الملحق الثقافي

الاتحاد

الرهبنة ابتكار مصري للهروب من الاضطهاد

أقباط مصر ليسوا حاضرين فقط، لكن هم جزء مهم في تاريخها قد لا يعرفه الكثيرون، وتخصصت فيه د.بربارة واترسون التي درست علم المصريات بجامعة ليفربول، وحاضرت في هذا العلم، وأعدت كتابها الذي بين أيدينا ويحمل عنوان “أقباط مصر”. ويدهش القارىء من قدرة المؤلفة على تناول فترة تاريخية في حياة مصر والمصريين تمتد من القرن الأول الميلادي وحتى بعد دخول الإسلام مصر في هذا العدد المحدد من الصفحات، حوالي 200 صفحة، ولم تتوقف عند التاريخ السياسي والعقائدي فقط، لكنها تناولت كذلك التاريخ الاجتماعي والثقافي والفني أيضا، وهي كذلك لم تقدم كتابا نظريا فقط، بل فيه جانب عملي مهم، حيث زارت عددا من الأديرة المصرية وتحدثت عنها، في مجال ما قدمته المسيحية المصرية للعالم كله وهي فكرة الديرية أي الأديرة والرهبنة.
كلمة قبط ليست عربية أصلا لكنها مشتقة عن الكلمة اليونانية “اييبتوس” والتي استخدمت أصلا في القرن الأول الميلادي لتدل على سكان مصر الأصليين للتمييز بينهم وبين الإغريق الذين عاشوا في مصر وحملوا صفة المصريين، ومعهم عدد آخر من الأجانب، وظلت هذه التسمية قائمة حتى تم الفتح العربي لمصر عام 640 ميلادية حيث قام العرب بتحريف كلمة “اييبتوس” إلى “قبط” واستخدمت للدلالة على سكان مصر الاصليين “المسيحيين” لتمييزهم عن العرب، ومع حلول القرن السادس عشر بدأ الأوروبيون استخدام كلمة “قبط” للدلالة على المسيحيين فقط من سكان مصر، لكن مع تحول المسلمين الى أغلبية بسبب انتشار الإسلام صارت الكلمة تستخدم للدلالة على “المصري” من دون الارتباط بأي مضمون ديني أو عقائدي لكن مع الاحتدام الطائفي في السنوات الأخيرة صارت الكلمة تستخدم للدلالة على المسيحيين المصريين فقط.

بدايات
أدخل القديس مرقس المسيحية إلى مصر وفي البداية نظرت الامبراطورية الرومانية إلى المسيحية باعتبارها ديانة غامضة تدعو إلى السحر وقد ردد اتباع المسيحية في البداية انهم اتباع نبي جاء بالمعجزات فاعتبر الرومان ذلك دليلا على إنها تقوم على السحر لذا أعلن في الامبراطورية تحريم اتباع المسيحية، خاصة ان المسيحيين رفضوا تقديم القرابين للآلهة الرومانية، في مصر وليس هناك دليل واضح على إن المسيحية انتشرت خارج الاسكندرية التي كان يسكنها الإغريق وأول تعيينات للأساقفة في الأقاليم والمديريات أجراها البابا ديمتريوس “230/188 ميلادية” وهذا يعني ان المسيحية كانت محدودة الانتشار حتى ذلك الوقت وان المصريين كانوا متباطئين في قبولها، وقد رصد البابا دايونيسيوس أثناء الاضطهاد الذي أثاره داكيوس سنة 250 ميلادية أربعة شهداء فقط من المواطنين المصريين، فقد كانت الكنيسة في مصر كنيسة للإغريق المقيمين بها سواء في الاسكندرية أو إحدى المدن الإقليمية الإغريقية مع عدد محدود من المصريين الذين يتحدثون اللغة اليونانية والواضح انه لم تكن هناك محاولات للتبشير بالمسيحية بين المصريين بلغتهم المصرية القديمة، وحسب إحدى الروايات فإن “دايونيسيوس” هو أول البابوات الذين وضعوا خطة لتحويل غالبية المصريين الذين يتحدثون اللغة المصرية الى المسيحية، وخلال فترة رئاسته للكنيسة “274-264” بدأت المسيحية الانتشار والازدهار في كافة أنحاء مصر.
في تلك الحقبة كانت الدولة الرومانية آخذة في الضعف والتفكك، خاصة في مصر، فقد وقعت بها العديد من الانقلابات والفتن السياسية والعسكرية فضلا عن الأوبئة مما أدى إلى ضعف سلطة الدولة تماما وصاحب ذلك ارتفاع سلطة الكنيسة وازدياد قوتها، وضح ذلك مع صعود بطرس الأول الى الكنيسة عام 300 ميلادية الذي اتسع نفوذه في أنحاء مصر.

