستندينغ بير.. زعيم قبيلة لكوتا (إحدى قبائل السّيو)

إنّنا نرى أيدي الرّوح الأعظم وهي تلامس كلّ الأشياء، الشّمس والقمر والأشجار
والرّياح والجبال والبيداء (...)، فنحن نؤمن بالكائن الأسمى إيماناً أشدّ رسوخاً من
ذاك الذي نراه عند الكثيرين من البيض، الذين ينعتوننا بالوثنييّن وبالتّعساء.
إنّ الهنود الذين يعيشون قرب الطّبيعة ويعشقون ربّ الطّبيعة، لا تغشاهم الظّلمة الدّكناء.
أوَتعلمون أيّها البيض أنّ الأشجار تتكلّم؟ إنّها لتكلّمنا وتحادثنا، ولو ألقيتم السّمع
لسمعتموها كما نسمعها، ولكن مصيبتكم أيّها البيض، أنّكم لا تسمعون،
ولا تنصتون البتّة إلى الهنود، فأنَّى لكم سماع ما تطلقه الطّبيعة
من همس وشدو وغناء، وأنتم تقابلونها بقلوب مقفلة صمّاء،
ومع ذلك، فلطالما أنبأتني الأشجار بالكثير، تارة عن
عن أحوال الطّقس، وطوراً عن الحيوانات، وأحياناً عن الرّوح الأعظم في أعالي السّماء.

تتنغا ماني.. من هنود كندا

يزدري البيض الأرض والأيّل والدبّ، نحن الهنود حين نبحث عن الجذور
فإنّنا نحفر في الأرض حفراً صغيرة، وكذلك حين نقيم خيامنا، التي لا نوتّدها
إلاّ بخشب قد تيبّس ومات.
أمّا الإنسان الأبيض فإنّه يقلّب الأرض ويقطع الأشجار الغضّة، تقول الشّجرة: «قف.. كفى.. أنا جريحة، فلا تزد في ألمي»، ولكن رغم ذلك فهو
يقطعها ويفرّغها، بل إنّه يجتثّها من جذورها وينشرها، لذلك فإنّ روح الأرض تمقته. الإنسان الأبيض يدمّر كلّ ما يصادفه، إنّه يفجّر الصّخور ويتركها يباباً فوق الأرض. تقول الصّخرة: «توقّف، إنّك تؤلمني».
ولكنّه لا يلقي بالاً ويمعن في دقّها، الهنود الحمر حين يستعملون الحجارة
فإنّهم يتخيّرون أصغرها، وتلك التي تكون مكوّرة، ليطوّقوا بها نيرانهم باللّيل... فكيف
لروح الأرض أن تحبّ الإنسان الأبيض، وهو الذي ما لامس شيئاً.. إلاّ واستحال
عدماً وخواء.
حكيمة من قبائل ونتو.. كاليفورنيا

أذكر عهداً كانت فيه الجواميس، من فرط كثرتها، عصيّة على العدّ والإحصاء،
غير أنّ الرّجل الأبيض أوغل في قتلها وإبادتها، حتّى أنّنا لم نعد
لنرى اليوم في السّهول التي كانت تأتيها تلك الجواميس للرّعي،
غير أكداس من الجثث المتفسّخة.
وكان هؤلاء البيض لا يقتلونها للحصول على الغذاء،
وإنّما للظّفر بجلودها وبيعها، وكانوا أحياناً لا يقتلونها ويكتفون باقتلاع ألسنتها.
وكانت «سفنهم النّاريّة» تنزل عبر نهر ميسّوري، مثقلة بكمّيات مهولة
من ألسنة الجواميس المجفّفة، وأحياناً ما كانوا يستغنون حتّى على تلك الألسنة،
فيقتلونها للمزاح والمتعة فحسب. أولئك الذين كانوا يقبلون على مثل هذا الصّنيع
لا يمكن أن يكونوا غير أناس مجانين.. أغبياء. أمّا الهنديّ الأحمر، فإنّه لا يصيد الجاموس
إلاّ بالقدر الذي يفي بحاجته الملحّة، كيما يبقى على قيد الحياة.
***
قد تلاحظون أنّ كلّ الأشياء التي يصنعها الهنديّ الأحمر دائريّة الشّكل،
خيامنا دائريّة كأعشاش الطّير، وتنتظم دائريّاً على الأرض، وهي كذلك.. لأنّ
القوّة السّارية في الكون تنتظم وفق دوائر، ولأنّ كلّ شيء ينحو نحو الشّكل الكرويّ.
في الزّمن الغابر، حين كنّا شعباً قويّاً وسعيداً، كلّ قوّتنا كانت نابعة من
من الدّائرة المقدّسة للأمّة، ما دامت لم تنفكّ.
كلّ ما ينتجه الكون من قوّة، يتمّ داخل دائرة. السّماء مستديرة. والأرض
مستديرة كما الكرة، وكذلك النّجوم أيضاً. الطّيور هي الأخرى تبني أعشاشها
على شكل دوائر، لأنّها تشترك معنا في نفس الإيمان بالرّوح الأعظم في السّماء.
الشّمس تصعد وتهبط وفق خطّ دائري. والقمر كذلك، وكلاهما مستدير.
حتّى الفصول.. فهي تشكّل في دورانها دائرة كبرى، فتعود دوماً إلى حيث كانت.
من الطّفولة إلى الطّفولة، تتمّ حياة الإنسان أيضاً وفق وتيرة دائريّة، وكذلك
هو الشّأن بالنّسبة لكلّ الأشياء التي تنبض بداخلها طاقة الحياة.
بلاك إيلك.. أحد زعماء قبائل السّيو

