الملحق الثقافي

الاتحاد

تكنيس الحزن بالقلم

يمكن اختصار “تمارين الخسارة” Exercices de Perte للكاتبة البولندية Agata T szynska آغاتا توسزينسكا، بجملة واحدة مفادها: إن الحب أقوى من الموت. والكتاب هو من نوع كتب اليوميات، وقد تمت ترجمته إلى اللغة الفرنسية، حيث تقول المؤلفة في إحدى يومياتها: “إنّ الرجل الذي أحبه والذي من المفروض أن أعيش معه شيخوختي وأكمل معه بقية العمر مريض بدأ يهدده الموت، والأطباء يرون أنّ الشفاء من الورم السرطاني الذي أصيب به في رأسه يكاد يكون مستحيلاً”. ويقدم الكتاب سيرة زوجة رافقت زوجها المريض على امتداد عامين كاملين، ومدّته بالمعنويات التي يحتاج إليها في كل مراحل صراعه ضد المرض الخبيث.
ويظهر في هذه اليوميات أن كل الحب الذي تكنه هذه المرأة لزوجها تفجر دافقاً حاراً، وكان المرض أعاد شعلته وهي تكرر في أكثر من موقع من كتابها، أن الحب هو أقوى من الموت، ولكن الملفت لانتباه القارئ لهذا الكتاب هو انه حتى في هذه الحالة الإنسانية في علاقة زوجة وفية محبة بزوج داهمه فجأة مرض خبيث، فإن المؤلفة سعت في يومياتها إلى جلب عطف القراء باسترجاع قصة عائلتها اليهودية التي تعرضت إلى الاضطهاد أيام حكم النازية واحتلال ألمانيا بقيادة أدولف هتلر لبولندا، وربطت المؤلفة في هذا الكتاب بين مأساتها الشخصية ومأساة اليهود، ورغم إنها ليست شديدة الإيمان إلا أنها ركزت في سرد قصتها على معنى المعاناة ووجدت خيطاً رابطاً بين الذاتي وبين ما تراه هي موضوعي.
وواصلت المؤلفة تسجيل يومياتها إلى حد وفاة الزوج، فجاءت شهادتها ثرية مفعمة بأحاسيس الأمل الذي يشوبه اليأس. والكاتبة، وهي بولندية سبق أن ألفت كتابا عنوانه “تاريخ خوف عائلي” ترجم هو أيضاً إلى الفرنسية روت فيه قصة إخفاء والدتها عنها أصلها اليهودي لمدة طويلة. وهكذا يبدو أنها مسكونة بالمسألة اليهودية وتسعى إلى طرحها من مختلف جوانبها مازجة بين قصة حياتها وقصة اليهود الذين هم أهلها. وفي كتابها الحالي “تمارين الخسارة”، تقول: “لأول مرة شعرت بأنّ الكلمات عاجزة لعدم قدرتها على وصف ونقل الواقع المرير الذي عشته”، وهي سعت لكي “تؤرّخ” يوماً بيوم وشهرا بعد آخر للعلاقة بين امرأة وزوجها المهدّد بالموت، ويتخلل كل ذلك وصفاً لمشاعر الخوف والحب والرجاء. إنها تبدع في الحديث عما تسميه “حالة الانتظار” سواء في قاعات المستشفيات او أمام قاعات العمليات الجراحية، انتظار نتيجة تحليل أو أشعة. انتظار على حافة سرير المستشفى. انتظار اجراء فحص. انها تصف لحظات الانتظار بمنظور إنساني وفلسفي ووجودي، وتنقل في صدق حالتها ساعة نطق الطبيب برأيه بعد الفحص، وإجراء التحاليل والمؤلفة في يومياتها تحاول ان تجعل القارئ يعيش معها اللحظات العصيبة التي مرت بها كامل فترة علاج زوجها. وتشركه في ما عاشته من حيرة وجودية وحزن امام المرض والموت والألم.
ولم تتقبل المؤلفة أن يتغلب الداء على رجل تحبه، وتريد أن تتواصل حياته بجانبها، لذلك فإنها تتشبث بالأمل، ولكنه كان أملاً كالسراب، لا تكاد تلمسه حتى تتجلى لها الحقيقة المرة. والواقع الأمر إنها تريد أن تكتم الحزن الذي تسلل إلى كيانها ولكنها لا تفلح، ورغم أن فصول الكتاب كانت حلقات درامية، وان أكثر ما وصفته ونقلته في يومياتها هي مواقف وأحداث مؤلمة وموجعة، إلا أن أسلوب الكتابة كان سلسا وهو من السهل الممتنع، ولكن الألم في فحوى الكتاب كان كبيرا وقويا لدرجة أن الإحساس به يمر إلى القارئ، وهذا يعود لبراعة المؤلفة وصدقها في الوصف والتحليل والتأمل أيضا. ان المؤلفة هي في نهاية الأمر امرأة محبة. إنها على حد تعبير أحد النقاد تكنس الحزن بقلمها، ولا شك في أن قيمة هذا الكتاب تكمن أيضا في قراءة موقف الكاتبة وهي روائية ازاء مواجهة الموت.. فالمؤلفة اتخذت من الكتابة قوة واجهت بها عنف المرض وخبثه، وان “تمارين الخسارة” هو ليس فقط مجرد سرد لمعركة خاسرة ضد مرض عضال بل هو بشهادة النقاد سرداً جميلاً لتفاصيل قصة حب حقيقية نجحت المؤلفة في تحرير تفاصيلها يوما بعد يوم. وأمام مرارة الحقيقة والواقع ترتمي المؤلفة الزوجة في الماضي لتتذكر، وهنا تستطرد قصة عائلتها اليهودية وتبث في يومياتها قصة محرقة اليهود في أوروبا واضطهاد النازية لهم، وتربط ذلك بقصة زوجها البولندي اليهودي هو أيضاً، فما جمع بينهما وألف بين قلبيهما انهما من سلالة اليهود البولنديين الناجين من المحرقة.
والكتاب هو كما وصفه ناقد فرنسي أداة يمكن ان تساعد كل من يشعر بخسارة، وهو أيضا رحلة في فكر اليهود البولنديين واكثرهم هاجر الى اوروبا واميركا الشمالية، حتى ان المؤلفة تعرفت إلى زوجها في نيويورك، ورافقته في رحلة العلاج التي تواصلت عامين إلى كندا لاجراء عمليات دقيقة وتخلت عن مهنتها كأستاذة جامعية للاعتناء به.
ومن خلال استطراداتها واستشهاداتها، فإن المؤلفة تغذي لدى القارئ الرغبة في معرفة المزيد عن شعراء بولنديين كثر من بينهم تويم وميلوزس، فهي تذكرهم في يومياتها، والمؤلفة هي ايضا شاعرة وروائية وصحفية، وتعتبر من اشهر الكتاب البولنديين المعاصرين.
وقد ذكرت بأنها وزوجها، واجها اليأس والمرارة، بالارتماء في كتب كثيرة ودواوين شعر، والمؤلفة تستعين في محنتها بالكلمات اذ تقول في صفحة من يومياتها “انه من الصعب ان اكتب فالكتابة عناء ومشقة ولكن هذه المرة وقد تبعثرت حياتي فإن على الكلمات ان تنتشلني وتنقذني”. ولعل هذه الجملة الأخيرة تلخص جوهر هذا الكتاب وعمقه.

اقرأ أيضا