صحيفة الاتحاد

ثقافة

«جوّع كلبك».. سيرة الجنون والانكسارات في مدينة التيه

 من فيلم «جوّع كلبك» (من المصدر)

من فيلم «جوّع كلبك» (من المصدر)

إبراهيم الملا (دبي)

ضمن عروض أفلام الليالي العربية في الدورة 12 من مهرجان دبي السينمائي الدولي، عاد المخرج المغربي هشام العسري لاستكمال مشروعه الفني الخاص الذي أطلق عليه «ثلاثية الكلاب» ابتداءً من فيلمه: «هم الكلاب» في العام 2011، ثم فيلم: «البحر من ورائكم» 2014، ليعرض لجمهور مهرجان دبي مساء أمس الأول فيلمه الثالث: «جوّع كلبك» ضمن متوالية بصرية مدوخة تستحضر سنوات الرعب والفقر والجنون والعبث التي مرّ بها المغرب العربي خلال العقد الماضي، واختار العسري أن ينقلها في هذه الثلاثية بكامل عريها وقبحها وخيباتها، موظفاً أسلوبه المتفرد في تحطيم الشكل المعياري للصورة السينمائية، وزجّ السياقات السردية الفاضحة والعنيفة في حكايات متشظية ومناخات هاذية ومخدّرة وصادمة أيضاً.

عفوية قاسية
يبدأ فيلم «جوّع كلبك» بمشهد عفوي لامرأة مسنة في أحد شوارع الدار البيضاء، وهي تدعو أن يصاب بلدها بزلزال أو كارثة وشيكة حتى تنتهي مأساة الفقراء والمهمشين أمثالها، ووسط هذه الكلمات الاحتجاجية الحارقة تتسلل كاميرا العسري وسط دخان وغبار المدينة، لتلاحق المجاذيب والمعتوهين في الأزقة والحواري الثملة بالبؤس والفوضى وبنباح الكلاب الهزيلة الضالة، تترصد الكاميرا بداية تلك الفتاة المجنونة التي تضع على أذنيها قرطين من أرجل الدجاج المذبوح، وتستعرض مفاتنها أمام المارة لقاء حفنة من الدراهم، وتظل تتساءل: «متى سيسقط المطر»؟ ووسط مدارات بصرية مهشّمة، وفضاءات سوريالية تترجم نبض المدينة وفوضاها وزحامها، يلجأ العسري للمونتاج الحرّ والقطع العشوائي، وكأن ثمة ألف عين وألف عدسة تتشابك وتنفصل وتتفرق وتلتم كي تعيد توزيع نفسها، مثل موزاييك متنافر عن قرب، ولكنه يبدو في مجمله مترابطاً حدّ العناق الدموي.
وبعد أن يفرغ العسري في الربع الساعة الأولى من الفيلم في رواية سيرة الجنون والانكسارات ضمن مدينة التيه التي يسكنها، يبدأ في نسج خيوط واهية يوزعها على البناء البصري المبعثر للفيلم، ولكنها على المستوى السردي ستكون أكثر تماسكاً واقتراباً من سيرة الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم، وهما إدريس البصري رجل الأمن الشرس في النظام السابق (يقوم بدوره الممثل بنعيسى الجيراري) ومخرجة الأفلام الوثائقية «غيثة» لاحظ ارتباط اسمها بالثيمة الأساسية للفيلم، وهي المطر، والتي تقوم بدورها هنا الممثلة لطيفة أحرار.
تحاول المخرجة أن تعود للواجهة الإعلامية مرة أخرى بعد فترة إحباط وتوقف طويلة، وتسعى لإجراء مقابلة مع البصري الذي حكم عليه بالإقامة الجبرية مدة 15 عاماً، فهو بالنسبة لها سيمثل صيداً ثميناً لتستعيد مكانتها المعروفة، وفي المقابل سيمثل اللقاء بالنسبة للبصري فرصة ذهبية لسرد قصته المنتظرة والمنسية في دهاليز أجهزة الأمن والاغتيالات السرية والسجون المرعبة، ورغم الوقفات المربكة التي يتسبب بها فريق العمل وأجهزة التصوير القديمة والمستهلكة التي تلجأ لها المخرجة الباحثة عن عودة مدوّية، فإن المونولوج الذاتي الذي يرويه البصري سيكون هو عصب الفيلم وعموده الأساس لكشف المستور ولتحويل اعترافاته الذاتية إلى سرديات مؤلمة وذاكرات نازفة تجمع الوضوح اللفظي والتشويش البصري، مع استعادات أرشيفية مؤثرة من زمن السبعينيات، وصولاً إلى زمن الثورات الزائفة والمنطفئة منذ أربع سنوات، واستطاع العسري في هذا الشريط المتوتر أن يختم ثلاثيته بمنتوج فني خاص ومختلف في المشهد السينمائي العربي، كما استطاع أن يخلق له جمهوراً نوعياً بات ينتظر وبشغف مفاجآته البصرية المدهشة، وكادراته الموغلة في التجريب وكسر الأطر السينمائية السائدة.

