صحيفة الاتحاد

ثقافة

اللبناني فولادكار يقدم الكوميديا السوداء «بالحلال»!

مشهد من فيلم «بالحلال» (من المصدر)

مشهد من فيلم «بالحلال» (من المصدر)

إبراهيم الملا (دبي)

«بالحلال»، هو عنوان الفيلم الذي قدمه المخرج اللبناني أسد فولادكار في خامس أيام الدورة 12 من مهرجان دبي السينمائي الدولي، وسط حضور عربي وأجنبي حاشد استعاد معه مخرج فيلم: «لمّا حكيت مريم» نبض وحرارة وخصوصية الكانتونات الوهمية والانتقائية في بلده لبنان، تلك الكانتونات التي خلقتها العزلة الاختيارية ـ إذا صح التعبير ـ ضمن روابط ثقافية ودينية متشابكة، وداخل بيئات منسجمة ظاهرياً، اختارت لنفسها عقداً اجتماعياً ملزماً ومتفقاً عليه، يحدّد الأطر المتعلقة بالزواج والطلاق، وحتى بالحب في حدوده المسموحة والمتاحة، والأخرى المصادرة والمغضوب عليها.
تتوزع المادة الحكائية للفيلم على ثلاث شخصيات نسائية: لبنى وبتول وعواطف، حيث تلاحق كاميرا فولادكار التفاصيل الخفية والهامشية في حياتهن، وتناور اللقطات المكثفة والأخرى العابرة في منطقة الأسرار والمسكوت عنه داخل تلك المساحات العاطفية المغيبة خلف التابو الاجتماعي والإرث الديني.
فبتول المتزوجة حديثاً تعاني عصبية زوجها وغيرته المبالغ بها، وغالباً ما ينتهي عراكهما الشرس بالطلاق وأمام سكان البناية التي يقطنانها، وبعد حادثة الطلاق الثالثة والتي لا يمكن بعدها أن يجتمعا حسب التعاليم الإسلامية، يبحث طليقها عن زوج مؤقت لإنهاء الإشكال الصارخ والمعقد هذه المرة، ورغم الحب العميق والمتأجج بينهما، إلا أن المحاولة الأخيرة تفشل تماماً، وتتبخر أشواق بتول في ضباب ودخان الحياة دون أمل في العودة إلى المحطات الأولى والحالمة لأية فتاة في عمرها.
أما لبنى المطلقة التي تحلم بالهجرة إلى أستراليا، فتجد في الطلاق فرصة للاندفاع نحو حبها المتخيل والمؤجل مع بائع الفواكه الوسيم (عبدالله) والتي ظلت تحتفظ بحضوره في أحلام اليقظة، ولأنه مرتبط بعائلته زوجته الأولى، يقرر الاثنان الزواج بالسر ولفترة محددة، قبل أن تكتشف أن الوهم الناعم للحب لا يمكن أن ينسجم مع الملمس الخشن للزواج، فتقرر الانفصال مرة أخرى والتعايش مع خيباتها المضاعفة بعد رفض تأشيرتها إلى أستراليا، ودخولها في مغامرة ذاتية جديدة رغم ضغط الواقع وجموده.
الشخصية النسائية الثالثة التي تناولها الفيلم هي عواطف المرأة المحافظة التي تعيش مع زوجها وابنتيها ضمن روتين يومي مرهق، ويزداد هذا الإرهاق ليلاً مع نزوات زوجها المكررة، وحاجاته الجسدية اليومية والمبالغ بها، ما يضطرها في النهاية إلى اقتراح حل غريب لإنهاء مشكلتها المزمنة مع زوجها، ويتمثل الحل في تزويجه بامرأة ثانية، تقوم هي باختيارها، ولكن الغلبة في النهاية ستكون لغيرتها الفطرية، بعد أن تستحوذ الوافدة الجديدة على اهتمام زوجها وطفلتيها، وبعد تيقّنها من خسارة موقعها السابق، رغم المسوغات الدينية التي قدمتها لزوجها، وبررت بها سابقاً شرعية زواجه من امرأة ثانية.
ومع شيوع المساحات الداكنة في قصص تلك النسوة، إلا أن الفيلم قدم هذه المساحات بنكهة فكاهية لاذعة، ومن خلال مشاهد حميمية وتعابير شعبية جريئة وغير معتادة في السينما العربية، ولم يخل الفيلم أيضاً من لقطات بانورامية للمناطق الجنوبية والأحياء الهامشية الفقيرة في لبنان، وكأن بالمخرج أراد في إغفاءة من الحنين، ترميم تلك الذاكرة العمرانية الأنيقة واللامعة، التي انهدمت ذات حرب، وذات جنون طائفي.
وكشف الفيلم عن بساطة وعفوية سكان هذه المناطق، ليقول لنا أن المظهر الديني الطاغي على سكان هذه المناطق، هو مجرد واجهة انطباعية قد تبدو صارمة، ولكنها تخفي وراءها الكثير من الطيبة والمرح والفكاهة، والكثير أيضاً من الدموع والآلام والانكسارات، إنها الحياة أيضاً بكل تناقضاتها المحفوفة بالموت والميلاد والفراق واللقيا والضحكة والوجع.

