الملحق الثقافي

الاتحاد

عندما يتدفق النهر في النصّ

عبدالمجيد عبدالحميد

عبدالمجيد عبدالحميد

شكلت مظاهر النهر والبئر وبقية مصادر المياه، وعناصر الطبيعة كالأشجار، روافد غنية لإشباع حاجات المبدع للتعبير التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بعالم الطفولة التي خلقت أُلفة بين الشخصية والمكان ـ ونعني به النهر ـ فالكاتب يستنهض هذا الخفي من الأحاسيس الرؤى والمشاهدات المخزونة في عقله الباطن، ويعطيها مؤشرات جديدة؛ طقسية مرتبطة بالميثيولوجيا والأساطير والحكايات، والشعيرات الأخرى، التي استنبتها العقل البشري وسط بيئات مفعمة وغنية بالرمز الدالّة، استطاع المنتج أن يؤسس من خلالها مقولات ومعتقدات، ارتبطت بالموروث الشعبي والأسطوري الذي زخرت به بيئة الريف، والمدن ذات الطابع الريفي، وحولت كل الأشياء إلى رموز ومدلولات، وإلى نوع من الأساطير والحكايات المتوارثة عن الأجداد.
ويشير القاص والناقد العراقي جاسم عاصي في كتابه “دلالة النهر في النص” الصادر عن دار الشؤون الثقافية ببغداد ضمن سلسلة “الموسوعة الثقافية”، بصفحاته الـ”168” من القطع الصغير الذي قسمه إلى قسمين وتتفرع من كل واحد جملة مباحث، يشير إلى أن النهر ومصادر المياه كالأهوار والبحار والآبار، كانت خير عون لكثير من الكتاب، حيث وظفوها كدالات على حركة الحياة، ونمو وتطور الفعاليات. لعل حنّا مينة، واحد من المبدعين العرب الذين اهتموا بالبحر، وأسقطوا أفكارهم عليه. واستمروا في تأكيد دلالاته. وهنا لابد من ذكر قصيدة ميخائيل نعيمة الموسومة “النهر المتجمد” ودلالاتها الفلسفية، ورواية “سد هارتا” لهرمان هيسة ودلالة النهر فيها، والتي تنحو باتجاه الدلالة الصوفية. وقد شمل هذا أعمال كثير من الكتاب، منهم: شولوخوف، إرنست همنغواي، أوكارا، وغيرهم. هؤلاء حولوا هذا الرافد الطبيعي إلى طاقة للتعبير عن الأفكار والهواجس ومنحوه دلالات خاصة، استجابت للكوامن النفسية ولأحلام الطفولة المختزنة.

