صحيفة الاتحاد

ثقافة

4 شعراء يفتتحون الموسم السابع.. وصاحب «فيما رواه النيل» إلى المرحلة الثانية

أبوظبي (الاتحاد)

ليلة أمس الأول الثلاثاء كان ملايين الناطقين بالضاد العاشقين للشعر بانتظار الشعراء العشرين الذين وصلوا إلى «شاطئ الراحة» في أبوظبي مدينة الضوء والحب، ولا شيء يعادل فرحهم بما وصلوا إليه، واعتزازهم باحتفاء لجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بهم، وفي مقدمتهم معالي رئيس اللجنة اللواء ركن طيار فارس خلف المزروعي، الذي حضر وتابع إبداعات الشعراء، وهم الذين انضموا إلى قوافل الشعراء الذين عاشوا تجربة «أمير الشعراء» على مدار ستة مواسم، وها هم شعراؤنا في هذا الموسم يدخلون أجواء التنافس بكثير من الحميمية.
وبحضور أعضاء لجنة التحكيم سعادة الدكتور علي بن تميم، الدكتور صلاح فضل، و الدكتور عبد الملك مرتاض، وجمهور مسرح «شاطئ الراحة»، تمكّن الإخراج الجديد لـ«أمير الشعراء» من فرض أجواء سحرية، أكملتها بلقيس بافتتاحها موسماً جديداً من مواسم أعذب الكلام، فغنت للإمارات.. وتألقت.
أما مقدما الموسم المذيع محمد الجنيبي، والإعلامية والشاعرة الدكتورة نادين الأسعد، فقد تألقا على المسرح وأضافا المزيد من البهاء إليه حين أعلنا عن الشعراء العشرين الذين يمثلون اثنتي عشرة دولة، وهم: علي عبدان الشامسي (الإمارات)، وناصر الغساني (سلطنة عُمان)، ومن الأردن عبلة غسان جابر، قيس طه محمد قوقزة، وردة سعيد يوسف، ومن تونس هندة بنت حسين محمد، ومن الجزائر آمنة حزمون، ولطيفة حساني، ومن سوريا إباء مصطفى الخطيب، ومرام دريد النسر، وسيكون في المنافسة كذلك عمر عناز وأفياء الأسدي (العراق)، ومن فلسطين آلاء القطراوي، ومن مصر حسن عامر، وليد الخولي، وهاجر عمر، ومن السعودية طارق صميلي، وإياد أبو شملة حكمي، ونوفل سعيد عبدالرزاق السعيدي (المغرب)، وشيخنا حيدرا (موريتانيا)، والفائز من بين هؤلاء سيكسب لقب «أمير الشعراء» وبردة الشعر وخاتمها، وشهادة ووساماً، إضافة إلى ديوان مطبوع ومسموع، ومليون درهم.
الدكتور علي بن تميم، وقبل إلقاء الشعراء الأربعة قصائدهم قال إن ما يميز الموسم السابع أنه بدأ مع موسم هطول المطر على أبوظبي، عساه يجلب الدفء إلى القلوب والبيوت، أما حضور عشر شاعرات في هذا الموسم فهو أمر يمثل لحظة فارقة فيه، بعد مرور عشرة أعوام من انطلاق البرنامج، معرباً عن أمله بجيل الشعراء الشباب الذين يحصلون على تشجيع صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، من خلال «أمير الشعراء» الذي يؤسس لفعل ثقافي مختلف.

فلسطين قلب المعنى
آلاء القطراوي كانت الأولى التي ألقت ما على الأوراق على مسامع جمهور شغوف بالشعر، وقبل نص المسابقة قالت:
نموتُ فتولَدُ عنقاءُ صبـــــرٍ وحيـــــــــــــن نشَـــــــــــــــــــيَّعُ نـــــزدادُ عــــــــــــــــــزّا
وحين نضمُّ رضيعاً شهيداً نرى في الرصاصِ ارتجافاً وعَجْزَا
وحينَ نحبُّ نحاصِرُ حرباً ونمــــلأ متـــــــــنَ المحبّيـــــنَ غمـــــــزْا

