الاتحاد

ثقافة

زر أسفل السجادة جديد القاصة خولة الظاهري

حاصلة على بكالوريوس تربية وآداب من جامعة الإمارات
نشرت في الصحف والملاحق الثقافية الخليجية نصوصا قصصية ومقالات تربوية وسيكولوجية·
صدر لها مجموعة قصصية بعنوان ''سبأ'' عن الدار المصرية اللبنانية والتي فازت بالمركز الثالث من جائزة اندية الفتيات بالشارقة عن فئة الآداب 1998




أبوظبي (الاتحاد)-صدر للقاصة العمانية خولة الظاهري مجموعة قصصية حديثة بعنوان ''زر أسفل السجادة'' عن دار شرقيات للنشر والتوزيع المصرية·
ويقع الكتاب في 135 صفحة من الحجم المتوسط ويضم تسع قصص كتبت في العين بدولة الإمارات العربية المتحدة وتكساس وكليفورنيا بالولايات المتحدة الأميركية ودنيدن بنيوزلندا، وحملت المجموعة أهداء ''إلى من جعل قلبي فرحا·· إلى أولئك الأصدقاء والصديقات، دون غيرهم''·
وهنا ننشر مقتطف من قصة في المجموعة وهي بعنوان (بلا مطر):
رن جرس الهاتف:
ـ أهلا، بالطبع، لا ما نسيت الاتصال بك، فقط جاءني ضيف مفاجئ، سأتصل بك فور مغادرته، أعطني نصف ساعة فقط، أريد أن أسألك أشياء كثيرة عن الجهاز، تعلم كم يأخذني هذا العالم الرقمي وكم تدهشني معرفتك به، شغوف بأن نعيد ما تحدثنا به من قبل، غدا أيضا سوف أمر عليك لنذهب سويا إلى···
التذاكر··· بحث ··· مؤتمر··· كمبيوتر··· جامعة··· مؤتمر··· جامعة··· كمبيوتر··· بحث··· بحث··· بحث··· والطابعة تتقيأ في معدتي، والدوار يعصف بي، يغيبني في دوامة تفاصيل الأمس التي اكتظ بها المكان، ألتقي بها في كل زاوية، أتوجع، يصطدم وجهي بوجه يشبهه معلق في مكان كنا فيه معا، تناولنا فيه القهوة وأحرقنا في مدفأته كل الأشياء التي لا تعنينا· ألتفت ورائي، هذه الكائنات العظيمة على اللوحات، أليست إبداع روحه القلقة الثائرة، وهذا الثقب فوق مفرش المنضدة الأزرق ألم أحدثه أنا بعقب سيجارة؟
ـ إذن سوف أعاود الاتصال بك، أعطني نصف ساعة فقط·
أدركت حينها أن مدة بقائي في هذا المكان نصف ساعة فقط، هي المدة التي سوف تجف فيها ملابسي·
أشار علي: ''دقيقة واحدة فقط، متأسف''، وقبل أن يذهب سألني:
ـ كيف ملابسك؟
وقف ينتظر ردي، هذه هي اهتماماته الصغيرة ونظرته القلقة، قلت:
ـ تقريبا جفت·
ذهب إلى المطبخ، أعاده مرة أخرى جرس الهاتف، وقفت، ذاك أزميل النحت أسندت به قائمة المنضدة المكسورة، ومنحوتة وحيدة تقبع مصفرة بجوار الأشياء في خزانة في المطبخ، تهشم أنفها وامتلأ جبينها بالندوب، كل تلك البعثرة في غرفة الجلوس تبعثرني ثم تعود تجمعني مرة أخرى وتأخذني عيني إلى كل قطعة فيها، التفت إلى المطبخ، الملاعق، السكاكين، علبة الزيت، الأواني، إناء زهور، أصدقائنا في مساءاتنا الجميلة، إناء وردة رأس السنة، كل هذا أصبح علي أن أغادره ريثما تجف ملابسي·
عاد يحمل صينية القهوة، قلت:
ـ بيتك جميل!
ـ نعم، أظنه كذلك لشخص واحد!
ـ هل تقيم هنا بمفردك؟
ـ نعم، منذ زمن طويل!