ألف اختراع واختراع
وكان مهرجان دبي السينمائي قد احتفى قبل عرض الفيلم، بالنجم المصري والعالمي الراحل عمر الشريف، بعرض آخر إطلالة له على الشاشة، وآخر عمل فني له من خلال فيلم «ألف اختراع واختراع، عالم ابن الهيثم» للمخرج السعودي أحمد سالم، المقيم في بريطانيا، وشارك في تنفيذه جهات ومؤسسات عدة كبرى مثل منظمة اليونيسكو، وناشونال جيوغرافيك، ومركز الملك عبدالله للثقافة العالمية.
الفيلم عبارة عن شريط قصير لا يتجاوز العشرين دقيقة، ويتناول في معالجة بصرية تجمع بين الفيلم الوثائقي وأفلام التحريك، جانباً من نظريات واختراعات العالم والفيلسوف الشهير الحسن ابن الهيثم في القرن الحادي عشر، ورغم متاعبه الصحية، يظهر عمر الشريف مفعماً بالحماس والحيوية خلال دقائق خاطفة من زمن الفيلم، وكان لحضوره ـ كما أشار المخرج أحمد سالم عند تقديمه للفيلم ـ أثراً إيجابياً كبيراً على طاقم العمل، نظراً للكاريزما الأدائية الخاصة التي كان يتمتع بها، ولرغبته الكبيرة في استحضار القامات العلمية والثقافية في التاريخ الإسلامي، وكما أوضح مخرج العمل، فإن الشريف قال للمشاركين في العمل: «الكثيرون لا يعلمون أنني درست علم الفيزياء قبل الخوض في مجال التمثيل، لذا فتكريم ابن الهيثم يعد أمراً شخصياً مميزاً بالنسبة لي»، مضيفاً: «أتمنى أن يشعل هذا الفيلم التعليمي أمل الشباب العرب في الإبداع ومتابعة أحلامهم».
يتناول الفيلم في مشاهده الأولى المحنة التي عاشها ابن الهيثم مع الطبقة العلمية في مجتمعه عندما أراد أن يثبت أن الضوء يأتي من الأجسام إلى العين، على عكس التصور التقليدي في ذلك الزمن، حيث كانت العين حسب النظريات القديمة، خصوصاً اليونانية أن العين هي التي تعكس ضوءها على الأشياء.
ويظهر الفنان عمر الشريف في المشاهد الواقعية التي تفصل بين صيغة الرسوم التخيلية في الفيلم، ليشرح لحفيدته الطرائق العلمية الاستثنائية التي قدمها ابن الهيثم للعالم.
وفي مشاهده التالية، يستعرض الفيلم المحنة الثانية التي عاشها ابن الهيثم عندما استدعاه الخليفة الفاطمي ـ الحاكم بأمر الله ـ إلى مصر كي يطبق أفكاره النظرية للتحكم في فيضانات نهر النيل، ولأن الوسائل المتاحة لم تسعفه حينها في تنفيذ أفكاره، عدل ابن الهيثم عنها فجأة وادعى الجنون، خوفاً على حياته، فأجبر على الإقامة في منزله، واستفاد من هذه العزلة القسرية في إجراء تجارب كثيرة، أثبت فيها نظريته حول سلوك الضوء، ووضع أول مبادئ اختراع الكاميرا.