الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

ميشيل أونفري.. "شمشون" الفلسفة

ميشيل أونفري.. "شمشون" الفلسفة
21 فبراير 2019 00:30

لا أستخدم كلمة مشاغب هنا بالمعنى السلبي للكلمة، وإنما بالمعنى الحيادي أو حتى الإيجابي. فهذا الرجل يتجرأ على تحدي الجميع تقريباً في الساحة الباريسية بشجاعة نادرة، ولا أحد يتجرأ على مناظرته على شاشات التلفزيون. إنه بطل، شمشون الجبار.

لا أتفق مع ميشال أونفري فكرياً أو فلسفياً بسبب إلحاده المادي المطلق والمتغطرس بل وحتى العدواني. إنه يهاجم المسيحية، دين آبائه وأجداده، بشكل رهيب وغير مسبوق. ويهاجم جميع الأديان الأخرى، ولكن هوسه وتركيزه ينصبان على المسيحية الكاثوليكية التي نشأ فيها وترعرع. نقول ذلك على الرغم من أن الأصولية المسيحية انتهت نهائياً في فرنسا ولم تعد تهدد أحداً كما كان عليه الحال في القرون السابقة أيام موليير وفولتير. لم تعد هناك محاكم تفتيش ولا اغتيالات باسم الدين. والأخوان المسيحيون تواروا عن الأنظار ولم يعد لهم من وجود. بل إن المتدينين في فرنسا هم الخائفون وليس العكس. فلماذا يضيّع وقته في محاربة طواحين الهواء؟ لطالما طرحت على نفسي هذا السؤال. لماذا يبذل كل هذه الجهود في ثقب أبواب مفتوحة؟ أعتقد أنه هنا يكمن خطأه الكبير. ولكن لا يمكنك أن تنكر أنه مطّلع جيد على تاريخ الفلسفة منذ البداية وحتى اليوم. يضاف إلى ذلك أنه ذو أسلوب بارع في الكتابة. ومن يعرف اللغة الفرنسية أو يتذوقها جيداً لا بد أن يستمتع بقراءته.

المنقذ؟
قبل أسبوعين أو ثلاثة أصدر أونفري كتاباً ضخماً بعنوان: «حكمة». وفيه يثني على الحضارة الرومانية التي سبقت المسيحية ثناء جماً. وينتهز الفرصة مرة أخرى لتوجيه ضربات موجعة إلى الديانة المسيحية التي خلفتها وحلت محلها. فالحضارة الرومانية الوثنية تعجبه كثيراً بل ويعتبرها أفضل من الحضارة اليونانية التي سبقتها والتي كانت وثنية أيضاً. وهذا موقف معاكس للرأي الشائع في الغرب. «فالمعجزة اليونانية» تعجب الكثيرين هنا وإليها ينتسب الغرب وبها يفتخر على العالم كله كما نفتخر نحن بالعصر الذهبي الذي كان متأثراً جداً بها. لا ريب في أن الغرب يفتخر أيضاً بالحضارة الرومانية، ولكنه لا يعتبرها متألقة فكرياً وفلسفياً وثقافياً كالحضارة اليونانية التي أنجبت العباقرة من أمثال، سقراط وأفلاطون، وأرسطو وعشرات سواهم.
لكن لنعد إلى نقطة البداية. في العام الماضي أصدر كتاباً ضخماً من حيث الحجم عن الانحطاط الفرنسي أو الغربي. واليوم يصدر كتاباً ضخماً أيضاً عن البديل: ألا وهو العودة إلى الحضارة الرومانية. بمعنى آخر فإن الرجل يطرح نفسه كمنقذ للحضارة الفرنسية من خطر الانحطاط والزوال. إنه يطرح نفسه كأحد فلاسفة التاريخ تماماً مثل هيغل. ولكن هل يستطيع حقاً أن يرتفع إلى مستوى هيغل؟ أمر مشكوك فيه جداً. فكتابه عن الانحطاط ضعيف في أطروحاته الأساسية بل ومتهور ومتطرف ومنحاز ولا يصمد أمام الامتحان. وعلى أي حال فالإنقاذ أصبح مستحيلاً في نظره لأن الحضارة الغربية اليهودية ـ المسيحية تعيش آخر لحظات حياتها بحسب رأيه وسوف تلفظ أنفاسها قريباً. إنها الآن في حالة موت سريري ولم يبق لنا إلا أن نغرق بكل أناقة ونموت معها. يقول: كلنا يعرف الأهرامات المصرية، والمعابد اليونانية، والميادين الرومانية. وكل هذه الآثار العظيمة أكبر شاهد على أن الحضارات ليست خالدة وإنما مرشحة للموت والانقراض. إنها حضارات سادت ثم بادت. وحضارتنا اليهودية ـ المسيحية التي عمرها ألفان من السنوات لن تنجو من هذا القانون التاريخي الذي يتحكم بنشوء الحضارات وازدهارها ثم بلوغها الذروة قبل انحدارها وانحطاطها وموتها. وهذا الكتاب ليس متفائلاً ولا متشائماً وإنما هو تراجيدي. والأمر لا يتعلق بأن نضحك أو نبكي وإنما أن نفهم كما يقول سبينوزا.

