الملحق الثقافي

الاتحاد

السَّفر إلى الحقيقة...

يسعى الباحث والروائي المغربي عبد الإله بن عرفة، وهو خبير في منظمة الاسيسكو، وباحث في اللسانيات والتصوف والفكر الإسلامي، في مشروعه السردي العرفاني الى التأسيس لما سماه “أدب جديد” ذي مرجعية قرآنية، يتكئ على مفهوم مختلف للأدب وغاياته المعرفية التي يرى أن من أهمها إنتاج أدب معرفي يحقق تحولاً في وجدان القارئ ومعرفته وسلوكه. وهو ذهب في مشروعه هذا الى الرواية كشكل أدبي يحتمل ويتسع لكل أنواع المعرفة الفلسفية والعلمية والأدبية؛ وقد أصدر حتى الآن خمس روايات هي: “جبل قاف” و”بحر نون” و “بلاد صاد” و”الحواميم” و”طواسين الغزالي”، مستلهماً الحروف المقطعة القرآنية في الإبداع الروائي وموظفاً معارف شتى وأحداثاً مفصلية في التاريخ الإسلامي.


شهـيرة أحمـد

عبد الإله بن عرفة، الذي حلَّ ضيفاً على “الملتقى” الصالون الثقافي النسائي في أبوظبي لمناقشة روايته، حوّل الجلسة من مجرد حلقة أدبية لمناقشة رواية، إلى جلسة فكرية معمقة غاصت في بحر الفكر والتاريخ والأدب والسيمياء (علم أسرار الحروف) وحساب الجُمَّل والتصوف والفلسفة وما يجاورهما ويتصل بهما من علوم. فالروائي الذي بدأ الجلسة بشهادة حول مفهومه للإبداع وعلاقته بالكتابة واللغة والعرفان، واختياره الجمالي والموضوعاتي طرح عدداً من القضايا الفكرية والفلسفية على درجة عالية من العمق والتخصص والغَناء بحيث جعلت من حديثه طوافاً في أرجاء المعرفة الواسعة لا سيّما في علوم التصوف.
وربما لجدّة هذا الحقل بالنسبة للسيدات الحاضرات وما قدمه بن عرفة من معارف ومعلومات اتسع مجال الندوة وتحوَّل مسار النقاش من الرواية إلى الفكر. ظاهرياً، بدا أن النقاش ابتعد عن الرواية لكنه في العمق كان عنها وفيها، إذ أن الجدل الذي حدث حول ما طرحه الروائي من أفكار وآراء ونظرات في الفكر الصوفي لم يكن بعيداً عن همّه الروائي، فهو يمتح رواياته من هذا العالم المثير ويسخر مشروعه الروائي أصلاً لإيصال هذا الفكر إلى القارئ بشكل إبداعي يتوفر على حمولات فنية وجمالية ولغوية عالية.
تساؤلات كثيرة طرحتها السيدات المشاركات في الملتقى بعد انتهاء الروائي من شهادته، بعضها على سبيل الاستفسار عما جاء في شهادته، وبعضها نجم عن قراءة رواية أو أكثر من رواياته، وقسم ثالث عن واقع الصوفية على الأرض وبعض الممارسات التي تصدر عن المتصوفة، وقسم رابع تعلق ببعض الرموز التي وردت في الروايات أو الأغلفة... ولأن الحديث كان شيقاً وماتعاً فقد امتد على مدى ثلاث ساعات أو أكثر قليلاً من دون أن يخالط أحداً من الحضور ملل أو تعب، بل عبرت السيدات عن فرحهن الغامر بهذه الجلسة التي وصفنها بـ “الساحرة” وبعضهن ذكرن أنهن حلَّقنَ مع الكاتب إلى أمداء وتخوم لم يعرفنها من قبل. ولعل هذا هو السبب في إحجام بعضهنَّ عن نقد الرواية، من جهة ثانية أجاب حديث بن عرفة على ما كان يراودهنَّ ويجول في خواطرهنَّ من أسئلة...

