الملحق الثقافي

الاتحاد

أحزان متبخرة وخسارات أنيقة

بعد سلسلة من الأفلام الوثائقية والأعمال التلفزيونية المتفاوتة في قيمتها وأطروحاتها، وبعد تقديمه لأفلام روائية مؤثرة مثل: “ثلج فوق أشجار الأرز” و”قلوب في أطلانتس” مع الممثل الشهير (أنتوني هوبكنز)، وفيلم “بريق” مع الممثل الرائع (جيفري راش)، يتناول المخرج الأسترالي سكوت هيكس في فيلمه الجديد “عودة الفتية” The Boys Are Back المواضيع الإنسانية النابعة من دراما الحياة ذاتها، والمتقلبة على ضفتي الوجع والفرح، وعلى جانبي اليأس وإعادة اكتشاف الأمل، ويمكن وصف فيلم “عودة الفتية” بأنه مزدحم بالمشاعر، ومليء بالأسى والانكسارات والصدمات التي تتربى في معية أقدار عاصفة وعنيفة، ولكنه في ذات الوقت فيلم ينجو بنفسه من الواقعية والخشنة المحيطة بهذه الدراما السوداوية، ذلك أن الواقع نفسه يجبرنا أحيانا على الانعتاق الذاتي، والسفر نحو عوالم حالمة وفردوسية حتى وإن كانت على سبيل التعويض النفسي والروحاني وسط أمواج وتقلبات اجتماعية منهكة ومدمرة.

إبراهيم الملا

استعان المخرج ـ وضمن خيار أثبت أنه موفق وناجح ـ بالممثل كليف أوين كي ينقل الأحداث الدراماتيكية والوقائع الحقيقية التي عاشها الصحفي الأسترالي (جو وار) والذي فقد زوجته بعد صراع لم يدم طويلا مع مرض السرطان، والذي يضطر للاعتناء بابنه الصغير ذي الست سنوات (آرتي) واقتحام حياة مختلفة ومليئة بتحديات فرضتها ظروف قاسية وغير متوقعة.
ومنذ الدقائق الأولى للفيلم يتكشف لنا مدى العبء الثقيل الذي وضعه المخرج على كاهل الممثل الرئيسي كي يجسّد أداءا سيكون دون شك مفعما بصخب عميق وشروخ ضارية وآلام متدافعة، دون أن يكون رهان الفيلم منصبا على تصوير هذه المشاعر المكبوتة وإظهارها على علاّتها، بل كيفية مقاومة الشخصية لهذا الدمار الداخلي من خلال الانشغال بحياة جديدة وظروف تحتاج لقدر كبير من المرونة والبحث عن طرائق وسبل للتكيف معها والتعايش مع إملاءاتها دون استسلام لليأس والتذمر والفوضى الجارفة.
وقد لا يقاس الجهد الإخراجي الذي بذله المخرج سكوت هاريس في فيلمه الأسبق “بريق” والذي نال جائزة الأوسكار في العام 1996، مع جهده في هذا الفيلم، ذلك أن وقائع القصة الحقيقية لفيلم “عودة الفتية” فرض إيقاعه المتمهل والمتدرّج والذي لم يخل بدوره من تأملات ناجزة ومخترقة لألغاز كثيرة ومبهمة محيطة بنا مثل: الموت والميلاد والطفولة والحب والفراق والأمومة والخسارات المدوية التي تميط اللثام عن غشاوات سميكة كانت تغلف حياتنا وتنسينا أن ضربات القدر المفاجئة قد تحدث في أي وقت وفي أي مكان ومن دون سابق إنذار، ومن دون مهلة أو حيز زمني لإعادة التفكير، وإيجاد بدائل تنفذنا من الصدمة والانكسار والتيه.