كم هو رغيد وهانئ العيش داخل الخيمة، حين تكون نظيفة،
دافئة في الشّتاء ومنعشة في الصّيف، وسهلة النّقل عند الرّحيل.
الرّجل الأبيض يؤثر بناء بيت كبير، مُكْلف، أشبه ما يكون بقفص كبير،
لا تلجه الشّمس، غير قابل للنّقل، وغير صحيّ.
إنّ الهنود والحيوانات لأعرف بفنّ الحياة من الرّجل الأبيض.
لا أحد يمكنه البقاء بصحّة جيّدة، ما لم ينعم بهواء نقيّ منعش،
بضياء الشّمس، وبماء سلسبيل بالغ الصّفاء.
لو كان الرّوح الأعظم يريد للإنسان أن يظلّ في مكان واحد،
لخلق عالماً ثابتاً وغير متحرّك، غير أنّه جعل هذا العالم متحوّلاً
كي تتمكّن الحيوانات والطّيور من التنقّل لتجد العشب الأخضر
و الثمار النّاضجة. لا يحترم الإنسان الأبيض إرادة الرّوح الأعظم،
لذلك.. فليس بوسعنا التّفاهم معه.
----------
إيلفينغ هوك.. أحد زعماء قبائل السّيو

إنّ السّهول المديدة والمنفتحة، والتّلال المخضرّة الرّائعة،
ومياه الجداول المتدفّقة والمتعرّجة يمنة ويسرة، لم تكن في نظرنا
«بريّة.. متوحّشة»، الإنسان الأبيض وحده يراها كذلك، كما يرى أنّ
الأرض باتت مرتعاً مستباحاً «للحيوانات المفترسة» و«القبائل المتوحّشة »
كنّا نرى الأرض لطيفة، أنيسة، ونعيش في أحضانها، مغمورين
بمنن السرّ الأعظم، ولم تغدو عدائيّة.. إلاّ حين جاء الإنسان الأبيض
الذي لا يني يرهقنا بظلمه وصلفه وشراسته بلا انتهاء.

ستندينغ بول.. من زعماء قبائل السّيو

أرضنا لا تعدلها كنوز الأرض، ولسوف تبقى دوماً ههنا،
ولن يطالها أبداً.. الفناء.. وإن اجتاحتها الحرائق.. واللّهب واللّظى.
فطالما أشرقت شمس النّهار،
وتدفّقت مياه الأنهار، سوف تكون هذه الأرض دوماً ههنا، لتهب الحياة
للحيوان والإنسان بكلّ جود وسخاء، ونحن ليس بوسعنا ولا من حقّنا بيعها،
وذلك لأنّ الذي أوجدها هو الرّوح الأعظم، وليست ملكيّتها رهن أيدينا..
ما دارت الأيّام واستمرّت الحياة.
الزّعيم الهندي بلاك فوت

