الملحق الثقافي

الاتحاد

ضجيج السكون...

الصحراء ليست بالضرورة مكانا خاليا مقفرا من النّمو النباتي أو حركة الانسان، وليست بالضرورة أن تكون ساحة للحروب والغزو والدفاع عن شرف القبيلة، وليست بالضرورة أن تكون مجرد بداوة ومضارب من بيوت الشعر، وعزلة لا متناهية بسبب كونها مكان مقفر قاحل وهذا هو المفهوم الخاطئ لدى الكثيرين عن جمال هذه البقة من الارض بما تحفل به من جمال مدفون تحت وفوق الرمال الذهبية. فقد كانت الصحراء بعالمها يوما مصدرا فريدا لإلهام شعراء المعلقات في وصف الحبيبة وبث لواعج النّفس إذا رحلت الى ديار أخرى، وقيل إن إمرؤ القيس، خرّ راكعا في قلب الصحراء فوق خفّ الجمل الذي حمل محبوبته بعيدا عن مضارب القبيلة.

أحمد علي البحيري

نظم في هذا الموقف المؤسي معلقته الشهيرة، لتؤكد الصحراء بذلك على فكرة الارتحال عند شعراء الجاهلية ومطلعها:
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدّخول فحومل
وقوفا بها صحبي على مطيهم
يقولون لا تهلك أسى وتجمّل
أو على النحو الذي قال فيه الأعشى شعرا شبيها بذلك بقوله:
ودع هريرة إن الرّكب مرتحل
وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟
وكقول عنترة بن شداد في ذات المقام باكيا على الأطلال:
هل غادر الشعراء من متردم
وهل عرفت الدار بعد توهم
يا دار عبلة بالجواء تكلمي
عمي صباحا دار عبلة واسلمي
هذه صورة مصغرة للصحراء بالكلمة الشعرية، وهي بذلك قد تكون مرادفة لمكونات الصورة في وقتنا الحاضر بعد اختراع الكاميرا وجملة التقنيات في عالم التصوير، ومن ذلك نفهم أن هذا المكان يحظى بتنوع بيولوجي يمنحه خصوصيته وجمالياته حتى في رماله وجفافه وسمائه الصافية واتساع فضائه على ثقافة لها ايقاعها الخاص، ومن ذلك أيضا وجود أنواع نادرة من الحيوانات والنباتات والأعشاب والاشجار والطيور، والتي استطاعت بفضل الفطرية والطبيعة من أن تتأقلم مع المناخ الصحراوي، وأن تؤسس لنفسها حياة لها أسرارها وخفاياها التي يجهلها، ولا يعرف عنها الكثير الا بفضل السينما الوثائقية، وبالطبع فان هذا الأمر ينسحب على صحراء الامارات التي تتفرد باحتضانها لأنواع نادرة من النباتات الطبية والعشبية مثل: الحرمل، الآرا، الرمرام، رمث، سويدة، عرفج، حنظل، سبط، طرثوث، جعدة، سمر، أرطه، وغيرها كثير مما نقله مصورون هواة ومحترفون بالاضافة الى صور نادرة لأنواع من الطيور والحيوانات والزواحف والحشرات، في معرض صور فوتوغرافية بيئية في ابوظبي حمل عنوان “الصحراء تنبض بالحياة” من تنظيم وحدة البحوث البيئية في نادي تراث الامارات وتضمن المعرض 96 صورة بيئية منتخبة من أعمال نحو 300 مصور ومصورة من المشاركين في مسابقة “بيئتنا” بعدسة الكاميرا، ويهدف المعرض بوجه خاص الى تشجيع المصورين على إنجاز صور بيئية تعكس صورة صحراء الامارات، ولعل ذلك يقودنا بالضرورة لسؤال: هل تختلف الصورة البيئية عن الصورة العادية؟ ونقول نعم تختلف في أنّها في المقام الأول تعزز قيمة وهوية المكان الصحراوي، وترفد المشاريع القائمة بشأن تعزيز فكرة السياحة البيئية المستدامة، التي تشكل عامل جذب سياحي يسهم في التنمية الاقتصادية، ومن ثم تحقيق مشاهدات غير مألوفة بالنسبة للجمهور، مثل مراقبة حركة الطيور المهاجرة، وتعميق المعرفة بالبيئات الطبيعية ومكوناتها الاحيائية، الى جانب التعرف على طبيعة حياة الحيوانات والنباتات التي تعيش فيها، ومن ذلك تحقيق متعة بصرية لا تضاهى بمشاهدة طريقة القنص بالصقور، كما هدف المعرض الى نشر الوعي البيئي لدى الجمهور وتعريفه بالتنوع الحيوي في صحراء الامارات، وابراز أهمية وخصوصية وجمال المكان من خلال مواضيع وافكار الصور التي أبدعها مصورون من أجيال وجنسيات مختلفة من الجنسين، والتي ركزت بشكل واضح من خلال عناصرها على نقل الثقافة والمعلومات البيئية وتصحيح بعض السلوكيات الخاطئة لدى فئة محددة من الناس تجاه البيئة الصحراوية بشكل خاص وبيئة الدولة بشكل عام للمحافظة على الصحراء ومواردها باعتبارها مصدرا حيويا في حركة التنوع البيولوجي في الامارات، أما الصورة البيئية فتمتاز بتقنيتها الخاصة وعناصرها الفريدة من حيث تفرد الصحراء بألوان مختلفة، ورمال كثيفة تحتاج الى مهارة خاصة في إخراج صورة نوعية من حيث الظل والنور أو زاوية التصوير لتعكس بقوة جمال المكان ومحتوياته وهويته.
كان لافتا أن صور المعرض نقلت للمشاهد طبيعة العديد من الأماكن في الدولة مثل: ناهل في أبوظبي في لوحة لمنصور سالم المزروعي، ووادي الحلو في الشارقة للمصور خالد رفيق بيلاي، والأقرن بأم القيوين لمحمد راشد عبيد آل علي، وأماكن أخرى مثل العجبان وليوا والغاية وفلج المعلا والعين والمدام وحميمة ومليحة والورقاء وجبل الظّنة ومناطق عديدة من صحراء أبوظبي، مما يعيدنا من خلال الصورة البيئية التوثيقية المصقولة الأنيقة مجددا الى جمال الطبيعة الصحراوية وألوانها ورمالها الأخاذة كمكان تقليدي لم تستطع المدينة بكل ما تقدّمها العمراني أن تأخذ منه ذلك البريق الذي يبدو واضحا من خلال أعمال تنفتح على فضاء الصحراء ليس كمكان فقط، بل كحالة تشكيلية تجمع عديد العناصر التي تحتاج الى دقة في التنفيذ وعكس لغة الصمت في صورة مبتهجة وبخاصة في نقل ألوان صور النباتات الصحراوية، والطيور في حالات مثل الامومة ولخصتها صورة لطائر البلبل في صحراء ندّ الشبا بدبي للمصورة الاماراتية سلمى علي حميد السويدي، وعكست الصورة أنثى البلبل وهي تطعم فرخها الذي خرج للصحراء لتوّه، وتمتاز تكوينات الصورة بشاعرية وجمالية واضحة من حيث التشكيل في الفضاء الشاسع، وابراز قيمة التباين والتنافر في التشكيل الذي يركز على خلفية واسعة، لا تخلو من وجود بعض الأشجار الصغيرة التي تفتح مجالا لهذا الطائر الجميل من ممارسة حياته وأمومته. كما عادت بنا صورة الصحراء في ناهل بابو ظبي للمصور الاماراتي علي عبد الرزاق التميمي الى جمال تلك الألوان الصحراوية، ونقلها بعدسة كاميرا شفافة واثقة من عينها السحرية ونافذة الى عمق المكان حيث خطوط من الرمال الذهبية وقد اصطفت تراتبيا، وكأنها نوع من الزخارف الكتابية دقيقة الرسوم الهندسية، مما يبرز عظمة الخالق في خلق الجمال حتى في حركة الرمال بلونيها البني