الخيال الخلاق
في بداية الحديث ألمح بن عرفة إلى أهمية مثل هذه المجالس الثقافية وما تمثله من تنوع ثقافي، مشيراً إلى أنها نقاط اتصال أخرى لا تكشف نفسها لأول داخل. وهي نقاط اتصال مع نون النسوة في الإمارات، ثم تحدث عن نشأته في مدينة سلا المغربية معرفاً بها وبما تمثله تاريخياً، مردداً شعراً جميلاً عنها، وعن البيت العريق الذي نشأ فيه والذي كان يسكنه العلامة الأندلسي لسان الدين بن الخطيب (كتابه الجديد سيكون عن ابن الخطيب) متوقفاً عند ما يعنيه له هذا البيت. وقد أظهر حديثه بعض أسباب تنوع تكوينه المعرفي فهو تعلم في معهد ديني يسمى “دار القرآن” يهتم بالقراءات العشر والتجويد. وبعد المرحلة الثانوية درس آداب اللغة العربية في مدينة الرباط ثم انتقل الى مونبلييه ليحصل على الإجازة ومن هناك إلى باريس للحصول على الدكتوراه في اللسانيات وعلم الدلالة في جامعة السوربون، فجمع بذلك بين جناحي المعرفة قديمها وحديثها.
يعد بن عرفة نفسه كاتب من الألفية الثالثة حيث صدر أول كتبه “جبل قاف” في 2002 وكان عن المتصوف العلَم محيي الدين ابن عربي الذي قرأ قرابة مئتي كتاب ورسالة عنه، معللاً ذلك بأنه شخصية كبيرة لا يمكن التعامل معها بسهولة بل يجب الإلمام بأوجهها المتعددة. وله مع بن عربي حكاية طويلة مليئة بالمفارقات التي لا يتسع المقام لسردها بدأت فصولها في الطفولة المبكرة، وربما يغني عن التفاصيل أنه لم يكتب الكتاب إلا بعد رؤيا رآه فيها وأنه لم يكن سوى “اللسان والترجمان”، بمعنى أنه كان ينكتب بلسان ابن عربي وبقلمه.
وفي كتاباته يحاول بن عرفة أن يخرق السور القائم بين الواقع والخيال حتى يكون هناك جسر للعبور بينهما، مدللاً على أن “تعبير الرؤيا” إنما سمي تعبيراً من عبور لأنه يعبر بك من عالم إلى آخر. وقال: “مشروعي الروائي هو مشروع عبور من عالم الواقع الى عالم الخيال ولكن الخيال الخلاق، الخيال الذي هو اوسع من مدارك الانسان لأن المدارك محدودة، والمعرفة المتحققة من خلالها ليست يقينية؛ فالحس يخدع والعين تخدع، والعقل محدود، ودائماً هو متنقل بين راجح ومرجوح والراجح اليوم قد يصبح مرجوحاً غداً. كما ان النفس ايضا تخدع، والنفس فيها درجات ومراتب: نفس أمارة، نفس لوامة، نفس راضية، نفس مرضيَّة، وهي النفس اللطيفة النورانية ولكن كلما اتصلت بالعالم الأقدس، العالم الأسمى، إلا وتلطفت وسرى فيها ذلك النور الأزلي القديم فاتسعت واتسع إدراكها وكلما عرجت كلما زاد ذلك الإدراك. ومن بين الإدراكات المتعددة إدراك الخيال الخلاق الذي كتب عنه المستشرق الفرنسي هنري كوربان الذي كان اول من ترجم هايدجر الى الفرنسية، والذي أسلم بعد ذلك وكتب عن تاريخ الفلسفة الاسلامية وحاول ان يترصد في كتابه «الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي» ما قاله ابن عربي.