الرواية والنهر
وحدد عاصي ما يود أن يتناوله نقدياً في قسمي كتابه ومباحثها، فقال في المقدمة: “والذي يهمنا في هذا البحث؛ هو مدى ما كان للرواية والقصة من علاقة بهذا المضمار. واعتقد ان بعض الأعمال باستخدامها النهر. لا تمثل نمطاً واضحاً ومتبلورا ثم دالا، بقدر ما مثلت ظاهرة وردت سريعة دون تركيز يمنحها موقعا يعبر عما هو مخبأ أو ضامر، ونعني به الدلالة”. وأضاف مبيناً ما وجده من خلال دراسته لدللات النهر في النصوص ـ القصة والرواية العراقية ـ فقال: “نجد للنهر، وضمن ما درسنا من نصوص؛ دلالات متعددة . لكنها تنحصر في الظواهر النفسية والاجتماعية والسياسية والجنسية. وهي بالتالي تؤرخ ـ أي الأنهار كأماكن ـ حياة الشخصيات، وتمنحها قدرة على التأثير والخلق، والوجود الفاعل في الواقع. فالنهر يمنح قدرات في التعبير عن الجانب الجنسي، كما لاحظنا في بعض النصوص؛ أي الأنهار كأماكن حياة الشخصيات، وتمنحها قدرة على التأثير انه يشكل مصدر إخصاب الفحولة والأنوثة ونهوضها واكتمالها عند الجنسين، وهو بالتالي منعطف لإدراك الأشياء والظواهر الخفية. وبذلك يكون هذا الارتباط، ارتباطا حياتيا يؤشر الصيرورة عند الشخصيات.
واختتم مؤلف الكتاب بالقول: “ولحركة النهر وقوة جريانه دلالات تعبر عن الزمن، خاصة الزمن الصعب، أي أن بعض النماذج تقيس زمنها من خلال حركته، سواء كانت سريعة أم بطيئة، وهو بهذه المستويات يؤشر دواخلهم، أي إيقاع الزمن وثقله على نفوسهم وتشكيلهم السايكولوجي. لقد انصاعت الشخصيات إلى ما تشكل من هذا المصدر من معتقدات وطقوس، هي نوع من التسلط الذي أسس بنيتها الفكرية ووعيها الاجتماعي والسياسي. كما أنه المصدر لاكتمال إنسانيتها، وارتباط قوى بعالم الطفولة. أي النشأة الأولى للإنسان. لذا فإننا استندنا إلى أكثر من منهج في دراسة هذه النماذج الروائية والقصصية. إنّ مخيلة الروائي والقاص، تلعب الدور الأساس في تعميق تأثيرات مفردات الحياة، وخلق دلالاتها الأسطورية. الأمر الذي يتطلب من المبدع استيعاب الموروث الشعبي وحكايات الأسلاف، سواء كانت النظرة هذه على المستوى المحلي أم العالمي. ثم النظرة الفاحصة والواعية إلى حركة الحياة وتطورها. وحاول بعضهم أسطرة الواقع وتأليف مفرداته على نحو متخيل، اعتماداً على الحكاية، والموروث الشعبي، ومحاولة إكسائها بنمط أسطوري، وحكائي مخلق. ولقد نجح الكُتّاب الذين تناول البحث آثارهم في توظيف النهر باتجاه دلالات متنوعة، بحيث كان للتعبير عن الحالات التي تناولوها طاقة خاصة ومتميزة، شحذت المتخيلة الإبداعية من أجل التوغل في الجزء الغامض من النفس البشرية، عبر نمط ابتكار الحكاية واستخدامها استخداما أمثل وبارعا.
لقد توزعت مفردات الكتاب إلى قسمين، تناول الأول منه لبيان “الدلالة في الرواية، الذي عرض فيه لمحاولات أسطرة الواقع، حيث أشار إلى الروائي العراقي ناجح المعموري الذي ينتمي إلى البيئة الريفية، وتأثر وأثرت في مجمل أعماله الأدبية، واهتمامات شخوصه وولعهم بالأنهار وبحياة الريف، هو ولع الكاتب نفسه، فأبطال قصصه القصيرة ينظرون بعين فاحصة إلى حياة الريف ومجرياتها، ولو بشيء من عدم الخوض، والدخول في الصراع الصعب، لكن شخصيات رواياته ـ المعموري ـ كانت على جانب من المغامرة في خوض الصعاب، لا تثنيها عن عزمها كل تحديات الطبيعة وقسوتها أحياناً، مشيراً إلى رواياته “شرق السدة شرق البصرة”، ورواية “النهر”...

ذاكرة الطفولة
بينما تناول مؤلف الكتاب في مبحث “بين ذاكرة الطفولة... وحاضر الوجود”، من خلال دراسته النقدية لرواية الحافات للروائي محمود جنداري. حيث يلاحظ أن العلاقة بين بطل الرواية والنهر، تبدأ منذ بواكير الحياة. أي منذ الطفولة. ويقرأ الرواية ويجد أن قول الروائي جنداري فيها:” النهر ينحدر نحو الجنوب سريعاً متحدياً، كما تركته نقياً صافياً، كما أردت، وكان شغلي الشاغل كبقية الرجال هو جليلة الأعسر...”. فيعلق المؤلف عاصي قائلاً: “فالنهر هنا وبتكرار صورته في ذاكرة البطل يحيل الأمر إلى قضية فكرية كبيرة، تدفعه أزمته إلى الانتماء لها. بل يتذكر جذره الفكري الأساس وانتماءه إلى الحقيقة المطلقة. إن الشخصية تجد خلاصها في النهر، وليس في كل الأنهار...”.
وفي مبحث “البحث عن القيمة المفقودة في ما وراء المعنى الظاهر، وتصعيد صراع الأضداد”، يرى جاسم عاصي أن دلالة النهر تتجسد عند الروائي عبدالرزاق المطلبي في روايته”الظامئون” وذلك في محاولات نماذجه الروائية، ودأبها على البحث عن القيمة المفقودة والضامرة، وأضاف المؤلف: وفي رواية الضامئون يكون المصدر المائي باعثاً لإبراز التناقضات في الحياة، هذا الصراع الذي يتجسد من خلال النماذج البشرية، وطريقة تعاملها معه، واختلاف نظرتها إليه، ومن ثم تحديد نوع العلاقة بين النماذج على أساس الصراع المستنبط من وجود البئر، والخلاص من حالة الجفاف والموت البطيء...”. ثم ذكر في مبحث “تصعيد صراع الأضداد” لرواية “النهر والرماد” لمحمد شاكر السبع، حيث وجد أن الصراع فيها قد تبلور عبر مجموعة العلاقات الإنتاجية، وتصعيد علاقات العمل داخل منظومة عمال صيادي الأسماك.