فذلكة
الشيء المدهش هو أنه دائماً يتحدث عن الحضارة اليهودية ـ المسيحية في حين أن المؤرخين يدعونها بالحضارة الهيلينية ـ المسيحية أو الحضارة اليونانية ـ الرومانية ـ المسيحية. هذه هي الحضارة التي سيطرت على الغرب. وهذه هي التسمية الصحيحة تاريخياً. فلماذا يحشر اليهود في الموضوع في حين أنهم كانوا منبوذين ومضطهدين من قبل المسيحيين وسواهم؟ وهو نفسه يقول في ذات الكتاب بأن المسيحيين مارسوا معاداة السامية على مدار ألفي سنة حتى توج هذا الاضطهاد كله بالمحرقة النازية. لاحظوا هذه الفذلكة الغريبة. هل يعقل ألا تكون المسيحية قد فعلت شيئاً على مدار التاريخ إلا اضطهاد اليهود المدان حتماً بطبيعة الحال؟ أليست لها إنجازات وكاتدرائيات وثقافات ومؤلفات لاهوتية ضخمة؟ يضاف إلى ذلك أن الحضارة المهيمنة على الغرب حالياً بل ومنذ مائتي سنة هي الحضارة العلمانية لا المسيحية. بعد انتصار التنوير والثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر لم تعد المسيحية تحكم الغرب إطلاقاً. فلماذا إذن يتحدث عن موت الحضارة اليهودية ـ المسيحية؟ هذه الحضارة ماتت وشبعت موتاً منذ مائتي سنة يا سيد أونفري! ألم يقل نيتشه منذ القرن الماضي صارخاً: لقد مات الإله المسيحي القديم؟ بمعنى: ماتت الأصولية المسيحية في أوروبا وحلت محلها الفلسفة الوضعية المادية الإلحادية. كل هذا يضعف من أطروحة الكتاب المركزية.
ولكن كلامه ليس خاطئاً على طول الخط. فهناك أحياناً أفكار صحيحة ولمعات وإضاءات لا تنكر. نضرب على ذلك مثلاً إدانته للفلسفة العدمية المهيمنة على الغرب حالياً. فهو يرى أن القوانين والتشريعات «ما بعد المسيحية» حررت ممارسة الجنس من عبء الإنجاب والحب وتشكيل العائلة. وكل هذا أدى إلى الانهيار الديمغرافي في أوروبا. وفي ذات الوقت فإن الشعوب الإسلامية تتكاثر ويتزايد عددها وبالتالي فسوف تنتصر علينا لا محالة. وهذا يعني أن الماضي لنا ولكن المستقبل لهم. بمعنى آخر: نحن دخلنا التاريخ وشبعنا دخولاً حتى استنزفت طاقاتنا وأما هم فلا يزالون على عتبته وسوف يدخلونه عما قريب. لقد شاخت الشعوب الأوروبية وابتدأ عهد الشعوب العربية والإسلامية. وهذا صحيح. ثم يقول بأن الغرب يعاني فراغاً روحياً هائلاً لأنه لم يعد يعيش إلا على فلسفة الإشباع المادي والاستهلاك الشهواني. هذا في حين أن وضع المسلمين مختلف. نحن نمتلك الفلسفة العدمية الخاوية روحياً، وهم يمتلكون حرارة الإيمان. نحن فقدنا روحنا وأصبحنا شعوباً منهكة، وهم في أوج حماستهم وحيويتهم. نحن نعيش لاصقين باللحظة الحاضرة المحضة، وهم يعانقون الأبدية والخلود.