«جبل قاف»
وفي حديثه عن رواياته حاول بن عرفة أن يرسم إطاراً عاماً لها لكنه في حقيقة الأمر كشف عن مفاهيم ومدلولات ومعارف شتى. ولفت إلى أن العنوان الملغز لروايته “جبل قاف” هو أول ما يستوقف القارئ، وإن كان القارئ المثقف يجده مألوفاً. و”جبل قاف” هو العالم الآخر، العالم الذي لا ندري محتواه، والذي ورد عند فريد الدين العطار في كتابه “منطق الطير” كرمز للمعرفة المحتجبة التي لا يمكن إدراكها إلا بالمجاهدة. لكن هناك طريق أخرى هي طريق الاصطفاء والاختيار والاجتباء بدون المرور عبر هذه البراري والقفار المعنوية (بحر الجوع وبحر العطش وبحر الصبر وغيرها مما ورد عند العطار). والاجتباء هو الذي عبر عنه الحلاج بقوله “ما في الجبة إلا الحق”، لكن الذين يعترضون عليه لم يفهموا مقصوده من هذا وكانوا يظنون أنه يقول بالحلول.
في هذا العمل الذي يتجاور فيه معلمان: جغرافي (جبل) ولغوي أو لساني (حرف) تنبت أسئلة من نوع: كيف يتجاور الحرف مع الجبل؟ كيف يدخل الجبل في الحرف؟ كيف يدخل الكبير في الصغير من دون ان تتغير طبيعة كل منهما؟ وهذا هو عالم الخيال الخلاق الذي تصبح فيه هذه الاشياء مقبولة لأننا أزلنا وأزحنا الحاجز بين العالمين، فالانسان يمكن ان يعبر من هذا العالم الى ذلك العالم.
وفي معرض إجابته عن الاعتراض الذي قد ينشأ لدى البعض قال بن عرفة: نحن نقبل بهذا انطلاقاً من خلفياتنا الحضارية والإسلامية (والحضارة الإنسانية تذهب إلى ذلك أيضاً) التي تجعل القول هو أول شيء في الوجود: كن فيكون. فالكون لا يكون الا بعد كلمة الإيجاد (كُن)، والوجود كله يظهر بهذه الكلمة. إن القول هو الأساس. القول الإلهي ينتج الوجود والكلام الإلهي ينتج العلم، ويجب التمييز بينهما.
تتحدث الرواية عن ابن عربي الذي يدخل إلى الخزانة (خزانة قاف في جبل قاف في مدينة قاف في اشبيلية) التي تحرسها اسماء إلهية وليس وحوش اسطورية كما في الاساطير الاغريقية، ذلك أن المتاهة في الأسطورة الإغريقية لها فهم ظلماني بينما في “جبل قاف” لها فهم نوراني. وهذه الأسماء التي يبلغ عددها 12 اسماً من أسماء الله الحسنى كلها تبدأ بحرف القاف منها: القديم، القدير، القابض، القدوس. هذا على المستوى الأفقي (ما نسميه الإسراء) أما المستوى العمودي (المعراج) ففيه اسماء غير ظاهرة هي الاسماء الأمهات التي تتفرع عنها الاسماء الأخرى. وابن عربي لكي يدخل الى هذه الخزانة عليه أن يفتح هذه الأبواب ولن يتم له ذلك إلا عبر التخلق او التعلق او التحقق، وهذه مراتب صوفية. وتنتهي الرحلة بالتحقق بالعلوم المتواجدة في هذه الخزانة التي تجمع العلوم على وجه الأرض منذ كان العالم عالما (بفتح اللام)، ويخرج منها وقد أصبح في حد ذاته خزانة متنقلة وهذا هو التوحد الحقيقي. توحد العالم والمعلوم والعلم بحيث لم يعد هناك انشطار بين الشيء المعلوم والإنسان العالم وحين يتوحدان تكون الروعة.