منحنا الرّوح الأعظم أرضاً رحيبةً كي نعيش فيها، وجواميس وأيائل وظِباء
وفرائس أخرى كثيرة، ولكنَّكم أتيتم وسرقتم أرضي، وقتلتم دون رحمة ولا رويّة فرائسي، وغدت حياتي بوجودكم منتهبة.. منتهكة.
وتقولون إنّه ينبغي لنا العمل، والروح الأعظم قد أوجدنا لا لكي نعمل،
وإنّما لنعيش من الصّيد.
ثمّ تقولون لنا «لتكونوا متحضّرين»، ونحن لا حاجة لنا بحضارتكم هذه،
ونريد فحسب أن نعيش كما عاش أجدادنا.
كريزي هورس.. من كبار زعماء قبائل السّيو

لقد بلغتم حدّاً من التعاسة يجعلكم حقّاً مثيرين للشّفقة،
قد بلغتم حقارة ما بعدها من حقارة، ووراء ما بعد وراء، فأيّ نوع من البشر
.. أنتم، أيّها الغزاة الوافدين من وراء البحار، أيّ نوع من الكائنات تريدون
أن تكونوا، «مجبرون» على فعل الخير، وليس بحوزتكم لدرء
الشرّ.. غير الرّعب والقتل (...). ليس الإنسان هو ذلك الذي
يمشي على رجلين، ويعرف القراءة والكتابة، ويتباهى بما
أنتجه من مصنوعات.. فيا أخي في الإنسانيّة، إنّي لأشفق عليك
بملء روحي وأراك قمينا بالرّثاء، لتنصت إلى نصيحتي وكن كهنود
هيرون، فلقد بتّ أرى بوضوح الفارق بين حالي وحالك، فأنا سيّد نفسي،
سيّد جسدي، وأتصرّف كما يحلو لي، أنا أوّل وآخر أفراد أمّتي،
لا أخشى شيئاً من أحد، ولا أرتهن في ما أقدم عليه من أعمال
لغير الرّوح الأعظم. وإنّي لأرى حياتك على عكس ذلك تماماً،
أراك جسداً وروحاً ترتهن للقبطان الأكبر، ولا إرادة لك أمام نائب الرّئيس هذا،
ثمّ أنت لست حرّاً في ما تريد فعله، ويتملّكك الخوف من اللّصوص
والقتلة والحانثين بالقسم إلخ... كما أراك رهين طائفة لا حصر
لها من النّاس.. هم أرفع منك شأناً.. أليست تلك هي الحقيقة؟

«لقد أعلن الرّجال البيض عالياً.. أنّ قوانينهم جعلت لتكون صالحة لعموم البشر، ولكن تبيّن لنا بوضوح
أنّهم أوّل من ينتهك تلك القوانين. وقد نصحنا حكمائهم بتبنّي ديانتهم، ولكنّنا سرعان ما اكتشفنا
أنّ ديانتهم ليست ديانة واحدة، وإنّما شتاتا من العقائد، وأنّ الاختلاف بينهم في العقيدة قد يقودهم
أحياناً إلى الاقتتال، وأدركنا أخيراً أنّ عدم احترام الرّجل الأبيض لديانته لا يوازيه غير عدم احترامه لقوانينه،
وأنّه يجعل تلك القوانين رهينة يده، كعدّة عمل، يستخدمها حسب مشيئته، حين يتعامل مع غير البيض.
الزّعيم الهندي باتشانغ شيهيلاس

يزداد الغزاة البيض يوماً بعد آخر، طمعاً وشرهاً وطغياناً وصلفاً..
والبؤس والعنت هو كلّ ما ينالنا منهم، جرّاء إمعانهم في تجريدنا
من البقيّة الباقية من حريّتنا.
فما لم تتوحّد القبائل لضبط هذه المطامع وهذا الجشع الجارف،
فلسوف يكون مآلنا الطّرد من موطننا، ويكون قدرنا هو الشّتات، لنغدو كما
أوراق الخريف المتساقطة التي تعصف بها الرّياح.
تاكوميش.. زعيم قبائل شاوني.. 1812

