الاتحاد

الاقتصادي

دبي عاصمة اقتصادية «استثنائية»

مقر مركز دبي للسلع المتعددة (الاتحاد)

مقر مركز دبي للسلع المتعددة (الاتحاد)

مصطفى عبدالعظيم (دبي)

استطاعت دبي على مدار العقود الخمسة الماضية أن تحجز موقعها ضمن أبرز عواصم المال والأعمال في العالم، لاسيما بعد أن شيدت بنية تحتية عالمية المقاييس، وهيأت بيئتها الاستثمارية لجذب أكبر الشركات العالمية المتعددة الجنسية التي تسابقت خلال العقدين الماضيين فقط على أن تحجز لها موقعاً في هذا الاقتصاد الديناميكي الذي يوفر لها فرصاً أكبر في النمو والتوسع خارج نطاقاتها الجغرافية المحدودة.
وجذبت أرقام النمو المتسارع لاقتصاد دبي خلال العقود الماضية أنظار العالم لتتحول في فترة قصيرة بوصلة الاقتصاد العالمي لأول مرة إلى منطقة الشرق الأوسط للاستفادة من الفرص التي يولدها ذلك الاقتصاد الناهض، حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 6% سنوياً خلال الفترة ما بين 1975 و1990، حتى بلغ نحو 9% حتى العام 2005، قبل أن يتراوح بين 4 و5% خلال العقد الماضي الذي مر خلال الاقتصاد العالمي بأسوأ أزمة مالية منذ عقود طويلة، لكنه وعلى الرغم من هذه الأزمة نجح اقتصاد دبي في تحويلها إلى فرص وحافظ على معدل نمو تجاوز في مجمله نمو الاقتصاد العالمي.

التجارة الخارجية
ووفقاً لأحدث تقرير اقتصادي لإمارة دبي حلت الإمارة المرتبة الرابعة في العالم كأكثر الاقتصاديات انفتاحاً على التجارة الدولية والمرتبة الأولى خليجياً وعربياً في الانفتاح على التجارة الخارجية، حيث بلغ مؤشر الانفتاح التجاري في دبي 321% (أي قيمة الصادرات والواردات وإعادة التصدير منسوبة إلى الناتج المحلي الإجمالي).
وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لدبي 389.4 مليار درهم في عام 2017 بزيادة مقدارها 2.8 % بالأسعار الثابتة عن مستوى 378.8 مليار درهم المسجل في عام 2016 وفي المقابل حقق اقتصاد الإمارات ككل معدل نمو أقل وبنسبة 0.8 % مما يبرز أهمية القاعدة الإنتاجية المتنوعة لدبي والتي ساعدت الإمارة على احتواء تأثير انخفاض أسعار النفط وكذلك الأوضاع الاقتصادية المجاورة في المنطقة.
وفيما تعكس هذه الأرقام أن اقتصاد دبي مستمر في مسيرته التنموية الطموحة نحو التميز وترسيخ مكانته كمركز للمال والأعمال على مستوى المنطقة والعالم، تعود قدرة اقتصاد دبي على تحقيق هذا الإنجاز إلى متانة الأسس التي يقوم عليها وقدرة الحكومة على تبني سياسات اقتصادية ناجحة لتحفيز الأنشطة الاقتصادية المختلفة كما ساعد في ذلك كون دبي قد عززت انفتاحها على العالم وطورت شبكة علاقاتها وشراكاتها مع العديد من دول المنطقة والعالم مما يزيد من تدفق الاستثمارات في الإمارة والتجارة الخارجية، وعدد الزائرين الدوليين القادمين إليها.
ويبقى السبب الرئيس في هذه النهضة الاقتصادية لدبي وجود صانع لها يمتلك رؤية ثاقبة للمستقبل ويستطيع أن يطوع ما يملكه من أدوات لتحويل التحديات إلى فرص وقهر المستحيل الذي لا يوجد أساساً بين مفردات رؤيته، إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي تصبو رؤيته دوماً إلى الارتقاء بمعدلات الرفاه لأفراد المجتمع وتعزيز مكانة الإمارة على خريطة التنافسية العالمية.
وفي ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية القائمة في المنطقة وتأثيراتها على أداء اقتصاد دبي والإمارات ككل فإن كافة المؤشرات تشير إلى قدرة دبي على مواصلة مسيرة النمو تدعمها سلسلة المبادرات الاستراتيجية التي أطلقتها حكومة دبي خلال العامين الماضين كدبي المدينة الذكية استراتيجية الابتكار الاقتصاد الإسلامي وغيرها إلى جانب تنفيذ المشاريع الضخمة في البنية التحتية في إطار التحضيرات لاستضافة المعرض الدولي «إكسبو دبي 2020» إلى جانب المبادرات التحفيزية التي أطلقتها حكومة دبي في أبريل 2018 الهادفة إلى تعزيز الإنتاج المحلي وتحسين بيئة الأعمال وجعلها أكثر كفاءة وجاذبية لترسيخ مكانة دبي على الساحة العالمية.