بحر نون
قصة شاب من القرن التاسع عشر يذهب الى الحج، وفي عودته يزور أهرامات القاهرة حيث يلتقي بقبيلة من سلالة الفراعنة القدماء تطلب منه أن يعثر على كتاب عن أسرار الفراعنة ضاع منها بعد الحملة الفرنسية على مصر، وآخر عهدها به أنه في المغرب. وفي مقابل اكتشاف أسرار الفراعنة يبدأ الشاب في البحث عن الكتاب، وبالتالي عن آثار الحضارة الأطلسية في سوس جنوب المغرب ووادي نون (أو نول) التي تحدث عنها أفلاطون، وساهمت جميع الحضارات فيها بقسط أو بآخر، ويعتقد أنها غرقت في الطوفان.
وفي رحلته الاثنوغرافية المثيرة يوغل البطل نون في الجو الروحاني في سوس، حيث الزوايا ومجالس العلماء وأسفار الأسرار، ويلتقي بأحد شيوخه وأساتذته. وفي حضرة الخيال الخلاق يُكشف له عن مكان وجود الكتاب في مكان ما من الصحراء عند ملكة تدعى “نونة” تحكم مملكة لا يوجد فيها الا النساء. وتطلعه نونة وريثة الحضارة الأطلسية على تاريخها، وتوكل إليه مهمة البحث عن الجزيرة الموعودة، فيصير البطل قائدا بحريا لسفينة نون ونونة، ويوغل الجمع في بحر نون، بحر الحقائق وعلم الإجمال المودع في كتاب الوجود، أما شخص الرواية الرئيس وإن تعددت الشخوص فهو حقيقة الإنسان الكامل. إنها قصة الإنسانية بشكل عام، قصة آدم وحواء ونوح ويونس التي تؤلف الى جانب بعضها البعض الخيط الناظم في الرواية.

بلاد صاد
تدور حول شخصية عجيبة هي شخصية الأمير الشاعر الفقيه أبي الحسن الششتري الذي يترك الإمارة والمال والجاه ليصبح رجلاً فقيراً على نموذج شعراء التربادور في القرون الوسطى. يخرج هذا الرجل في سياحة من الاندلس الى المغرب، ثم يقصد الحج فيلتقي في مدينة بجاية الجزائرية بالفيلسوف والمتصوف الشهير ابن سبعين أو ابن دارة كما كان يسمى أيضاً، فيتأثر به تأثراً شديداً ويعجب به أيما إعجاب. ولما رغب الششتري في أن يسلك الطريق الذي سلكه ابن سبعين أعطاه دفاً وطلب منه أن يلبس مرقعة (ثوباً مرقعاً) ويغني في الأسواق هذا البيت: بدأت بذكر الحبيب وهمت وعيشي يطيب، (كتبها بن عرفة “بديت” من البُدُوّ وليس الابتداء. ولابن سبعين كتاب يسمى “بدّ العارف”، والبدّ له علاقة بالبودا الذي سنعرف بعد ذلك أن اسمه يعني اليقظان الذي لا ينام والذي يجد بن عرفه قرابة لغوية ومعنوية بينه وبين حي بن يقظان)، ولم يكن ذلك الطلب سوى رغبة من ابن سبعين في قهر نفس الأمير التي بين جنبيه، وتربيتها لتلقي الحقيقة. فعل الششتري ما طلب منه وظل ثلاثة أيام يدور في الأسواق ضارباً على الدف والناس تسخر منه وتعجب من حاله حتى فتح الله عليه وأكمل قصيدته العجيبة التي ما تزال الى الآن تنشد في حِلَق (حلقات) السماع وتعمل لها عمارة وحضرة، وهو أي الششتري منذ ذلك الوقت إمام المسمّعين والناس تحفظ أزجاله واشعاره. لزم الششتري ابن سبعين وكان يسميه “مغناطيس القلوب” ويخلع عليه اوصافاً عجيبة. وله قصيدة جميلة جداً تتكون من 69 بيتاً، ويفسر بن عرفة ذلك بأنه أراد القول بأنه ينقص عن شيخه ابن سبعين درجة، سبعين تشير الى العين، والعين يساوي سبعين في حساب الجمّل، بمعنى أن ابن سبعين كان في عين العين، أي المبصر حقيقة. وفي هذه القصيدة يذكر سنده وهو سند عجيب يخالف كل الذي نعرفه لأن فيه الهرامسة والفلاسفة وأبقراط وأرسطو وأبيقور وفلاسفة ومن جميع الامم والحضارات، وهو يعددها ثم ينتهي بشيخه الذي يسميه الغافقي. بعد ذلك يكمل رحلته الى مصر، ويتصل بالشاذلية ويشارك في الحروب الصليبية ويبني له رباط في دمياط التي كانت على خط المواجهة في مواجهة الصليبيين، وأثناء عودته من الشام إلى مصر يمرض وتوافيه المنية في بلدة قريبة من دمياط سأل عن اسمها فقالوا له: الطينة، فقال قولته الشهيرة: “حنَّت الطينة الى الطينة” أي حنت طينة الششتري الى طينة أمه الأرض.