الأسطورة والرمز
وعرض المؤلف في القسم الثاني لمباحث عدة لتناول عدد من الروايات النهرية التي وظفت في شخصياتها، ابتدأ جاسم عاصي هذا القسم بقصة “الصياد والنهر” للقاص أسعد محمد علي، الذي يمنح فيها النهر شيئاً من الأسطورة، أو بالأحرى يُسقط عليه المخيلة القصصية، وعلى الرغم من واقعية حدث القصة، خاصة فيما يخص نضوب مياه النهر وانحسارها، وظهور الصناديق والعلب والسراديب في قاعه العميق...
جدل المعنى ودلالة الموروث الشعبي.
بعدها قدم عاصي في مبحث “جدل المعنى... بين الواقعي ودلالة الموروث الشعبي” لاعتماد القاص الدكتور طالب حيدر عباس في استخدامه للنهر والماء على مدلولات ذات قيمة تؤكد البقاء، وهي أي أحواض الأنهار من خلال قصته “المتاهة”، حيث يكون النهر بمثابة حاضنة صراع الإنسان مع الطبيعة، كما يبدو ظاهراً، لكنه صراع يؤول إلى علاقة جدل، يحقق معبراً للمفاهيم العامة والعلاقة بالكون، وهو إنما يميل إلى استخدام الموروث الشعبي والمفاهيم الشعبية المتوارثة، وهي مجموعة علائق في الذاكرة الجمعية. وجاء المبحث الآخر في هذا القسم من الكتاب بعنوان “الرمز... وما وراء المشهد من معانٍ”، ليشير فيه عاصي إلى سعي القاص حنون مجيد عبر قصتين له:” صيد تلك الليلة، والبحيرة” إلى أن يمنح النهر دلالات مختلفة في النمط، لكنهما يلتقيان في ذات المعنى، فإذا كان النصّ الأول يحيل وفرة الصيد إلى عطاء دائم، إنما يعني به تشكيل نظام في العلاقات بين الناس، في حين يطرح النص الثاني لمجيد الرؤيا المرتبطة بمجموعة أسئلة فلسفية عن الوجود، يربطها بماء البحيرة وسعتها، أو وجودها العام مستغلاً السرّ والغموض الذي يكتنف البحيرة وبالتالي غموض الانعكاس الذي تتركه على صفحة ذهنه.

الواقعي والمتخيل
أما “دلالة المقدس والخصب في الماء والأنهار”، فهو مبحث جديد خصصه مؤلف الكتاب لقصة ناحج المعموري “تعريفات مهمة جداً”، حيث يجد القاص في غرس الأشجار خير محور تدور حوله هذه الفكرة... ثم عرض لقصته الأخرى “أحزان العائد من النهر” التي وظف فيها دلالة النهر بشكل متميز فيها، وتكون دلالته ضاربة على إيقاعات مختلفة... في حين توقف جاسم عاصي في “ أسطورة الماء... أسطورة الوجود” عند القاصة لطيفة الدليمي في قصتها” سليل الماء” ذلك عبر بناء حدثها على الأسطورة والبنية ألأسطورية، سواء في اعتمادها على فكرة انبثاق الصراع، أم في بنيتها الكُليّة كحدث متطور وأسلوب إنتاج.
أعقب ذلك بمبحث “ الرؤيا... بين الواقعي والمتخيل” لقصة عواد علي “الشيخ والجنيّة”، تلاه بـ”البحث عن النقاء والصفاء الروحي” لقصة “الطائر والنهر” للقاص عائد خصباك، ثم التعبير عن النقائض، وختم مباحث القسم الثاني بتناوله “للقيمة الأسطورية والسحرية” من خلال عرضه لقصص سعدي عوض الزيدي في مجموعة “رغوة المسافات” على الانطلاق من القيمة الأسطورية والسحرية للنهر.

اقرأ أيضا