هروب
مع عودة الامبراطورية الرومانية لقوتها وتماسكها السياسي ضعف دور الكنيسة وازداد الضغط على المسيحيين المصريين فيما عرف بأزمة الطبيعة الثنائية للمسيح والطبيعة الواحدة، وباختصار اختارت الكنيسة المصرية مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح، مما عرض المسيحيين المصريين للاضطهاد العنيف من الامبراطور، وبدأ المسيحيون المصريون الهروب إلى الصحراء وظهرت فكرة الديرية والرهبنة وعنهم انتشرت في العالم المسيحي كله، وهرب الأب بنيامين الى الصعيد فقد كان مصرا على الطبيعة الواحدة، وجاء الامبراطور مكانه بالمقوقس الذي كان مستعدا لمجاراة الامبراطورية في القول بالطبيعة الثنائية للمسيح. كانت الامبراطورية الرومانية أخذت في الانهيار وكان هرقل يمارس ضغوطا قاسية لفرض نظرية الطبيعة الثنائية للمسيح، وفي تلك الفترة ظهر نبي الإسلام -صلى الله عليه وسلم- يبشر بديانة جديدة هي الإسلام وبدأت الجيوش العربية فتح بلدان الامبراطورية الرومانية في الشام ومصر. وتذهب المؤلفة الى انه يصعب القول إن العرب استقبلوا في مصر بالترحاب أو إن المصريين فتحوا أذرعتهم لهم، لكنهم لم يكن لديهم استعداد لمقاومتهم، فقد كان اليأس قد سيطر عليهم وحين دخل عمرو بن العاص لم يتدخل في عقائد المصريين أو يمارس ضغطا عليهم بل أعاد بنيامين الهارب الى موقعه وتوقف اضطهاد المسحيين في مصر.
وتقدم المؤلفة رواية غريبة عن إحراق مكتبة الاسكندرية وهي أن عمرو بن العاص لم يكن راغبا في إحراقها، لكن الرسالة التي جاءته من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين طلبت إليه إحراقها، وهي رواية ضعيفة لم يذكرها اي مؤرخ معاصر ولم ترد إلا عند شخص واحد في زمن الحروب الصليبية، وبات مؤكدا الان ان هذه الرواية غير صحيحة، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن حريق المكتبة كان قبل الفتح العربي لمصر.
بعد الفتح العربي أخذت اللغة القبطية في التراجع وفي القرن الحادي عشر الميلادي بدأت نصوص القداس ومعاني الكلمات والمفردات الخاصة باللكنة القبطية وقواعد النحو تظهر مكتوبة باللغتين القبطية والعربية وبعدها بقرنين أصبحت اللغة العربية هي لغة الأدب والكتابة بدلا من القبطية وان ظلت القبطية العامية هي لغة الكلام بين أهل الصعيد حتى عصر المؤرخ تقي الدين المقريزي ولكنه منذ القرن السادس عشر تحولت القبطية الى لغة ميتة ولم تعد محفوظة إلا في قداس الكنيسة، والآن صار القداس في الكنيسة القبطية باللغة العربية وتستعمل اللغة القبطية في الدراسات اللاهوتية فقط.

اقرأ أيضا