ثم أنشدت «يتحسسُ المعنى بقلبه».. نص التفعيلة الذي تجاوز المألوف شكلاً، وقالت في مطلعه:(قُطِعَتْ يداهُ ولم يزل يتحسسُ المعنى بقلبِهْ/‏‏‏‏‏‏لا شيءَ يرسلُ نورهُ حتّى يرى/‏‏‏‏‏‏ لا فتحةُ الشباكِ ظاهرةٌ ولا وَلَهُ الشموعِ يثيرُ أيَّ رصاصةٍ كي تسْكتا/‏‏‏‏‏‏ قُطِعَتْ يداه ولم يزل يتحسسُ المعنى بقلبهِ/‏‏‏‏‏‏إذ حاولَ الإمساكَ بالدرج المعلق لم يجد يدهُ، وأسقطهُ الفراغُ بقوةٍ/‏‏‏‏‏‏كتصدعِ الجبل الذي لم يحتملْ موتَ الذين يحبهم في كهفهِ)
الدكتور صلاح فضل رأى أن آلاء واحدة من بنات هذا الجيل اللائي يحملن على أكتافهن عبء المأساة الثقيل، وهي التي عرفت كيف تجسد فلسطين التي يكاد يهجرها العالم عبر أيقونة شعرية، وفي النص قدمت الشاعرة رؤية للإصرار التاريخي العنيد وللمأساة بروح الفن والإبداع، وبالقدرة على التمثيل الجمالي، لتنتهي بإيقاع الحب الذي سيحفظ جوهرة فلسطين.
من جهته قال الدكتور علي بن تميم إن آلاء مبدعة حين رسمت في القصيدة فتى يواجه ظلماً وتجربة قاسية في وجه المحتل، مضيفاً أن الحديث عن الفتاة من منظور الفتى إشكالي، والحديث عن الفتى من منظور الفتاة أيضاً، حيث تتضخم نظرة أحدهما إلى الآخر. والشاعرة متأثرة بمحمود درويش شكلاً ومضموناً، وغلّبت العاطفي على الشعري في نصها الذي يشكو قلة في الاتساق.
فيما رأى الدكتور عبد الملك مرتاض أن اللازمة والتكرار أساءا للنص الجميل الذي يحمل قيمة فنية وذاتية كثيرة، ناقداً وصفها أنها تعبت من وطنها.

تيه الأسئلة
ناصر الغساني وبلغته الشعرية الراقية، بدأ بأبيات ثلاثة مفتتحاً مشاركته:
ومُذْ غِبْتُ في طُورِي وروحي وحِيدَةٌ  كَنَهْرٍ على جَدْبِ السؤالِ تَسِيلُ 
بلا قَبَـــــسٍ قَــــــدْ تُهْـــــتُ يا ربُّ دُلَّنِي  فَمَا لاحَ في هذا الظَّلامِ سَبِيلُ 
أُطَارِدُ فــــي المعنـــــى سَرَابًا وكُلَّمَا  لَمَحْتُ هُدَىً دَرْبِي أَرَاهُ يَطُولُ 

ثم ألقى «سفر في التيه»، وعن العنوان قال الدكتور مرتاض إنه سريالي جميل، وشعر بذاته، فالشخصية تسافر في عالم مجهول لتنتهي إليه.. مستعرضاً بعض أبيات القصيدة التي تحمل صوراً فنية عميقة ورشيقة، والقصيدة بمجملها مشغولة بالحيرة والقلق والاضطراب، وتحمل بعداً فلسفياً صاغه ناصر شعرياً بشكل جميل. ومما جاء فيه:
رَفَعْتُ كأسَ اصْطِبَارِي نخبَ ما تَرَكَتْ 
في الروحِ دُنْيَايَ من حُبٍّ وسَوْءاتِ 
ما زلتُ أَحْمِلُ عُمْرِي مَحْضَ أُغْنِيَةٍ 
مَصْلُوبَةِ اللحنِ في كُلِّ المَقَامَاتِ 
ما آنَسَ الجُرْحُ في هذا الطريقِ سوى 
نَجْمٍ بعيدٍ ويُفْضِي للمفازاتِ 
يا رَبُّ خُذْنِي مَسِيحاً هذهِ رِيَبٌ 
أَخَافُ أَغْرَقُ في بحرِ الغِواياتِ  

الدكتور بن تميم رأى أن أجمل ما في القصيدة «النزارية» الأسئلة، والتيه في صحرائها، فهي تكشف عن أسئلة في الغياب والبحث عن الذات، وتوقع الشاعر في خطايا لذيذة، مصوراً صبره كصبر الأنبياء، ومتماهياً في لحظة مثقلة بالمعاناة مع المسيح.
أما الدكتور فضل فقد اختلف مع الدكتور بن تميم، ورأى أن النص خيّاميّ بامتياز، وفيه شجاعة شعرية وبلاغة، وربما هو تعبير عن تجربة شخصية، لكنه توقع أن يستخدم ناصر الرباعيات لأنها الأنسب للنص الذي يبدأ بالشك، ثم يذهب إلى لغة صوفية.