فراغ عاطفي
يتناول الفيلم موضوعات مهمة أيضا تتعلق بالتبدلات الأسرية التي تشكل نمط عيشنا وتوجهنا نحو خيارات مختلفة، قد لا تكون ترجمانا لمخططاتنا التي بذلنا من أجلها سنوات طويلة كي نصل لمشارفها ونشتبك معها، ذلك أن لا شيء كامل ومثالي في هذه الحياة الناقصة أصلا والموبوءة بالأحزان والأمراض والابتلاءات القسرية، فموت الأم مثلا سوف يحول الرتم الاعتيادي لرجل (بيتوتي) مرتبط بعائلته الصغيرة، وصحفي مشهور يعمل بالقسم الرياضي في أحدى الصحف الكبرى، إلى رتم هائج ومدوخ، وإلى العيش وسط متاهة مروعة تتعلق بطبيعة التعامل مع طفل مصدوم من وفاة والدته وباحث في ذات الوقت عن تعويض لفراغ عاطفي لن يستطيع الأب أن يملأه مهما فعل.
رغم صداميته ونسقه الجارح والمأساوي ينقلنا الفيلم وفي لحظات كثيرة من زمنه إلى مشهديات ساحرة وحوارات داخلية آسرة، كي يكسر حدة الواقع وكي يتداخل مع جماليات الطبيعة في الريف الأسترالي، ورغم احتشاد الحزن وهيمنته على مسارات الفيلم، إلا أن تكنيك القطع والمونتاج الذي انتهجه المخرج لصياغة فيلمه، جاء بشكل رشيق وبكادرات أنيقة ومنسابة وسلسة، بعيدا عن التعقيد والفذلكة وقصدية الإيهام أو المبالغة في الطرح البصري لهكذا قصص ومواضيع.
فحضور الأم الميتة وفي أكثر من مشهد في الفيلم ومحاورتها للزوج من أجل توفير حلول جديدة في كيفية تعامله مع ابنه، ستكون مشاهد عفوية ومندمجة تماما مع الأزمة الداخلية للزوج، والذي ما زال يعاين منطقه الخاص وشعوره الشخصي بالشك وعدم التصديق والانجذاب لعالم الماورائيات، فحضور الزوجة الراحلة هنا وفي أوقات مختارة من زمن الفيلم لن يتسبب مطلقا في إرباك المشاهد، لأن ما هو مفترض وخيالي وغير قابل للتحقق، يمكن له وفي لقطة ذكية وفي انتقال واع بين الوهم والحقيقة، أن يذوب في لا وعي المشاهد، ويساند ويدعم رغبته الداخلية وتعاطفه مع شخصيات الفيلم.
ومع تطور الأحداث في قصة الفيلم ينقلنا المخرج نحو تفاصيل أخرى من حياة هذا الصحفي المحاط بالضغوطات من كل جهة، حيث نكتشف أن له إبن مراهق من زوجته الأولى التي تركها وأبنها وحيدين قبل سنوات طويلة في مدينة الضباب لندن، وعندما يتصل بهذا الإبن ـ يقوم بدوره الممثل الشاب (جورج مكاي) ـ كي يخبره عن وفاة زوجته الثانية (كايتي) يقرر الإبن أن يأتي إلى أستراليا كي يقف مع والده ويسانده في أزمته، هذه العودة سوف تكون أقرب لاكتشاف الذات واكتشاف الآخر المتمثل هنا في الأب الغريب والمجهول والمنسي، والمتمثل أيضا في الأخ الصغير غير الشقيق والذي يتحول إلى كائن مغيب ومقصي ومنقطع عن أي اتصال عاطفي وطبيعي، ومن ثم يبدأ الابن في تلمس مشاعر جديدة ومفتقدة حول الأبوة والأخوة والصداقة ومجاراة الحزن وقهر الآلام ومجابهة الجانب الشرس من الحقيقة.

مزج بصري
ومن هذه النقطة بالذات التي تلتقي فيها الشخصيات الثلاث (الأب المصدوم، والطفل المتأزم، والمراهق الباحث عن الحقيقة)، يبدأ الفيلم في إتباع منهجه التحليلي ورصده للمشاعر الإنسانية المتوارية والعميقة، كي يطرح أسئلة وجودية عديدة ومقلقة لا يمكن الإجابة عليها بشكل مباشر وصريح وقطعي، لأنها مرتبطة بالإصرار وقوة الدفع الداخلية والمقاومة الروحية، التي تجعل من الحياة مختبرا هائلا للأحاسيس والقدرات غير المكتشفة فينا، ولعل كلمة السر التي حاول الفيلم أن يبثها في مسارات وتفاصيل الفيلم هي: “التضحية”، لأننا من خلال هذه التضحية الذاتية يمكن أن نتخلى عن مكاسب قليلة من أجل الظفر بمكاسب كبيرة كانت خافية عنا ومسورة بالخوف والتردد والغرائز اللحظية، حيث نرى الأب وهو يتخلى عن الزواج مجددا كي يعيد ترميم علاقته المحطمة مع ابنه المراهق، وكي يمنح كامل ذخيرته الذهنية والعاطفية لطفله الصغير، بينما يضحي المراهق بأمه وأصدقائه ودراسته كي يعيش مغامرة إنسانيه مضيئة وحافلة بالاكتشافات مع والده وأخيه الأصغر، بالمقابل يضحي الطفل بصورة الأم الراكزة والماثلة في خياله كي يتصالح مع فكرة الموت، لأن الموت في النهاية هو النسيج المتداخل مع الحياة، وهو جزء من صيرورة كونية وإلهية يجب أن تحدث ويجب أن ننسجم مع إيقاعها الخفي وشروطها الأصيلة، لأن هذه الصيرورة هي التي تهب الوجود معناه وقيمته وانشغالاته المسافرة نحو ما هو مطلق وخالد.
امتاز فيلم “عودة الفتية” باقترابه وتلمسه للمشاعر والصراعات الإنسانية في تلك الأمتار القليلة والخطرة التي تفصل بين الكارثة والنجاة، وبين السقوط والتحليق وبين الدمار الأرضي والخلاص الروحي، واتبع الفيلم أسلوب المزج البصري المتوائم مع الصراعات الداخلية للشخوص ومع هواجسها وأحلامها وصداماتها الكبيرة مع الواقع، وتداخل الإيقاع البصري المتزن هذا مع الموسيقى المصاحبة للمشاهد البانورامية خصوصا، والتي باتت تمثل فسحة روحية للمشاهد نفسه، من خلال الاعتناء بالكادرات والتكوينات المشهدية وإعطاء الممثلين مساحة من الارتجال ونقل الانفعالات الخارجية وردات الفعل النابعة أصلا من نفوس معذبة ومتوفرة أيضا على قدر كبير من الأمل.

اقرأ أيضا