سكب الحليب في فنجاني بينما تناول قهوته سوداء، ناولني صحنا به قطعة كعك بالجبن، ثم قدم لي سيجارة واحدة ودخن ثلاثا في جلستنا تلك دون أن يقدم لي الثانية· كيف علم عن عاداتي تلك وأداها بالتفصيل؟ لا أدري· ما كنت أدريه في تلك اللحظة أن دوامة الذهول أخذتني مرة أخرى، كان الثقب بارزاً فوق مفرش المنضدة كما هو هذا الثقب الذي أشعر به يحفر قلبي ببطء شديد كداء مزمن· وأحسست أن كل شيء في المكان بدا مستسلما صامتا·
سألني عن اسمي وعن سبب تعطل العربة، وأرشدني إلى أقرب محطة أستطيع فيها إصلاح العطل· وأنا أقف كنت أنتظر أن يعرض عليّ المبيت لليلة· شكرته على ضيافته وحملت حقائبي، أغلق الباب ورائي، التفت، ولم أر سوى ظلي منعكسا على زجاج الباب·
كل شيء يغط في سكون موحش، تذكرت صاحب التاكسي، لم أجد الورقة التي أعطاني، بحثت عنها في حقيبتي ولم أجدها، لا بد وأن الريح قد خطفتها من يدي أثناء انشغالي بطرق الباب·
أي عربة يمكن أن تمر بهذا الطريق في مثل هذه الساعة، لا أدري كيف تأخر بي الوقت؟ كنت أشعر بما يشبه الجراح في يدي، تنبهت أن الحقائب قد أحدثت حزوزاً في باطن كفي وكان البرد يغذي الآلام فيها بقسوة· تركت الحقائب وأخذت أركض في وسط الطريق وحقيبتي الصغيرة لا تزال متشبثة بكتفي، كنت أريد أن أتجاوز وحشة المكان، وهذه الساعات المتأخرة، عسس الليل، كان في قلبي سؤال حانق محروق الرئة، يجر صرخة من أنفاسه المكتومة عن مكان لم تجس فيه أقدامها بعد·
الدوار، الدوار، كم يعصف برأسي، صوت الطابعة، فمها المتآكل يلاحقني، يبتلع كل شيء، المكان والحانات والمقاهي وشجرة السرو، وصوت أغنية قادم من نافذة بعيدة، والتفاصيل تسقط، أتلك بقاياي على جدرانه أم أنها تخيلات الإعياء؟
واصلت الركض مغمضة العينين عــلـّي أسقط في حفرة أو تصدمني عربة وأصحو لأكتشف أن ذلك كان حلما مفزعاً أبقى في ضباب تأثيره لأيام، ثم أرويه كعادة الحالمين وأعود أتنفس عميقا وأحمد الرب أنه كان مجرد حلم·
فتحت عيني وأنا لا أزال أركض على هدير عربة، وأغنية منبعثة من خلال نافذتها المفتوحة، لم أستطع تمييزها· اتجهت نحوي واقتربت حتى حاذتني تماما، اكتشفت أنها تاكسي، انفتح بابها الخلفي، ركبت، وأخذ صوت الأغنية يعلوّ:
''يا حبيبي
امسك المقود جيدا
لأن الزمن سوف يمر من هناك
والزمن وحش من صنف ''أتيلا'' الذي إذا مر حصانه بأرض
زال منها كل أثر للحب''·*
فتح باب العربة، نزلت، ووجدتني أمام بوابة المطار، التفت إلى السائق وكان قد أشعل سيجارة وأخذ يدخن، فتح صندوق الأمتعة وأنزل حقائبي والحزوز لا تزال في باطن كفي تنزف، وبعد لحظات رمى بعقب السيجارة فوق الرصيف ودهسه بعقب حذائه، أدار مقود عربته مدندنا مع الأغنية، وانصرف وهو يضحك·

* المقطع من أغنية لجورج براسنس يقتبسه غابرييل غارسيا ماركيز في قصته ''سفرة سعيدة، سيادة الرئيس'' (من مجموعة ''الحب وشياطين أخرى'')

اقرأ أيضا

«سرديات تأملية» رحلة إلى المستقبل في أعمال تركيبية