إنّ الإنسان الأبيض بتجاهله أهميّة الطّبيعة، لا يتوقّف عن تدنيس الأرض،
أمّ الجميع. وما التقدّم التّكنولوجيّ للإنسان الأبيض سوى نتيجة ازدرائه لنداء الرّوح فيه، وذهوله عن كلّ الأشياء النّابضة من حوله. وشهيّة الإنسان الأبيض للتملّك المادّي ونهمه للسّيادة والتسلّط، أصابته بالعمى، وتحمله، وهو يلهث وراء ما يسمّيه بالموارد الطّبيعيّة، على الإمعان في تخريب أمّنا الأرض، مصدر كلّ حياة.
هكذا، غدت السّبل إلى الرّوح الأعظم ضيّقة أمام الجميع، بما فيهم الهنود الذين اختاروا السّير على نهج الإنسان الأبيض.
لقد غدت أراضي الهوبي مدنّسة من قبل أولئك الذين يبحثون عن الفحم والمياه في أعماق الأرض لتوفير الطّاقة لمدن الرّجل الأبيض، هذه أشياء لا ينبغي لها أن تتواصل، وإلاّ فإنّ أمّنا الأرض سوف تردّ الفعل بشكل غير متوقّع، وهي من الآن تنبئنا بنهاية مفجعة، نراها قد بدأت وأضحت وشيكة.
لقد حذّرنا الرّوح الأعظم من ذلك، وأوصانا أن لا نطال بسوء الكائنات الحيّة النّابضة بالحياة.
اليوم، يبدو أنّ كلّ التنبّؤات قد تحقّقت وغدت بادية للعيان. نرى طرقات بحجم الأنهار قد باتت تخترق على نسق مذهل المشاهد الطّبيعيّة، الإنسان غدا يتكلّم عبر شبكات الهاتف، ويسافر عبر الفضاء.. وحربين عالميّتين خلّفتا إرثاً ثقيلاً من الرّماد.
لقد علّّمنا الرّوح الأعظم أنّه لو انسكب زقّ من رماد على سطح الأرض، سوف يطال الموت عدداً غفيراً من النّاس، وأنّ تلك النّهاية تظلّ وشيكة كلّما انتهك الإنسان حُرمات الأرض. وكم تبدو القنبلتان النّوويّتان الملقتان على هيروشيما وناغازاكي ذوات مغزى من هذه النّاحية.
ونحن لا نريد أن تتكرّر هذه الفواجع في أيّ من بلدان العالم. وحريّ بالإنسان أن يستثمر هذه الطّاقة لغايات سلميّة.. لا حربيّة.
نحن الزّعماء الرّوحانيين، النّاطقين الرّسميين لقبائل الهوبي، والمفوّضين من الرّوح الأعظم
ندعو رئيس الولايات المتّحدة، وكلّ الزّعماء الرّوحانيين، إلى لقاء نتشاور فيه حول سبل الخلاص المتاحة للبشريّة، كيما يعمّ السّلام والوحدة والوئام كلّ رقعة من الأرض يعيش فوقها الإنسان.

نصّ رسالة من قبائل الهوبي إلى نيكسون رئيس الولايات المتّحدة سنة 1970.
.......................................
هامش
اقتطفت هذه النّصوص من كتاب ت. س. ماك لوهان «أقدام حافية على الأرض المقدّسة» وهي أنطولوجيا تتناول بالبحث فلسفة الهنود الحمر ومنهجهم في الحياة.

صلاة..
شعر: مارتن شوت*
لتنصت إلى أيّها الرّوح الأعظم،
حين يتهادى إليّ صوتك مع دمدمة الرّيح،
ولتستمع لندائي
حين يلفحني نَفَسُكَ الذي يمنح الحياة لكلّ الأشياء..
إنّي أقبل عليك كواحد من أبنائك الكثيرين،
و أنا الضّعيف، بل أنا الضّئيل،
بحاجة إلى الارتواء من معين حكمتك وقوّتك..
لتدعني أحْبَرُ في رحاب الجمال
و أمنحْ عينيّ قوّة الإبصار
حتّى أستعذب رؤية أطياف القرمز الشّادي والأحمر الواني..
وهي تتراقص عند غروب الشّمس، في الأفق الرّحيب القاصي..
ألهم يديّ أحترام كلّ الأشياء التي أبدعتها..
وأرهف سمعي.. حتّى يتلقّف في الأفق
أصداء صوتك السّاري..
ألهم بصيرتي.. كيما أفقه ما علّمته لشعبي،
و أدرك كلّ عِبْرة أودعتها في الشّجرة..
في الحجر.. وفي الورقة
و حين أسألك الحكمة والقوّة،
فإنّني لا أنشد بذلك الاستعلاء على إخوتي من بني جنسي،
و إنّما لقهر ألدّ أعدائي.. التي هي نفسي..
لتكن مشيئتك أن أظلّ دوما متأهّبا للمثول بين يديك
بأيادي بيضاء ونظرة لا تشوبها ذرّة من كبرياء..
هكذا حين ستنطفئ حياتي،
كانطفاء الشّمس حين الغروب،
سيطيب لروحي أن تقبل عليك بلا خجل..
..........................................
(*) مقتطف من كتاب «كلمات هنديّة» لميشال بيكمال