فراشة وفلسفة
مع أبياتها الثلاثة قدمت لطيفة حساني لحضورها، إذ قالت:
من قبل ميلاد أغاني الهوى
غنى مواويلي شموخ النخيلْ
لي حكمة الأمواه في كنهها
سرٌ سماويٌ من المستحيل
مريمُ تسمو بي إلى ظلها حيث اتحدنا في الخلود النبيل
أتبعتهم بنصها «فلسفة الفراشة» الذي ختمته بأبياتها:
ريح تدون سيرة الناي اليتيم وسُكٌر الذكرى يجسٌ المعنى
وأذوب فيك كما تذوب سمات تيريزا ابتساماتٍ بوجه فيٍينَّا
ألفيتُ فلسفة الفراشة رقصة لا تدخل الأسرار حتى تفنى

الدكتور مرتاض أكد أن الإلقاء فن مهم كالشعر لكن لم تبرع به لطيفة، في حين العنوان جميل جداً، كون الفلسفة تنتقل إلى الفراشة، وتلك لفتة خيالية، كما تمنى لو أن لطيفة لم تكن ذاتية كثيراً في نصها، واختارت بحراً لا يجعل قوافيها قلقة.
فيما طلب الدكتور فضل من لطيفة أن تدخل الشعر من مداخل أيسر، ومع أنها من جيل التعريب في الجزائر ولم تدخل المدرسة إلا قليلاً، لكنها تمكنت من كتابة نص قوي، ونصحها بألا تحاول بناء الصور بكثير من التعسف، فليس كل مَجاز قادر على بناء صورة شعرية. ومع أن القصيدة حاولت رسم عالم افتراضي، إلا أن ثمة لمحات جميلة ظهرت فيها، وهو ما أشار إليه الدكتور بن تميم، إلى جانب وجود شخصيتين، بلقيس التي ألمحت إليها لطيفة بشكل مضمر ورائع ربطته بما جاء في القرآن، والملكة تيريزا المقحمة والتي تتعارض مع رومانسية القصيدة.

للنيل رواية
قبل إلقائه «فيما رواه النيل» قدم حسن عامر ثلاثة أبيات جاء فيها:
لي أن أطلَّ من القصيدةِ مُلْقياً للمنكرينَ نبوءتي ألواحي
كفايَ سنبلتانِ أخبزُ ضحكتي للذائبين أسىً وأسكبُ راحي
قبلَ اعتلاء النجمِ عرشَ ضيائه علَّقتُ في سقفِ السما مصباحي
ثم تلا نص المسابقة، ومما جاء فيه:
كيف نما ذئبُ الحرائقِ
حتى صارَ أسطولا
وحدي
أطلُّ على التاريخِ مُنْفَطِرًا
ولم يزلْ يعتلي قابيلُ هابيلا
ولم أزلْ مُمْسِكًا بالنايِ رُبَّ غدٍ
يعيدُ في صاحبي الإنسانِ ما اغتيلا
الدكتور ابن تميم قال إن حسن سكب أنخاب الراح فأدارها وأسكرنا، ومع أن العنوان ملتبس، إلا أن النص رومانسي يبحث عن الصفاء وذهب الزمن الجميل، كما فعل جبران. فالنص راوح بين البساطة بلغته الرشيقة والأخيلة، وبين تبسيط الأسئلة التي عطلت الشاعر عن استدعاء القصائد التي كتبت عن النيل الذي لم يغص فيه. فيما وجد د. فضل في النص لغة طافحة بالشعرية، وإيقاعاً رصيناً، وسكوناً متموجاً، فبعيداً عن دموية الإنسان، نحن بحاجة إلى شعر يتغنى بالتسامح والحب وقبول الآخر.
وختم الدكتور مرتاض بأن الشاعر أروى شعره بماء النيل، وقدم صوراً شعرية رائعة كنصه الذي يذكّر السامع بأحمد شوقي.