الصيرفة الإسلامية
وحققت دبي رقماً قياسياً في الصيرفة الإسلامية، حيث بلغ إجمالي القيمة الاسمية لجميع الصكوك المدرجة في أسواقها 217.334 مليار درهم، وهو ما يجعل من دبي صاحبة أعلى قيمة إصدار للصكوك الإسلامية المدرجة في الأسواق بالعالم ويعد قطاع النقل والتخزين ثاني أكبر مساهم في الناتج المحلي الإجمالي لدبي بنسبة 11.8% في 2017 كما تساهم الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بنسبة 4.1 %.
وتعد شبكة طرق الإمارة الأفضل على مستوى العالم من حيث السلامة والكفاءة، كما تعد دبي موطناً لاثنين من أفضل مطارات العالم من حيث الكفاءة وجودة الخدمات فيها ويعتبر مشروع مطار آل مكتوم الدولي هو جزء من مركز «دبي وورلد سنتر» الذي يعد أحد أكبر مشروعات النقل الجوي في دبي، ويتضمن إنشاء أوّل مدينة طيران متكاملة في العالم.
وصاحب النمو المحقق في الناتج المحلي الحقيقي لدبي معدلاً سنوياً منخفضاً لتضخم الأسعار بلغ 2.1 % في عام 2017 مقارنة بمعدل تضخم بلغ 2.91 % في العام 2016 ويأتي هذا الانخفاض الإيجابي في معدل التضخم إلى تراجع المعدل السنوي لزيادة الأسعار في قطاعات عدة، ومنها السكن والمياه والكهرباء من 4.5 % في عام 2016 إلى 0.9% في عام 2017.

التجارة الخارجية
وفيما يتعلق بالتجارة الخارجية السلعية لدبي فقد بلغ إجمالي قيمة تجارة دبي الخارجية السلعية غير النفطية 1.3 تريليون درهم في عام 2017 وتعكس تلك القيمة زيادة طفيفة بنسبة 2.0 %عن قيمة في عام 2016 وتعتبر هذه الزيادة تعافي في قيمة تجارة البضائع بعد عامين من التراجع الذي يعود في جزء كبير منه إلى ضعف الطلب في الدول المجاورة من جراء انخفاض أسعار النفط وتراجع النمو فيها وواصلت قيمة تجارة دبي الخارجية في الارتفاع في النصف الأول من عام 2018، فضلاً عن زيادة ملحوظة في قيمة إعادة التصدير بنسبة 14% عن النصف الأول من عام 2017.
ومثلت تجارة دبي مع الشركاء التجاريين الأربع الأولى، وهم الصين والهند والولايات المتحدة والسعودية نحو ثلث تجارة دبي الإجمالية وتربعت الصين على المركز الأوّل كأكبر شريك تجاري لدبي للعام الثاني على التوالي وبعدها جاءت الهند التي ظلت هي الشريك التجاري التقليدي الأكبر لدبي لسنوات طويلة كذلك بلغت تجارة دبي مع دول مجلس التعاون الخليجي 127 مليار درهم وبزيادة تقارب 10% في عام 2017 وتمثل إعادة التصدير الحصة الأكبر بنسبة 53% من مجموع تجارة دبي مع الدول الخليجية الأخرى.
وتعد معدلات نمو قطاع السياحة من أعلى المعدلات بين القطاعات الاقتصادية، حيث نما بحوالي 8% في عام 2017 مقارنة بنسبة 2.5% في عام 2016، وقد ساهم هذا القطاع بنسبة 5% من الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي في عام 2017 ومن المتوقع أن يستمر القطاع في النمو خلال السنوات القادمة التي تسبق معرض «إكسبو 2020»، وكذلك خلال فترة إقامة المعرض الذي سيستمر لمدة 6 أشهر من أكتوبر 2020 وحتى أبريل 2021، كما أنه من المتوقع إضافة أكثر من 270 ألف وظيفة جديدة في قطاعات الاقتصاد المختلفة نتيجة لإقامة المعرض والأنشطة المصاحبة له وسيكون لقطاع الفنادق والمطاعم نصيب كبير من القيمة التي سيضيفها المعرض خلال مدة إقامته.