لا تقول لنا المصادر التاريخية أين يوجد قبر الششتري، وهذه ثيمة أخرى من ثيمات الرواية التي تحدث عنها بن عرفة باستفاضة راوياً رحلته في البحث عن القبر والأدلة التي أخذت تتجمع بين يديه عبر البحث والتنقيب والتحليل والمقارنة بين الأحداث والتواريخ والحدس أيضاً إلى أن تأكد من أن قبر الششتري نقل الى القاهرة وموجود فيها. وهي رحلة طويلة في التثبت والتحقق ساقها الروائي لكي يخلص إلى أن هذه الأعمال ليست أعمالاً أدبية بالمعنى البسيط للأدب، بل بالمعنى الحقيقي للأدب، أي أن الأدب هو جماع خيال، فيه البحث وفيه الكشف والمتعة والعمارة والموسيقى والروائح الطيبة، هذا الذي يجعل من الأدب أدباً. إنه معمار روائي تتداخل فيه عوالم متعددة ولا يكفي لكي يكون أخاذاً وشيقاً أن يقتصر الروائي على شيء واحد. هذا أدب لا يكتب في مقاهٍ، بل في خزائن ومكتبات البحث، لأن الروائي يحتاج أحياناً إلى أسبوع كامل ليستوثق من معلومة قبل ان يدونها.

طواسين الغزالي
عن الغزالي واللغة البديعة التي كتبت بها الرواية قال بن عرفه ان مشروعه الروائي يقوم على القرآن. ويطمح هذا المشروع إلى أن يؤسس رواية أدبية تقوم على ثلاث دِعامات: الأدب العالِم، والمعارف الروحية المتعالية، والخيال الخلاق. وذلك من خلال اللغة الرفيعة البعيدة عن الإسفاف، والأدب الذي يوظف جل العلوم والمعارف والفنون الممكنة بعيدا عن التلفيق. والاستفادة من التراث الروحي في كل الحضارات الأصيلة. وتوظيف الخيال الخلاّق باعتباره أوسع حضرة للمعرفة، وباعتباره أطلَقَ إدراكٍ في الإنسان. وهذا النوع من الشخصيات لا يقبل إلا مثل هذه اللغة، وغير ذلك يكون إسفافاً او لغة ممسوخة.
وتحدث بن عرفه عن أسرار القرآن وعجائبه، متوقفاً عند الحروف المقطعة بشكل خاص، فجلّى عالماً من العلاقات والارتباطات والاقترانات الخفية التي يعرفها من فهموا القرآن وقرأوه قراءة مختلفة، تتجاوز الفهم الحرفي إلى ما فيه من عجائب وأسرار الكون والخلق والنفس والوجود. أما الحروف المقطعة فعددها 17 حرفاً من دون المكرر، وهي 78 حرفاً مع المكرر، وقد ربط ذلك بكون شعب الإيمان 78 شعبة. وتأتي هذه الحروف فردية (قاف، نون، صاد) وثنائية (يس، طه، حم) وثلاثية (الم) ورباعية (المر) وخماسية (كهيعص). وذكر أن الكتاب الرابع سيكون “طه” والخامس “يس” وأن هذه السلسلة النورانية تحتاج الى 24 رواية لكي تكتمل هذه الهندسة وهذا المعمار الوجودي الإنساني.