ترجّل بداخلك.. تكتشف شموساً منسيَّة
لقد طحن المجتمع الصّناعيّ، وبشكل مخزٍ، قبائل الهنود الحمر بأميركا الشّماليّة، ولكنّ حكمتهم البالغة في الحياة، ظلت إلى اليوم ناصعة البياض، نابضة بالحياة، ومدوية في الآفاق. ظلّت حيّة، رغم حرب الإبادة المنظّمة التي طالت القبائل الهنديّة، واختفاء تلك الفضاءات البريّة الرّحيبة التي كانت تحضنهم، والتمدّد الكاسح للمجتمع الحديث.


حكم الهنود هي ذلك الإرث الرّوحانيّ العظيم والخصيب، الذي تركه الهنود لإنسان العصر الحديث، وهي الردّ البليغ على ما تردّى فيه هذا الإنسان «المتحضّر» من غمّ وكرب، بعد أن خرّب الغابات، ولوّث مياه الجداول والأنهار والبحار... ليشيد حضارة اصطناعيّة.. مزيّفة، قائمة على الاستكبار والغطرسة، مدمّرة بلا هوادة الميثاق القديم الذي كان يوحّد بين الإنسان ومحيطه الطّبيعي.
كلّ كلمة من تلك الحكم تلامس القلب، وتفجّر فيه ينابيع أنوار ساطعة.. شفيفة. كلّها تتحدّث عن الرّياح المنسابة في السّهول، عن حروقات صحراء المكسيك، عن مساحات الثلج المديدة على سطح البحيرات الكبرى، وعن تلك الأقاليم البريّة في الغرب، التي كابد فيها الهنود عذابات مقاومة الغزو، للحفاظ على حكمتهم في الحياة، على فنّ للحياة متناغم مع القوى الغامضة للطّبيعة، وعلى الأحلام السّحيقة للإنسان، وقد تتكرّر بعض المواضيع، للإلماح إلى أهمّية الطّبيعة في الحياة الباطنيّة للإنسان، وفي أحلامه.
لقد انطفأت حضارة الهنود الحمر أو كادت، ذوت.. ولكنّ كلمات حكمائهم النّورانيّة لا تزال هنا، مترعة بفيض من الضّياء، لتظلّ أجمل قربان يقدّمه الهنديّ الأحمر لإنسان هذا الزّمن، الذي غدا منذوراً للكوارث والفناء، المنتهب بقلقه وفزعه أمام العالم، والمنتهك بارتيابات لا حدّ لها.
ونحن على أعتاب الألفيّة الثّالثة، لا تزال حكم الهنود الحمر، تمثّل نهجاً أخلاقيّاً يمكن أن يسعف إلى حدّ كبير.

حكمة ناصعة البياض
البحر المديد
مزّق مرساتي
وحملني
كبذور يحملها الماء الجاري في النّهر
الأرض والعواصف
تحملني
وتدفع بي إلى البعيد.. البعيد
وهي تغشاني
بفرح غامر.. سحيق

الشّاعر الهندي «أوفافنيك»

شمس الصّباح،
الأرض الطيّبة البكر..
والصّمت المهيب..
كلّ روح منذورة، لوحدها،
كي تلتقي بها يوماً..
الزّعيم الهندي «أوهييازا»