والأصفر الذهبي الذي بدا مع أشعة الشمس سيمفونية من الرمال وآية في الابداع والجمال الفطري. وكان لافتا، أيضا، أن تهتم بعض الصور بجانب الموروث في الصحراء الاماراتية من خلال تصوير قوافل الجمال وهي تجوب المكان بما يعكس فعليا أنها سفينة الصحراء كما ظهر في صورتين للابل في صحراء ليوا بابوظبي للمصورة فاطمة سعيد سالم التميمي، وتغلبت فيها على امتداد عنصر الفراغ في تكوين المكان، بحيث عمدت الى اتقان درجة النسبة والتناسب في الصورة من حيث توزيع عناصرها بدقة متناهية ما بين الرمال والسماء الصافية وحركة الجمال التي تعيد الى الأذهان جمال الحركة للابل في قوافلها الصحراوية حيث الارتحال وغناء الحداء وتحدي الصحراء، وصورها العديد من شعراء الامارات وقبلهم شعراء الجاهلية في معلقاتهم التي جعلت من المطية ركنا اساسيا في بناء القصيدة، فجاءت صورة التميمي في هذه الحالة كنوع من زخرفة العناصر المتحركة والصامتة في المساحات العارية في الفضاء الصحراوي الطليق.
الملاحظ في بعض صور المعرض اهتمامها بحركة الحيوانات في الصحراء مثل صورة ثنائي الثعالب للمصورة أمل علي ابراهيم الحوسني في صحراء الشارقة، والضّب للمصور الهندي “ميخ بهادر بايجا” في صحراء ليوا، وركزت الصورتان بالمجمل على جمال الحركة، والتقاطها في اللحظة المناسبة، بما أسهم في اخراج العملين بكثير من الرّقة والاناقة من حيث ابراز الحالة النفسية والداخلية لثنائي الثعالب وهما يرمقان الكاميرا بعين التساؤل والرضا.
اهتمت بعض اللوحات بالصقور، باعتبارها جزءا من مكونات رياضة الصيد بالصقور التي تجد اهتماما رسميا وشعبيا نوعيا باعتبارها جزءا مهما من الموروث الشعبي، وقد بدت صورة نظرة الصقر للمصور حيدر عبد الرضا أحمد الزهيري من الصور النوعية على مستوى التقنية وفرز الألوان، والصورة تم التقاطها في صحراء مدينة العين، ويبدو أن الزهيري ماهر في إظهار الوان الصقر في بساطة وتقنية عالية، كما بدا ذلك في صورة بديعة لصقر يحلق في سماء الصحراء للمصورة موزة بنت مبارك محمد الهاجري حيث سيطرة اللون الازرق على مكونات الصورة، مع اظهار بارع لحركة الطائر وتفاصيل جسمه في الهواء في صورة منطلقة ذات ايقاع تجريبي بالنسبة لاستخدام الظل في رصد حركة الطائر وبناء ذلك التوازن الجميل ما بين موسيقى حركة الطائر وما بين الوان خلفية الصورة.
وينسحب هذا الوصف على صورة طائر (البوم) الجارح للمصور أحمد عبد الله يوسف آل علي، والتقطت الصورة في صحراء مدينة زايد، والبوم كما نعلم أنّه طائر تنشط حركته ليلا، ويتمتع بعينين كبيرتين حادتين دقيقتين، وأكثر ما يعرفه الناس عن هذا الطائر انه يسكن الخراب، ويضرب به المثل في (الشؤم) وقبح الصوت والصورة، على عكس نظرة بعض المجتمعات الأوروبية له من أنه طائر جميل يجلب الحظ، ولعل هذه المعلومات هي الركيزة الأساسية التي استفاد منها المصور في عكس نظرة البوم وايضا تواجده في صحراء مدينة زايد، مما يؤكد أنه متنوع الاقامة، لكن الصورة بمجمل عناصرها تبرز حالة الوحدة التي يعانيها هذا الطائر المظلوم في صحراء مترامية الأطراف.
ركزت بعض الصور على أهمية وجمال بعض النباتات العشبية الطبية التي تزخر بها صحراء الامارات وتستخدم في مجالات الطب الشعبي، ومن ذلك عمل للمصورة وديمة بنت جمعة بن مصبح اليحيائي، وصورة أخرى للمصور مجدي البيه، وأخرى للمصورة ديبورا كريتادو روسيتي، وكان لافتا أن الشرح المرافق حول هذه النباتات التي قد لا يعرف الجمهور عنها الشيء الكثير من حيث الشكل والفائدة، فقامت الصور بتقديم المعلومات اللازمة عن خفايا وأسرار تلك النباتات في اطار لقطات نوعية تبرز جمال ألوان النباتات في هدوء، وتؤسيس لصورة بيئية معاصرة بتقنية عالية وجودة في تحقيق الالوان الطبيعية للجمال الصامت.
قدم عدد من المصورين لوحات نادرة لنباتات شوكية على نحو صورة الفنان دايفيد واين كلارك بلونها الأحمر الطاغي وما يحيط بالنبتة من رموز صحراوية عديدة، كما قدم الفنان خالد رفيق بيلاي صورة مماثلة لنبتة شوكية بلونها الأخضر الممتزج بأرضية ذات لون يغلب عليه الأصفر القشي، والعديد من الصور التي تعكس جمال الشوك الصحراوي وزخرفته بجملة من الالوان التي تحقق متعة بصرية تجمع بين الخشونة والرقة والجمال في طبيعة صحراوية قاحلة الا من روعة الصمود التي تسجلها النباتات في هذا المناخ منذ مئات السنين. لقد قدم المعرض بمجمله ومعلوماته درسا في أثر ثقافة الصورة البيئية المعاصرة التي قد لا تجد اهتماما كالتي تلقاه الصورة الضوئية العادية، كما كن لافتا أن يقدم هذا الحدث الذي امتد لثلاثة ايام في مركز المارينا التجاري مجموعة من المصورات الاماراتيات الواعدات والمحترفات، وبعضهن عرف طريقه الى تقنية مقومات الصورة الحديثة بالمزج بين الواقعي والتجريب في استخدامات الظل والنور والخوض في المساحات المخفية ومنها الصحراء التي تتمتع اليوم في الامارات بسمعة دولية طيبة على مستوى المهرجانات والرياضات التي تحتضنها لتعزيز قيمة السياحة التراثية في الدولة، لكن من المهام الأخرى التي أكدتها صور المعرض هو ابراز اللغة الدلالية للصورة، فليس المهم أن نصور حيوانا أو طائرا او نباتا مجهولا يقبع في الصحراء ويحمل في داخلة انقاذا لحياة البشر، لكن المهم هو كيف ننجح في بناء صورة ذات ابعاد جمالية متقنة قد يدخلها يوما في خانة الاجناس السردية في محيط الثقافة الاماراتية. وعلينا أن ندرك أن الشرق بجماله وخصوصيته كان مصدرا أساسيا لابداع الصورة وبخاصة الصورة السينمائية حيث صورت في الصحراء العربية وبخاصة الصحراء المغربية، مجموعة كبيرة من الأفلام ذات الصلة بالتاريخ، كما أن استخدام الصحراء كمكان لا يتوقف عند حدود الصورة، بل كان ملهما للعديد من الرحالة والمستشرقين الذين كتبوا عن حياة البداوة وجمال الصحراء وثقافتها التي لا تتوقف عند حدود كما الصحراء ذاتها المترامية الاطراف وتختزن في داخلها الحكايات والقصص، والمجهول وبخاصة رمالها المتحركة كما في صحراء الربع الخالي، ولهذا تجيء أهمية هذا المعرض الذي وجد في صحراء الامارات بيئة خصبة لنقل عالمها الى المتفرج المعاصر، حيث حاز الحدث على اقبال جماهيري من المواطنين والمقيمين من كافة الجنسيات الى الحد الذي دفع بالبعض الى تصوير موضوعات الصور التي تمتعت بجمال وخصوصية ولغة جديدة.

اقرأ أيضا