تناقض
حلو. جميل. أسلوب رائع. الرجل كاتب من الطراز الأول. أليس هو تلميذ نيتشه، مثله الأعلى؟ ولكن هنا أيضاً نلاحظ تناقضه وعدم مصداقيته. فهو يقدم نفسه صراحة على أساس أنه من تيار مذهب المتعة والشهوانيات المادية والإلحادية المحضة. ولا يعترف بأي شيء خارج المتع الحسية والشهوات كهدف أعلى في الحياة. بمعنى آخر فإنه ينتمي إلى ذات الفلسفة العدمية التي يدينها هنا. أتحداه أن ينتقد مذهب الشذوذ الجنسي الذي يضرب بأطنابه في الغرب حالياً. أتحداه أن يقول كلمة واحدة ضده. هنا تتوقف جرأة ميشيل أونفري وشجاعته الباسلة. والسبب هو أن اللوبي الشذوذي قوي جداً في باريس ويستطيع أن يهدده ويوقفه عند حده. وماذا تعني الفلسفة العدمية إن لم تكن فلسفة الشذوذ الجنسي أو وضع الشذوذ على قدم المساواة مع الجنس الطبيعي. العدمية تعني أن كل شيء يتساوى مع كل شيء ولا شيء أفضل من شيء. هذه هي الفلسفة العدمية التي تهيمن على الغرب حالياً. لحسن الحظ فهناك مقاومة باسلة لها من قبل شرائح واسعة من المجتمع الفرنسي. أنظر تكتل «المظاهرات للجميع» مقابل تكتل «الزواج للجميع»، ولكن عندما تجرأ آلان ديلون وقال هذه العبارة: يا جماعة نحن وجدنا على هذه الأرض لكي نحب المرأة ونعشقها لا لكي نحب الرجال من أمثالنا، فإذا به يرتكب جريمة! وإذا بهم ينفجرون في وجهه دفعة واحدة ويلقمونه حجراً ويسكتونه ويخرسونه. حتى ابنته «أنوشكا» انفجرت في وجهه قائلة: بابا أنت شخص قديم عفا عليك الزمن. العالم تطور وأنت لا تستطيع التطور. فسكت المسكين ولم يعد يتفوه بكلمة واحدة. فإذا كان آلان ديلون، أسطورة السينما الفرنسية، قد هُزم أمام هذا التيار الجارف فما بالك بالآخرين؟
ثم نطرح هذا السؤال: هل تجرأ السيد ميشيل أونفري على نقد قانون الزواج للجميع، أي زواج المثليين ووضعه على قدم المساواة مع الزواج بين الرجل والمرأة؟ أبداً لا. لقد كان من مؤيديه مع الكثيرين من المثقفين الفرنسيين ولكن ليس كلهم لحسن الحظ. هنا يكمن انحطاط الغرب يا سيد أونفري. وهذا هو السبب الذي سيودي بالغرب وحضارته. استئجار بطون الأمهات من قبل الشواذ مقابل عشرين ألف يورو بغية الحصول على أطفال سوف يدق عرش الحضارة الغربية. الأطفال تحولوا إلى سلعة للبيع والشراء في بلاد الحضارات الراقية، ثم يسحبون الطفل من أمه بسرعة لكيلا تتعلق به! عندما قرأت ذلك جنّ جنوني. وعندما يكبر هذا الطفل المسكين لن يعرف من هي أمه ولا ما هو أصله وفصله. ثم يصفون ذلك بالعائلة الحديثة أو عائلة ما بعد الحداثة!! وضع مشوّه غريب الشكل. شيء يتجاوز كل عقل وكل منطق ويدل على أن هذه الحضارة على طريق الأفول والاندثار إذا استمرت الأمور على هذا النحو. أعرف أنك شخصياً ضد هذا الانحراف الخطير يا ميشيل أونفري. وهذا شرف لك. ولكنك لست ضد الشذوذ الجنسي، ولا ضد أن يتبنى الشواذ الأطفال المهجورين. شيء عجيب! بإمكانك أن تشتم البابا أو أي رمز ديني، ولكن ليس بإمكانك أن تنتقد الشذوذ الجنسي أو تناقشه مجرد مناقشة. والسيد أونفري ذاته ينكر وجود المسيح تاريخياً ويعتبره مجرد أسطورة خيالية ليس إلا، ولكنه لا يستطيع أن ينكر مشروعية الشذوذ الجنسي. وهذا يعني أن المقدس الغربي لم يعد الإنجيل ولا السيد المسيح ولا حتى ديكارت وفولتير وفلسفة الأنوار العقلانية وإنما فلسفة الشهوة الإباحية التي لا ضابط لها. هذا هو المقدس الأعظم في الغرب حالياً: إنه الشذوذ الجنسي. ومن ينتقده يباح دمه! والآن أصبحوا يتحدثون بكل وقاحة عن الزواج التقليدي/‏ والزواج الحديث، وعن العائلة التقليدية/‏ والعائلة الحديثة. وذلك باعتبار أن الزواج التقليدي يعني زواج الرجل بالمرأة هذا في حين أن الزواج الحديث الراقي الحضاري هو زواج المثليين! هنا يكمن مقتل الحضارة الغربية وانحطاطها.

خطأ
هناك أطروحة أعارض فيها ميشال أونفري معارضة كاملة. وهي عندما يقول بأن «داعش» أكبر دليل على أن الإسلام بصحة جيدة بل وقوية جداً! ولكن العكس هو الصحيح يا سيد أونفري. «داعش» وسواها من حركات التطرف والظلام هي أكبر دليل على «مرض الإسلام» كما أثبت ذلك المفكر التونسي الراحل عبد الوهاب المؤدب في كتاب جميل يحمل الاسم نفسه. صحة الإسلام تكون بتفكيك «داعش» وكل أيديولوجيتها الإجرامية وإبراز وجه الإسلام الصحيح: إسلام النور والأنوار. عندئذ سوف يستعيد الإسلام صحته وعافيته. أستغرب كيف يخطئ مفكر مهم كميشيل أونفري كل هذا الخطأ في تشخيص الأمور. هل مجرد استعداد المتطرفين لتفجير أنفسهم بشكل عشوائي في حشد من البشر الأبرياء دليل على أن الدين بصحة جيدة؟ معاذ الله.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©