الصّمت هو التّوازن المطلق للجسد والنّفس والرّوح.. فالإنسان الذي يحفظ وحدة كينونته، يظلّ دائماً ساكناً، راسخاً أمام عواصف الوجود، لا ورقة فوق الشّجرة تعبث بها الرّيح، ولا ماء يهتزّ متجعّداً على السّطح المتلألئ للبحيرة.
ذلك هو في نظر الحكيم الأميّ.. الأسلوب الأقوم للتّعاطي مع الحياة..
لو سألتموه: «ما الصّمت؟».. لأجاب: «إنّه السرّ الأعظم.. والصّمت المقدّس هو صوته».
لو سألتموه: «هل من ثمار للصّمت؟».. لقال: «إنّ الصّمت يروّض النّفس، ويمنحنا الشّجاعة الحقّة.. والصّبر والتأنّي والوقار والتّقدير.. فالصّمت أسّ الأخلاق وركنها الرّكين».
الزّعيم الهندي «أوهِييَازا»
الأرض مدينة للشّمس، وينبغي أن تظلّ كما كانت دوماً، وموطن الإنسان حين وجد، كان بلا حدود، وليس على الإنسان أن يقسّمه.
الزّعيم الهندي جوزيف

عمّا قريب.. ستطلّ شمس لن ترانا هنا من جديد، في حين ستمتزج عظامنا وغبارنا بتلك البراري.

الزّعيم «بلنتي كو»
ما الحياة؟
إنّها التماع الحباحب في اللّيل
نَفَسُ الثّور في الشّتاء
إنّها ذلك الظلّ الضّئيل الذي يعدو في العشب ويتوارى مع الغروب..
الزّعيم الهندي كراوفوت

كقطعة ثلج طافية، يتقلّب الإنسان هنا وهناك.. وفق ما يقتضيه التيّار.. فحين يكون سعيداً، أو حين يكون مهموماً، تتقاذف خواطره قوّة عارمة.. كموجة عاتية.. تُسَرّع من نبض قلبه وسريان دمه. وحين يسترخي الزّمن، فإنّه يذيبنا، ويجعلنا نشعر – ونحن المُدرِكون لضآلتنا – بأنّنا أكثر ضآلة ممّا كنّا نعتقد.
وعندها قد ينتابنا الخوف من الكلمات، التي قد تنبثق من تلقاء ذاتها. وحين تنبثق الكلمات التي نبحث عنها من تلقاء ذاتها.. تكون تلك.. علامة ميلاد أغنية جديدة..
***
عظيمة وأبديّة هي أمّنا الطّبيعة.. فأيّ قيمة لمبتكرات الإنسان، وأيّة جدوى للمدائن التي يَشِيدُ على تخوم الصّحراء، وما نفع الأسلحة المروّعة التي بها يسحق الحجر والبشر.. من أجل حفنة من مدر؟
إنّها لمحض هباء، تعيده الطّبيعة الخالدة لا محالة، إلى صورته الأصليّة وخلقه الأوّل..
فيا أيّها البيض.. لتهجروا لبعض الوقت ذلك الحصن الذي غدوتم بداخله سجناء.. أرقّاء، لتهجروا المدفع والرشّاش في البراري، فسريعاً ما سيغزو العشب والقصب والحجارة تلك المدائن، وينخر الصّدأ كلّ حديد صلب..
فكم من المدائن والحواضر الزّاهرة نبتت في أراضي قفراء.. وأحالها الزّمن إلى حطام وأطلال.. إذ سرعان ما اندرست، متلاشية في الأرض البكر..
وما جدوى العباد الذين عبروها؟ حسبهم نَفَسٌ من الرّوح الأعظم.. فإذا بهم هباء في هباء.. لتدركوا ذلك.. وحينها، سوف يستعيد أبناء الأرض ملكيّة الأرض، وتغدو الأزمنة الماضية أزمنة متجدّدة.
***
ليتشبّث كلّ منكم بالآخر تشبّث الأشجار بالأرض، هكذا.. يُنضِج الحبّ ثماراً رائعة لفصول متعاقبة.
***
الصّديق يقبل كما نسائم الرّبيع، يغشاه عطر الزّهور، يستلقي على عتبات الرّوح، وينثر من حوله مشاعر الحدب والحبور.
***
كن مصيخاً للصّمت وأحفظه، فهو ينطوي على كلّ أحلام البشر.
***
ترجّل بداخلك وسوف تكتشف شموساً نسيها البشر،
وهي مع ذلك شموس لا تتوقّف عن السّطوع.
***
اهتك حجب الظّلال لتتأمّل الكون ف حكمته الخالدة
***
من أوتي الحكمة من البشر، ليس بإمكانه أن يدير ظهره لبني جنسه
إنّه ينظر إليهم على أنّهم جزء منه،
بدونهم، قد يستحيل إلى طائر منتوف الجناحين،
أو سمكة لفظها النّهر
تموت اختناقاً على ضفّته
***
حين تكون في حالة تأمّل، فإنّ السّماء تنفسح بداخلك
***
اجعل من كلّ خطوة تخطوها على الأرض.. صلاة
***
أنصت جيّداً وإلاّ فإنّ لسانك سيجعلك أصمَّ
الزّعيم الهندي أوربنغاليك