مداخلات وإجابات
وعن السر في عدم وضع المراجع في نهاية الرواية قال: “الرواية عمل أدبي يجب أن يكون مستفزاً للقراء، والهدف منها هو جذب قراء آخرين غير مفترضين. المفترضون هم الباحثون، والمتخصصون وهؤلاء يعرفون المصادر وهي غير خافية عليهم. لا حاجة لكتابة المراجع في نهاية الرواية، لأن المقصود ليس إعادة إنتاج المعرفة النظرية بل أن نسأل ما هي أسئلتنا اليوم؟ ما هي انتظاراتنا؟ فالمعرفة الحقيقية هي المعرفة المتجددة. إن الكتابة عن شخصيات مثل ابن عربي وابن سبعين ليس بالأمر السهل، بل من الصعوبة بمكان، لكن طول معاشرتي لهؤلاء الأعلام أعانتني على كتابتها بهذه السلاسة. هذا الجوار وهذه الألفة بل المخاللة مع الشخوص هي التي تكسب الحديث عنهم روعته، بحيث يبدون وكأنهم ينطقون.
وأوضح بن عرفه أنه لا يتقمص الشخصية التي يكتب عنها، بل يعيش حال فيه لذة روحية هائلة، مشيراً إلى أنه يصبح لوحاً ينكتب، ومن هنا، يرى أن النساء أكمل معرفة من الرجال لأنهن ألواح. الرجال يريدون أن يكونوا أقلاماً ويكتبون؛ بمعنى أن فيهم نزوع إلى الفعل أما النساء ففيهن نزوع الى الانفعال. والعبودية المطلقة هي الانفعال وليس الفعل.
ولهذا كانت مشكلة الغزالي أنه كان لوحاً كتب فيه قبلاً، والكتابة على المحو ليست كالكتابة على البياض. وكان الغزالي يقول: “عندما كنت أشرف على جبل المعارف كنت أشعر بقوة فقهية تشدني”. والحال أن تلك العلوم كانت حاجباً بينه وبين مقتضيات ما هو بصدده. من هنا كان النبي (صلى الله عليه وسلم) أمياً، أي لوحاً صافياً لم يكتب فيه شيء من علم الحدثان وإنما كتب فيه العلم الأزلي.
ومن بين ما طرح من تعليقات علاقة التصوف بالنيرفانا، وعن ذلك قال بن عرفه إن مثل هذه الفلسفات الرياضية هي من علوم الطريق “كيف تصل” التي عني بها الآسيويون كثيراً. أما الوصول الى الحقيقة والتماهي فيها والذوبان فيها مثل الفراش والنور، أو المحبوب الذي يذوب في محبوبه فهو الفناء مع الأخذ بعين الاعتبار أن الرب رب والعبد عبد، هذا هو المقود الذي يجب أن يمسك به الإنسان حتى لا تختلط عليه الأمور. الحلاج نطق بلسان الإنسان الذي سكر، وعبر عن حقيقة عظيمة جداً، وجليلة، قال: (أنا الحق ما في الجبة إلا الله)، وهذا صحيح لأن كل شيء هالك إلا وجهه، فكيف أعتبر أنني موجود. أنا غير موجود والعالم كله غير موجود. لكن من باب الأدب ما كان عليه أن يقول ذلك. لهذا قالوا: الحلاج ليس من أهل الاحتجاج، لأنه لم يمسك بهذا الميزان: ميزان الشريعة الذي يضبط الحقيقة.