الجملة والتجزئة
ويعد قطاع تجارة الجملة والتجزئة أهم نشاط في القطاع الخدمي بدبي وفي عام 2017 كانت تمثل القيمة المضافة لهذه التجارة 26.6% من الناتج المحلي الإجمالي (بالأسعار الثابتة)، ولقد تطور قطاع تجارة الجملة والتجزئة على مر السنين نتيجة عوامل عديدة مثل إنشاء بنية تحتية حديثة ومتينة وقنوات توزيع فعالة للإمارات المجاورة والتحضر السريع وانتقال مراكز التسوق إلى ضواحي المدن بدلاً من التركز في وسط المدينة، ويستكشف هذا الفصل نقاط قوة تجارة التجزئة في دبي والتحديات التي تواجهها بجانب ارتباطها المهم بقطاع السياحة. وتحتل دبي مكانة مرموقة على خريطة السياحة وتجارة التجزئة العالمية حيث توفر الشراء والتسوّق بتواجد حوالي 62% من العلامات التجارية لتجارة التجزئة بالعالم وتحتل مكانة أعلى من كل من شنغهاي ولندن وأبوظبي وباريس كمقصد للمتسوقين الباحثين عن ماركات عالمية فاخرة.
وبخصوص القطاع المصرفي والمالي في دبي قدمت الأنشطة المصرفية والتأمين وأسواق رأس المال ثالث أكبر مساهمة بين القطاعات في الناتج المحلي الإجمالي لدبي في عام 2017 بقيمة مضافة بلغت 40.5 مليار درهم أو 10.1% من الإجمالي ويحتل مركز دبي المالي العالمي الذي تأسس في عام 2004 موقعاً استراتيجياً متميزاً في منتصف المسافة الزمنية بين المراكز المالية العالمية في لندن ونيويورك في الغرب وسنغافورة وهونج كونج في الشرق وقد احتل مركز دبي المالي العالمي في مؤشر المراكز المالية العالمية (GFCI) لعام 2018 المرتبة الخامسة عشرة من أصل 110 مركزًا مالياً على مستوى العالم، بعد أن كان في المرتبة الثامنة عشرة في عام 2016.
وعادت بنوك دبي إلى مسار النمو في عام 2017 في ضوء زيادة القروض والودائع مع الحفاظ على مستويات عالية من الرسملة ممثلة في نسب كفاية رأس المال ونسب كفاية الشريحة الأولى من رأس المال وارتفع العائد على حقوق المساهمين في بنوك دبي بنسبة 19 % ليصل إلى 12.0 % في عام 2017 بعد أن كان 10.1 % في عام 2016.

الصناعات التحويلية
تمثل الصناعات التحويلية أحد قطاعات التوظيف الأساسية للقوى العاملة في دبي سواء أكان ذلك في عمليات التصنيع مباشرة أو في العمليات المتعلقة بالصناعة، وبلغ ناتج الصناعات التحويلية (بالأسعار الثابتة) 36.8 مليار درهم في عام 2017، مسجلاً زيادة بنسبة 2% عن عام 2016 وتصل مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي نسبة 9.4%.
ودخلت الاستراتيجية الصناعية لدبي 2030 عامها الثاني من التنفيذ؛ بهدف تعزيز القدرة التنافسية العالمية للقطاعات الصناعية، وجعلها محركاً قوياً للنمو الاقتصادي، وتتمثل الأهداف الرئيسة للاستراتيجية في تحويل قطاع دبي الصناعي ليصبح قائماً على الابتكار وموطناً مفضلاً للشركات العالمية ومستداماً من الناحية البيئية ويدعم الاقتصاد الأخضر ومتوافقاً مع المعايير الإسلامية لتصنيع منتجات «حلال»، والإسهام في تحقيق هدف دبي المتمثل في أن تصبح عاصمة الاقتصاد الإسلامي.

اقرأ أيضا

73.4 مليون مسافر عبر مطارات الـدولة في 7 أشهر