القانون الأخلاقي للهنود الحمر
قم للصلاة ساعة السّحرْ. صلِّ وحدك، وأدم التوسّل والتضرّع، فالروح العظمى سوف تصغي إليك بمجرَّد أن يغدو لسانك لاهجاً بالدّعاء.
***
خذ بيد الذين عميت عليهم السّبيل، ولا تزدريهم، فالنّفس الضّالّة هي تلك التي ينتهبها داء الجهل والزهو والغضب والغيرة والكبرياء.. ولتصلِّ من أجلهم.. حتّى يهتدوا إلى سبل الرّشاد، وينعموا بالأمن والسّكينة.
***
إعرف نفسك بنفسك. لا تدع الآخرين يخطّون لك مسار سبيلك. إن تلك السّبيل هي سبيلك أنت، ولا يجوز للآخرين أن يقطعوه معك، وليس لأحد أن يقطعه عنك.
***
عامِل الضيوف في بيتك بكثير من الإجلال والكرم: إمنحهم أحسن الطعام، خصّهم بأوثر سرير، وعامِلْهم باحترام وتكريم.
***
لا تأخذ ما ليس لك، سواء من شخص، من جماعة أو حتّى من المفازة القفراء، فهي لم تمنح لك أنت، وبالتّالي فهي ليست لك.
***
احترمْ كلَّ الأشياء الموجودة على وجه هذه الأرض، بشرا كان أم حيوانا أم نباتا.
***
تقبّل بروح طيّبة أفكارَ وأمنياتِ وكلماتِ غيرك من الناس. لا تقاطعهم أبدًا، ولا تهزأ منهم أو تحاكيهم بفظاظة على سبيل السخرية، وإمنح كلِّ شخص حقّه في التعبير الحرّ.
***
لا تكلِّم الآخرين أبدًا بطريقة غير لائقة، فالطاقة السلبية التي تبثُّها في الكون سوف تتضاعف متى ارتدّت إليك.
***
كلّ البشر خطّاؤون، وكلُّ الأخطاء تُغتفَر.
***
الخواطر السيئة تصيب الذهن والجسم والروح بالغمّ والسّقم، فدعك دوما.. متفائلا.
***
الطبيعة ليست لنا، بل نحن جزء منها.
***
الأطفال زرعنا للقادم من الأيّام. استنبت في قلوبهم المحبة، واسقِها بماء الحكمة والدروس المستخلصة من الحياة. وعندما يكبرون أعطِهم فسحة للنمو المتوازن.
***
تجنَّبْ جرحَ قلوب الآخرين، فسُمُّ ألمك سيرتدُّ إليك لا محالة.
***
التزم الصّدق في كلّ الأوقات، فالصدق امتحانُ لإرادة المرء في هذا الكون.
***
حافظْ على توازنك، فذاتك الذهنية، وذاتك الروحية، وذاتك العاطفية، وذاتك الجسمانية، كلّها ينبغي أن تكون قوية، طاهرة، وصحيّة. روِّض جسمك لتقوِّي الذهن. زِدْ من غِناك الروحي لكي تشفي أدواءك العاطفية.
***
اتَّخِذْ قراراتٍ واعيةً، متروّية وقويمة، لأنّك ستظلّ دوما مسؤولا عن أفعالك..
***
احترمْ خصوصية الآخرين وحرمتهم الذّاتيّة. لا تمسّ ملكيتهم وبخاصة شؤونهم المقدسة والدينية.. فهذا حرام.
***
اصدقْ مع نفسك أولاً. فإنك لا تستطيع أن تؤدِّب الآخرين وتساعدهم ما لم تتوفّق قبل ذلك في تأديب نفسك.
احترمْ معتقدات الآخرين الدينية، ولا تُكرِه أحدا على قبول معتقدك..
***
شارك الآخرين في الطيّبات من رزقك، وكن محسنا أنّى توجّهت.
................................
ورد في كتاب «كلمات هنديّة» لميشال بيكمال