وحول ما إذا كان يجد صعوبة في التعامل مع الناس، وهل لغته حاجز بينه وبين الناس العاديين، قال: أصدقائي من الأحياء الحقيقيين والأموات الأحياء. لدي أصدقاء من كل المستويات، رجالاً ونساء، وفي كل البلدان. كوني متصوفاً لا يعني أنني أجلس في الزوايا. لديَّ فهمي الخاص للصوفية وأنا إنسان منفتح. أما عن لغتي وثقافتي فهي ليست عائقاً إطلاقاً. كلام النبوة ليس سهلاً ومع ذلك يفهمه كل إنسان، كذلك القرآن العظيم كل إنسان يفهمه رغم تعدد مستويات هذا الفهم، وهناك أميون حفظوا القرآن بالسماع فقط.
وحول بعض الممارسات الشائعة عن التصوف والمتصوفة قال: أنا لا أؤمن بالطرقية، التخلف قدم صورة غير حقيقية عن التصوف. في كل مهنة وكل علم هناك طقوس ومراسيم وملابس يرتديها أصحابها. في التصوف كذلك هناك مراسيم وطقوساً وملابس وخرقة وسبحة ولحية وعمامة لها أشكال مختلفة، هذه مجرد وسائل لتميز الناس عن بعضهم، لكن الناس جعلوها هي الغاية. وكما في كل مجال هناك بعض الأفكار النمطية التي تلتصق بالمتصوفين ثم يتعامل الناس معها على أنها حقائق. وروى حكاية عن ابن عربي الذي خرج من المغرب الى المشرق عندما كان في الأربعين من عمره. ولما وصل إلى مصر نزل في رابطة تسمى “سعيد السعداء” أو “خانقاه” كان بناها صلاح الدين برسم العلماء والغرباء فاستقبله شيخ شيوخ الصوفية بلحيته وسبحته وجبته وعمامته الطويلة وقال له: أنتم أهل المغرب لا تعرفون شيئاً عن التصوف، التصوف عندنا نحن. فما كان من ابن عربي إلا أن ذكر له شيوخه وسرد له أحوالهم فما سمع الرجل أسقط في يده لأنه لم يكن يدري شيئاً عنهم، فهم أناس منقطعون في رؤوس الجبال ولا تكايا لهم ولا زوايا ولا مدارس، وبعد هذه الحادثة خطرت له فكرة كتابه “رسالة روح القدس” الذي ضم ترجمة لـ 55 من شيوخه. مقطع القول أن ابن عربي لم يكن على هذه الطريقة الصورية للمتصوفين الذين عاصرهم وأخذ منهم وأعطاهم. كما أن هذا السؤال لا يوجه إلى المتصوفة فقط. التدين بالطبع شيء عظيم في الإنسان وهو شعور حقيقي وعميق لكن كيف يصنع الناس بهذا الشعور هذا أمر آخر.
وقال إن تصور الإنسان الأمي للألوهية لا يمكن إلا أن يكون محدوداً وحسياً لأنه لا يستطيع أن يدرك الألوهية بطريقة مجردة. فالعامة لا يدركون حقيقة الألوهية كما يدركها الفلاسفة والعقلاء وغيرهم، وهنا تطرق الى الخلاف بين المعتزلة والأشاعرة وما ذهب إليه كل طرف في تصوره للألوهية، معقباً بقوله: هذا بالنسبة للعلماء فما بالنا بالعامة. المسألة ليست بهذه البساطة. علينا التنبه لمثل هذه القضايا، فنحن نسارع الى إصدار الأحكام وخندقة الناس في فرق: هذا كافر وهذا مشرك، وننسى أن الإيمان مبثوث في كل إنسان. كل ذرة في الكون لها قلب، وكل قلب وله بوصلة وهذه البوصلة اتساعها واحد، لكن الحجب والغيريات والسِّوى تكون صادة عن الوصول الى هذه الحقيقة. طبعاً هناك بدع وخرافات يجب انتقادها. وهذه المؤسسات لا ينبغي أن تترك للعامة فقط بل يجب أن تكون مؤسسات للصلاح (أنا أسميها هكذا) وأن يأتي إليها العلماء ويعطون الدروس فيها فيعيدون إليها الحياة، لأنها تحيا بالعلم وبالسلوك الحقيقي لا بتركها للعامة لتتحول إلى سوق تباع فيها الشموع.
وعن دلالة الخرقة لا سيما الخرقة الخضراء قال إن المربي يرى أن طالب الحقيقة أو السالك يجب أن يرتقي، فينزع خرقته ويلبسه إياها، أي يرقّيه، يخلع من حاله ويلبس حالَه تلميذه. إذا كان حاله القبض فيريد أن يرسلك الى القبض، وإذا كان حاله البسط والمحبة فيخلع عليك من حاله. هي مسألة معنوية لكنهم يجعلون لهذا الخلع صورة حسية. الناس يغرقون في الصور الحسية وينسون المعاني. وما كل إنسان يستطيع أن يتجاوز الصورة الحسية الى المعاني، ولكي يفعل عليه أن يصعد إلى جبل قاف.
وفي إجابة له عن سؤال حول ما إذا كان يفكر بتقديم شيء للتفاهم بين الأديان، قال بن عرفه إن أعماله كلها في هذا الإطار وأن رواية “الحواميم” طرحت هذه المشكلة بقوة حيث عالجت ما واجهه الموريسكيون المسلمون من اضطهاد على يد الكنيسة (محاكم التفتيش) التي اضطهدت في تلك الحقبة التاريخية المظلمة اليهود والمسلمين وحتى البروتستانت، سارداً مسوغات الكتابة عن ذلك مطالباً إسبانيا بالاعتذار للمسلمين لا سيما وأنها هي من قدمت مبادرة تحالف الحضارات. مشيراً إلى أنه يشارك في المنتدى العالمي لتحالف الحضارات، موضحاً أن العمل فيه يتناول أربعة قطاعات للعمل: الشباب، الهجرة، التعليم، الإعلام. منوهاً إلى أن الجانب الروحي مغيب، وأن أوروبا لا تريد أن تطرح مسألة الدين كما لو أن الدين يخيف (بعبع) مع أن الدين شيء جميل في الإنسانية، وأن العولمة تحتاج إلى رَوْحَنة.
بقيت الإشارة إلى أن واحداً على الأقل من الأهداف التي سعى إليها الروائي تحققت مع القراءة وهو ذلك الهدف المتمثل في تقديم نماذج تغير في القارئ على مستوى المعرفة والسلوك، فقد تكررت في مداخلات الحاضرات أن رواية “طواسين الغزالي” فتحت لهن آفاقاً جديدة، وزودتهن بالحماسة والدافعية لتحقيق طموحاتهن حيث وجدن نموذجاً على الإصرار والتحدي في طلب العلم، ودور الإرادة في تحقيق الهدف، فسيرة الغزالي تحفز وتحيي الهمم كما أحيا كتابه علوم الدين.. فيما رأت أخريات أن هذه الشخصية جسدت نموذجاً لحضور السؤال في الثقافة الإسلامية وأن التابوات والعيب والممنوع التي تحيط بالإسلام هشة ولا تصمد أمام المعرفة الحقيقية، وأن ديننا جميل ومنفتح وغني على المستوى الفكري والإنساني والروحي، وأن لدينا ما نقدمه للحضارة المعاصرة إذا أحسنا قراءة الإسلام وفهمه، وأن اللغة العربية لغة رائعة وجميلة وثرية الى الحد الذي يشعر فيه المرء بالخجل من اللغة التي يعبر بها.
ولم تغب الدهشة ولا الاندهاش عن باقي المداخلات التي تطرقت إلى ما تحمله الرواية من إسقاطات تاريخية وسياسية ورموز استخدمها الكاتب بذكاء لتصبح من لب الرواية وتذوب في نسيجها الفني وغير ذلك مما يجعل من روايته “وليمة فكرية رائعة”.

اقرأ أيضا