ثمرة الخطيئة
وضمن عروض السينما العالمية، قدم مهرجان دبي فيلماً سبقته شهرته وصداه الخاص في المهرجانات الدولية، وهو فيلم «الابنة» للمخرج الأسترالي سايمون ستون، الذي قدم عدة أفلام مهمة في السنوات الفائتة مثل «لمّ الشمل» المتعدد الفصول، وفيلم «العودة» 2013، وكان أخرج في العام 2011 النسخة المسرحية من رواية هنريك أبسن: «البطة البرّية» التي استقى منها مادة فيلمه الأخير «الابنة».
تقع أحداث الفيلم في إحدى المناطق الريفية الهادئة بأستراليا، والتي تضم عدداً قليلاً من السكان حيث يعمل أغلب رجالها في تجارة الأخشاب، وتحديداً في مصنع يمتلكه أحد الأثرياء (الممثل جيفري رش) الذي يقرر فجأة إغلاق المصنع ما يتسبب في إفساد خطة بعض الأسر للاستقرار في البلدة، وعندما يبدي الثري هنرى رغبته في الزواج من مدبرة منزله، يدعو ابنه المغترب في نيويورك كريستيان (الممثل بول شنايدر) لحضور حفل الزفاف، ولكن هذه العودة المتأخرة ستحمل معها نتائج كارثية، وستبعث فضائح وأسراراً قديمة حاول الجميع دفنها ونسيانها، وخصوصاً ما يتعلّق بأسرة العامل أوليفر (الممثل إيوان ليسلي) الذي يعيش حياة هانئة وسعيدة مع زوجته شارلوت (ميريندا أوتو) وابنته الوحيده هيدفيغ (أوديسا يونغ) بالإضافة إلى والده والتر (سام نيل)، حيث يبدأ الابن العائد في البحث عن أسباب انتحار والدته، ويدخل في جدال عنيف مع والده بسبب إهماله لها، وفي حفلة زواج والده يفرط كريستيان في الشرب ويصارح والد هيدفيغ بسر خطير يتعلق بابنته، باعتبارها ثمرة خطيئة لعلاقة آثمة جمعت بين زوجته شارلوت ووالده الثري، وسيحيل هذا الخبر الصادم البلدة الهادئة إلى فوضى عاطفية منهكة، ستصيب الجميع بشرورها وويلاتها، لتختتم الصدمات المتراكمة بمحاولة الابنة الافتراضية هيدفيغ الانتحار ببندقية صيد، ومع هذه الخاتمة المأساوية يضع المخرج عدة احتمالات مفتوحة حول مصير الابنة ومصير العلاقات الممزقة والمدمرة بين كل المحيطين بها، أما السؤال الأهم الذي يراود كل من يشاهد الفيلم، فهو: هل كان من الأفضل أن يبوح كريستيان بالحقيقة، أم أن يقبر السر في أعماقه، ويترك حياة العائلة تمضي على طبيعتها، وكأن شيئاً لم يحدث؟
ورغم الأداء القوي والمتقن للممثلين وخصوصاً أداء الممثلة أوديسا يونغ في دور الابنة، فإن الفيلم لم يغادر خطه السردي الأفقي، والذي جعل معظم الأحداث المتعاقبة للحكاية رهناً لتوقعات محتملة في ذهن المشاهد، كما أن المعايير الأخلاقية التي أكّد عليها الفيلم، ظلت محصورة في ردّات الفعل الظاهرية للممثلين، ولم يتم الاشتغال عليها بعمق واستلهام حقيقي للمضمون القيمي والفلسفي في مسرحية (إبسن) التي اعتمد عليها المخرج لتوليف البنية الدرامية للفيلم.