الملحق الثقافي

الاتحاد

قصة العولمة ببساطة

محمد أحمد محمد

محمد أحمد محمد

هذا نوع من الكتابة نادر عندنا في اللغة العربية، وهو تناول القضايا الكبيرة، بأسلوب سهل ومبسط ومليء بالمعلومات، كأنه رحلة شيقة في تاريخ أي قضية، فلو أنك ظللت تقرأ كل كتب النظريات حول العولمة مثلًا، لما ازددت إلَّا التباسا بمفاهيمها، وكثيرة هي الكتب التي تتحدث في هذا الموضوع لكن القارئ يمر عليها مرور الكرام، ولا يتوقف أمامها كثيرًا.
كتاب “رحلة الصديري الأحمر حول العالم.. قصة صغيرة عن العولمة الكبيرة”، تأليف فولجانج كورن وترجمة د. نهى ناجي، ورسوم بيرجيت يانسن صدر حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية، نوعية مختلفة عن هذه الكتب، فهو يحكي قصة العولمة من خلال رحلة صديري أحمر حول العالم، الكتاب الذي يقع في 190 صفحة من القطع المتوسط، يحكي ذلك بتلقائية وبساطة ومعلوماتية، فالصديري الأحمر تبدأ قصته باستخراج المواد الخام في إحدى منصات النفط العائمة، قبالة دبي، مرورًا بأحد مصانع النسيج في بنجلاديش، وأحد المتاجر في ألمانيا، لينتهي به المطاف في أحد زوارق اللاجئين الأفارقة القاصدين جزر الكناري.
يتابع المؤلف رحلة ذلك الصديري، خطوة بخطوة، بمنتهى الدقة والتفصيل، كما يضع في كل فصل مربعًا يحمل بعض المعلومات الإضافية الثرية، فأمام اسم كل بلد أو سلعة يضع المؤلف كل المعلومات الوافية عن هذا المكان، لتخرج في النهاية بكم وفير من المعلومات حول الدول والسلع وطرق التجارة، سواء فيما يخص استخراج النفط ومعالجته في دبي، أو غزل خيوط البوليستر في بنجلاديش، وصناعة أثواب النسيج وصباغتها، أو فيما يتعلق بناقلات النفط وسفن الحاويات وقرصنة المنتجات، والمتاجر الكبرى في ألمانيا، وكذلك هناك معلومات مدهشة عن إعادة تدوير الملابس القديمة وإرسالها إلى أفريقيا، وهكذا تتكون لديك صورة وافية عن العولمة، وعن وحدة العالم، الذي صار مترابطًا بشكل لا يمكن تفكيكه مرة أخرى، فالعولمة ليست نظرية سابحة في الفضاء، بل إنها تكتسب صفاتها ومحدداتها وواقعيتها من هذا التبادل الرهيب في السلع والخدمات، وانتقال البشر بين الشرق والغرب، فما ينتج في الخليج، يصنع في بنجلاديش، ثم يتم استهلاكه في ألمانيا، ويعاد تصديره إلى قارة أفريقيا، إن سلعة واحدة طافت ثلاث قارات في أقل من عام، فما هي العولمة إذن، إن لم تكن كذلك.
حكاية الصديري الأحمر، تحمل في طياتها قصص مختلف البشر في مختلف أنحاء العالم، فنتعرف على محمد ابن أحد الأثرياء في دبي ومهيمن وخليل اللذين يعملان في معالجة النفط، وتصنيع خيوط البوليستر في مدينة “شيتا جونج” وعلى تسليمة التي تعمل في مصنع النسيج في “دكا” وعلى أدرام في السنغال الذي يحلم بالهجرة إلى أوروبا، وغيرهم من أبطال هذا العمل الرائع، الذي إذا كان مؤلفه امتاز بسلاسة الأسلوب، ووضوح الرؤية، إضافة إلى معلوماته الوافية عن كل شيء يكتب فيه وعنه، فإن الترجمة التي قامت بها د. نهلة ناجي، لا تقل عن أسلوب الكاتب عذوبة ورقة، ووضوح لفظ دون تقعر أو تعقيد، بما يبشر بميلاد مترجمة فذة في الواقع الثقافي المصري والعربي.

اقرأ أيضا