الاتحاد

تقارير

محاكمة مشرف... صدام مدني- عسكري

دافع الرئيس الباكستاني الأسبق برويز مشرف الأسبوع الماضي بقوة عن قراره الخاص بتعليق العمل بالدستور عام 2007، وهو قرار زج به الآن على رغم كونه قائداً عسكرياً سابقاً إلى المحاكمة أمام محاكم مدنية لطالما هيمن عليها الجيش.
ومن المقرر أن يواجه مشرف اتهامات بالخيانة العظمى أمام محكمة خاصة، لكنه أكد، في أول حوار له مع صحفيين أجانب بعد إطلاق سراحه من الإقامة الجبرية في نوفمبر، أن المحاكمة «رغبة في الثأر» من قبل الحكومة.
ورئيس الوزراء الحالي نواز شريف، هو السياسي نفسه الذي أقصاه مشرف كرئيس للوزراء في انقلاب 1999، وتمت محاكمة شريف في قضايا قتل وخيانة، وتم نفيه لفترة طويلة.
وتأرجحت ردود مشرف، السبعيني، على أسئلة الصحفيين بين السخرية تارة والاستجداء العاطفي تارة أخرى في منزله الريفي بالقرب من العاصمة الباكستانية إسلام أباد، والذي تزينه السيوف والبنادق الرسمية.
ورفض الرئيس الباكستاني الأسبق تأكيد ما إذا كان سيمثل أمام المحكمة أم لا، لكن تصريحاته اعتبرت على الأرجح بمثابة دفوع في قضية استثنائية أثارت مخاوف حدوث توترات جديدة في علاقة التوازن الحساسة بين السلطة المدنية والعسكرية.
وتساءل مشرف قائلاً: «أين الخيانة؟»، مؤكداً أنه تصرف بدعم من كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين عندما أعلن في عام 2007 حالة الطوارئ، وأن جميع أفعاله أثناء عمله كرئيس لمدة تسعة أعوام كانت وطنية، وليست لمصلحة شخصية».
وأضاف «بذلت الكثير من أجل بلدي ومن أجل شعب باكستان»، متسائلاً: «هل هذا هو ما أستحقه؟».
ووصف مشرف فرضه إجراءات أمنية مشددة لفترة قصيرة بأنه كان ضرورياً لكبح جماح السلطة القضائية الطموحة من التدخل في جهوده التي كانت ترنو إلى مكافحة التطرف والإرهاب، لكن كثيرين اعتبروا الخطوة على أنها أداة ديكتاتورية من أجل التشبث بالسلطة. وفي غضون ذلك، أجبرته موجة الاحتجاجات على الاستقالة كقائد للجيش، وعقد انتخابات جديدة والتخلي عن السلطة في عام 2008.
وعاش القائد العسكري السابق الأعوام الخمسة التالية في منفى اختياري، لكنه عاد في مارس الماضي إلى باكستان في محاولة يائسة للعودة إلى معترك السياسة.
وبدلاً من ذلك، وجد مشرف نفسه يواجه اتهامات بالقتل في قضايا اغتيالات سياسية وغارة عسكرية على أحد المساجد في عام 2008، إلى جانب فرض حالة الطوارئ، وإذا أدين بتهمة الخيانة، فمن الممكن أن يواجه عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد.
وعلى رغم إصرار مشرف أنه لم يخش مواجهة المحاكم ولا يعتزم مغادرة الدولة، قدم محاموه عدداً من الالتماسات تزعم أن الإجراءات القضائية متحيزة وغير دستورية، وهو ما ألمح إلى أنه ربما يمنعه من المثول أمام المحكمة.
والأكثر أهمية، حاول الجنرال المتقاعد وصف الاتهامات ضده بأنها محاولة واسعة النطاق للهجوم على المؤسسة العسكرية بأسرها، وقال «إن الجيش كان دائماً مركز الثقل في باكستان، وعليه، فإن من يخطئ بحق قائد الجيش يسبب اضطراباً بين الصفوف».
غير أن مشرف لم يكرر التصريح السابق بأن المحاكمة كانت محاولة واضحة لتقويض الجيش الباكستاني، وأوضح أنه يفضل عدم التكهن بكيفية نظر الجيش إلى هذه القضية.
وأشار بعض المحللين الباكستانيين إلى أن القيادة الحالية للجيش ليست موالية لمشرف شخصياً، ويجب أن لا تشعر بالتهديد من جراء الاتهامات الموجهة إليه، لكن آخرين حذروا من أنه إذا تعرقلت القضية عبر الاستئنافات، فمن الممكن تورط مسؤولين آخرين سابقين، وتفضي إلى زيادة التوتر في المؤسسة العسكرية القوية التي تدخلت مراراً وتكراراً في الحكم المدني. وذكر الجنرال المتقاعد والمحلل طلعت مسعود أن محاولة محاكمة مشرف أمام محاكم مدنية كانت «قفزة استثنائية» لتأكيد السيطرة المدنية.
وأضاف «من حيث المبدأ يعتبر ذلك أمراً مبرراً لأنه إذا تم تعزيز النظام الديمقراطي، فإنه سيجعل إمكانية وقوع انقلابات أمرا مستبعدا»، مؤكداً أنه يجب على الحكومة على رغم ذلك أن تكون حذرة في السيطرة على النتائج، وأن تحافظ على ارتفاع معنويات الجيش.
وفي هذه الأثناء، أشار منتقدو الحكومة إلى أن القرار المفاجئ بمحاكمة مشرف هو استعراض مثير يهدف إلى تشتيت انتباه الشعب عن عدد من الأزمات والمعضلات في باكستان، بداية من نقص الطاقة الشديد وارتفاع معدلات البطالة إلى الخلافات مع واشنطن بسبب هجمات الطائرات من دون طيار، والتي أضعفت حكومة شريف منذ توليها السلطة في يونيو الماضي.
وبدا أن مشرف تنتابه مشاعر مزدوجة بالحزن والشماتة في مواجهة الكوارث التي يواجهها أعداؤه السابقون، ويتشبث بوهم اتساع رقعة شعبيته.
ولفت مشرف إلى أن «قلبه يدمي» بسبب ما آلت إليه الأوضاع في باكستان وظروفها الاقتصادية الصعبة، لكن أصر على أنه لو كان سمح له بالترشح خلال العام الجاري، كان سيتمكن من توجيه دفة الدولة إلى مسارها الصحيح.
وعلى رغم كافة جهوده كي يبدو لطيفاً وهادئاً، إلا أن الجنرال المتقاعد لم يمكنه مقاومة استخدام استعارات عسكرية.
وعندما سئل عن سبب مجازفته بالعودة إلى باكستان، أجاب قائلاً: «كنت قائداً عسكرياً، وأول درس نتعلمه هو أن نَقتل أو نُقتل.. ولا يزال ذلك يسري في دمائي».


باميلا كونستابل
إسلام آباد


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا