الملحق الثقافي

الاتحاد

مصالحة مع الذات في لحظة موت

أصدرت الهيئة العربية للمسرح مؤخرا مجموعة من الإصدارات المسرحية المتخصصة من تأليف عدد من المسرحيين والمترجمين العرب من ذوي الاهتمام بنقل تجارب مسرحية عالمية متميزة على مستوى النقد الجمالي للمسرح او النصوص المسرحية. ومن بين هذه الكتب، وضمن سلسلة نصوص مسرحية أصدرت الهيئة النصوص المسرحية لجائزتها “مسابقة التأليف المسرحي” لهذا العام لفئتي الكبار والصغار، حيث حُجبت الجائزة الأولى لفئة الكبار ومُنحت الثانية للعراقي رشيد كريم عن نص حمل العنوان: “جئت لأراك” وتناصف الجائزة الثالثة: السوري ابراهيم حسّاوي عن “الرخام” والفلسطيني خالد خمّاش عن “سطح الدار”.
ويمكن القول إجمالا إن النصوص المسرحية الثلاثة هي معالجات فنية لقضايا كبرى وأحداث معاصرة تركت وطأتها ثقلا كبيرا على كاهل الإنسان العربي في فترات اشتدادها وتصاعدها، خاصة العراق وما آل إليه بعد “التحرير” على أيدي الجنود الأميركيين في النص المسرحي “جئت لأراك” وما عُرف بعملية الرصاص المصبوب التي ألقت خلالها قوات الاحتلال الإسرائيلي النابالم على غزة شتاء 2008 ـ 2009، في حين ينزع ابراهيم حساوي في “الرخام” إلى نوع من الحوار ذي الطابع الفلسفي الذي يتخذ ذريعته من مجمل أحداث اجتماعية ليعبر بطريقة مواربة عن جملة ضغوطات نفسية واجتماعية وسياسية بأسلوب وتكنيك في الكتابة المسرحية يقترب إلى حدٍ ما من مسرح العبث على هذا النحو أو ذاك وكأنما الغموض، أو نوع منه، هو بلاغة المقموعين في قول ما يريدون البوح به من فرط الاختناق وليس قوله لمجرد أن يُقال فحسب.
في أية حال، فإن النصوص الثلاثة لا تعبر فحسب عن اتجاهات مختلفة في الكتابة المسرحية، بصرف النظر عن أي من هذه الاتجاهات يكون أقرب إلى القارئ، بل تعبّر أيضا عن انتباه واضح لدى الكثير من كتّاب المسرح العربي إلى الكتابة عن الأوجاع الاجتماعية المحلية أكثر من الكتابة عن هموم وأشواق عليا تمس روح أمة بأكملها كما كان سائدا في الكتابة المسرحية العربية حتى نهاية القرن العشرين تقريبا. وذلك على الرغم من أن ما يجري في العراق وفلسطين معا أمر يحتل مكانة بارزة في الوجدان الجمعي العربي، لكن المعالجة المسرحية هنا لا تذهب نحو أصل الفكرة بحد ذاتها متمثلة بطرح أسئلة عميقة على الوعي الذي أوصل الناس إلى ما وصلت إليه إنما هو تسليم بالنتائج وعيش الواقع مسرحيا كما هو الواقع وليس التعبير عن الواقع من خلال الفن بوصف هذا الفن مجاز لواقع برمته، وهذا هو المقصود بأصل الفكرة.

الزمان والمكان
أما عن “جئت لأراك”، فيشعر القارئ بدلالة الزمان والمكان اللذين يختارهما الملف وطبيعة حركة الشخصيات في مواقعها على الخشبة أنه ما يشاهده في مخيلته هو أقرب الفيلم السينمائي الواقعي أكثر من قربه إلى أن الحدث يجري على خشبة مسرحية من النوع الذي من الممكن الكتابة له بوصف هذه الكتابة كتابة مسرحية وليست كتابة سيناريو وحوار سينمائي. لكن قبل الاستمرار أكثر، فربما يكون مفيدا الإشارة إلى أن رشيد كريم هو بالأصل مخرج عراقي ينتمي الدفقة الأخيرة من خريجي المسرح العراقي ممن تتلمذوا على أيدي كبار مخرجي وممثلي المسرح العراقي من طراز سامي عبد الحميد والراحل عوني كرومي وصلاح القصب، صاحب مسرح الصورة والتنظير لهذا المسرح الذي يعلي من شأن البناء المشهدي على المسرح بكافة دلالات مفرداته ووظائفها المتعددة والمتحولة على المسرح، على حساب التفاصيل الأخرى في الإخراج المسرحي من طراز إدارة الممثل وكأن المخرج يكتفي بحسّ هذا الممثل ليدي دوره المطلوب منه تماما ما جعله في أغلب أعماله المسرحية يتكئ على ممثلين عراقيين من الطراز الأول.
وقد كان رشيد كريم قبل هجرته منتصف التسعينات إلى عمّان فالسويد واحدا من هؤلاء الممثلين. ويبدو أنه قد استفاد من هذا المخرج العراقي الكبير في التعامل مع النص المسرحي وكان أثناء كتابته إياه يفكر في إخراج هذا العمل بما هو أقرب إلى مسرح الصورة ربما وبالتاكيد إلى جوار مثرات أخرى اكتسبها رشيد كريم أثناء عمله مخرجا مسرحيا في العديد من الأعمال في بلد المهجر.
قد يقوم هذا الأمر نسبيا بتفسير تلك التحولات السريعة التي تطرأ على المكان الذي هو الفضاء المسرحي الذي يبدو في النص عاديا إلى حدّ أن من الممكن القول بأنه ينتمي إلى المسرح الفقير، أي ان كل عنصر من عناصر السينوغرافيا قد تواجد على الخشبة بالضرورة وليس بسبب الحاجة إليه دلاليا ووظيفيا.
والأمر اللافت للانتباه في المسيرة المسرحية لرشيد كريم هو اقترابه من معالجة الشعر مسرحيا فقدم قصيدتي المومس العمياء وحفّار القبور لبدر شاكر السياب في رية مسرحية واحدة وكذلك أغاني مهيار الدمشقي فضلا عن عدد من الأساطير المأخوذة من حضارات العراق القديم وتحديدا جلجامش، إذ من الواضح أن هذا القرب من الشعر يجيء بسبب ما يمكن للشعر أن يمنحه للمخرج المسرحي عندما يقوم بتأويله وفقا لأدوات المسرح علما ومخيلةً معا. وخلال ذلك بدا أن كريم رشيد ينزع إلى هذا النوع من المجاز الشعري في المسرح الذي يترك للمتفرج مساحة رحبة للتأويل الخاص مثلما يترك للمتفرج ذاته قراءة التأويل المسرحي للشعر بوصفه شعرا.
لذلك من الممكن القول إن “جئت لأراك” تنتسب إلى ماضي رشيد كريم المسرحي رغم حضور المؤثرات الأخرى التي أقلها أن كريم رشيد نهاية التسعينات ليس هو تماما كريم رشيد صاحب النص “جئت لأراك”. بما يعنيه ذلك من تراكم خبرات عملية وبصرية خلال السنوات الماضية وكذلك بما هي تجارب تضاف إلى تجارب سابقة ناجزة.

سيناريو سينمائي
يستشعر المرء ذلك من خلال النص وخطابه الذي كما لو أن كريم رشيد الآن يتوجه به إلى كريم رشيد الذي عاش ذلك الصخب والجدل المعرفي المسرحي في بغداد الثمانينات والتسعينات. فـ”جئت لأراكْ” أو “جئتُ لأراكِ” تدور بالأساس حول شخصيتين رئيسيتين هما: العائد سليم، من بلاد الاغتراب والهجرة في إحدى مدن أوروبا الغربية، ومقدام المصور الفوتوغرافي صديق الأول. إنهما لجهة علاقة أحدهما بالآخر ليسا سوى شخصية واحدة لرجل ظلّ في بغداد طيلة هذه السنوات ولم يغادرها أبدا ورجل آخر غادرها تماما نائيا عن ضجيج الحرب فيها.
وشخصية العائد هنا تتمزق ما بين ذكريات بغدادية يتنشق فيها الرجل رائحة الحب الأول واخرى هي المنفى الحاضر متجسدا بعائلة متروكة هناك في الصقيع الأوروبي البعيد، يجعل الملف من هذا التمزق مفتاحا لفهم شخصية العائد المركبة، فهو لم يستطع أن يغادر الوطن تماما كما أنه لم يستطع الرعودة من المنفى مئة بالمئة. لكن هذا التمزق لا يمس مسألة الهوية الراهنة للعائد بل هي الرغبة في فضّ اشتباك داخلي جوّاني بينه وبين نفسه. وربما تتضح الصورة أكثر من خلال هذه الاقتطاعة من الحوار الذي يدور بين العائد والمصور في مشهد يحمل عنوان: “ظلمة”:
“العائد”: أنت تعرف أنني لم أخنها، لم يكن أمامي غير أن اختار بين الرحيل أو البقاء في مواجهة الموت مثل أبله يظن نفسه بطلا.
المصور: فرحلت لتمثل دور الضحية فهو أرقى منزلة وأكثر إثارة للشفقة والاحترام من بطل مهزوم.
العائد: واخترت أنت البقاء لتمثل دور الشهيد فهو الأبهى من بين كل الأدوار.
المصور: لست شهيدا، أنا محض رقيب يسجّل كل شيء، حتى خيانات الأصدقاء. عندما ارتمت على كتفي ناحبةً كأنها تستدعي موتها، كدت أتهشم من فرط العذاب والشعور بالخزي منك ومن هروبك”.
تجري هذه الاقتطاعة من الحوار في إطار صورة حركية جامدة ممتقعة بالتأنيب وفي إيقاع رتيب ربما يتناسب مع طبيعة الشخصيتين الرئيسيتين فيما يمارسان بوحا خاصا وكأنهما رجل واحد يتحدث إلى نفسه في المرآة. بينما تدور المشاهد الأخرى بسرعة على نحو تحتاج فيه مخيلة القارئ إلى إعادة بناء المشهد من جديد.
أيضا فإن ما يقرب الصورة المسرحية في”جئت لأراك” من الصورة السينمائية هو تقطيع الزمن، يشعر المرء بأن تركيب المشاهد على هذا النحو من التتالي والتتابع ليس من المسرح بل هو صنيع المونتاج السينمائي، أقلها لجهة التداخل الزمني واستخدام تقنية الفلاش باك، إذ أنه بين مشهد وآخر نعود مع العائد إلى منفاه واسرته عبر ذاكرة الشخصية.
هل من الممكن التساؤل هنا أن هذه المسرحية كانت في الأصل سيناريو لعمل سينمائي؟ ربما يصح ذلك لكن “جئت لأراك” على ما هي عليه في النص الأدبي المكتوب هي محاولة لاستفادة المسرح من تقنيات سينمائية بعينها، وإجمالا، فإن هذا العمل من غير الممكن له ان يكتمل في المخيلة إلا إذا رآه القارئ يوما وقد تجسّد على الخشبة بممثلين من لحم ودم، وفي فضاء مسرحي حيّ ربما يكون مشبعا بالصور ودلالاتها. يقول المرء ذلك ربما لأن كريم رشيد هو مخرج مسرحي وممثل قبل أن يكون كاتبا مسرحيا.
أخيرا، من الصحيح أن “جئت لأراك” تنتهي بلا تصالح بين العائد وذاته، لكن يشعر المرء أن هناك فائضا من التراجيديا في يختتم به كريم رشيد عمله هذا. فهل كان على العائد أن يموت كي يتصالح مع نفسه في لحظة الموت، ام ان عليه أن يعيش هذا التمزق الذي يطبع بطابعه لا الشخصية العراقية وحدها، إذا جاز التوصيف بأن هناك شخصية عراقية كيانية مستقلة عن شخصية محيطها العربي، بل يطبع بطابعه الشخصية العربية برمتها من الأف إلى الياء. تمزّق من شانه أن وضع الشخصية العربية في مهبّ التيه وليس المنفى فحسب. فلو عاش العائد هذا التمزق حتى استنفاده فقد يكون أقرب إلى ما هو تعبيري أكثر عن الحال الراهنة.

اقرأ أيضا