السينما ذلك الفن الذي أدهش البشرية منذ مهد بزوغه، ويذهلنا تطوره يوماً بعد يوم، خاصة في أجهزته وأدواته، فن السينما الذي وصفه المؤرخون والمفكرون بأنه الفن الذي يشع على الجمهور جاذبية لا تقاوم، فيتحكم (سلباً أو إيجاباً) في لغتهم، وأذواقهم، وسلوكياتهم، وخطوط ملابسهم، ونوعية معرفتهم...

فن السينما يجعلنا نبحر بدورنا مع شراع علماء ومخترعين جهدوا وضحوا كثيراً من أجل اكتشاف هذا الفن، في حكاية ممتدة، شائقة، وماتعة، ينتزع فيها العلماء جنيناً من محار المجهول، فيستخرجونه متلألئاً براقاً من أجل إسعاد الإنسان، ليزداد بعدها فن السينما بكل جوانبه نمواً، وتقدماً، حتى كبر الجنين، وأصبح يافعاً، فعانق القلوب، وسحر ألباب العقول، ووهب الخيال المجرد في الأذهان ألواناً، وأصواتاً، وأشكالاً جذابة، وحركة تليها حركة، وحوى الذاكرة، بل كساها معاني متجددة بخيرها ومُرها أحياناً، فتجده قد حيّر الشعراء، وتلاعب بعقول الفلاسفة.. فلا عجب أن ينبري عباس محمود العقاد متأثراً بالاختراع الجديد في عام 1916، كأول شاعر عربي مرموق، ويصف بقريحته الشعرية (السينما توجراف) كما كانت تعرف أول عهدها، وأثرها في النفوس والأحلام، عندما تفاعل مع صورها على شاشتها، قائلاً:

بربك ماذا في ستائرك الطلس
أأشباح جن تلك تظهر للإنس
إذا لم تكن جنّاً فما لي عهدتها
تفر فرار الجن من طلعة الشمس
ستور ولكن يكشف النور عندها
فنوناً من الأسرار تخفى على النفس
كأني أرى فيها قريحة شاعر
مصورة للناس في عالم الحس
وتحمدها عين الغريب لأنها
تنوب بها الرؤيا لديه عن الحدس
تحيط عن الطرف الحجاب كما رأى
نبي الهدى في مكة صورة القدس

كشوفات ابن الهيثم
بدايةً لم تنشأ الصور المتحركة كفن، لكن نشأت أولاً كآلة، بمثل ما حدد لنا الكاتب ألبرت فولتون، الذي نرتكز في حكايتنا على بعض شروحه العلمية، ومتابعته التاريخية (1)، والفكرة (اختراع الصورة السينمائية) لم تبدأ -كما هو متداول- في دروب عقل الفنان العالم ليوناردو دافنشي في القرن السادس عشر، عندما وجد شعاعاً يرسم صورة مقلوبة لمنظر خارج الشباك في حجرته المظلمة، وهي بداية تصميم جهاز الكاميرا فيما عرف وقتها (camera obscura)، لكنها بدأت قبلها بقرون، في فكر «أمير النور» كما كان يلقبه العلماء، وهو العالم العربي أبو الحسن ابن الهيثم الذي كان صاحب الإسهام البارز في الكشف عن فكرة الحجرة المظلمة، كما صحح أخطاء جوهرية في نظريات الضوء ممن سبقه من علماء الإغريق، حيث قرر بنظرياته العلمية التي غيّرت مسار الفكر العلمي بدءاً من عام 1021م، أن الإبصار لا يصدر نتيجة شعاع يصدر من العين، لكن يصدر من الأجسام للعين. وأفاض ابن الهيثم في فتوحاته العلمية عن انكسار الضوء، وسرعته، وتكوين الصورة في شبكية العين، وغيرها، فلم يفوت الراهب باكون الإنجليزي الفرصة، وأكمل بعد ابن الهيثم نظرياته في علم البصريات بالقرن الثالث عشر، فنضجت الفكرة عند دافنشي، ومعه الإيطالي النابغة ديلا بورتا، وصقل القرن السابع عشر حينئذ مجموعة الجهود العلمية التي قدمها كل هؤلاء فيما سبق، لينتج عنها اختراع الفانوس السحري عام 1640 للعالم كيرخر، وهو عبارة عن شريحة زجاجية توضع في الفانوس، وتكون خيالاً على الشاشة عبر شعاع ضوئي ينفذ من الشريحة، ويتم تكبيره بواسطة عدسة مكبرة، وتوالت الأجهزة التي تقوم على هذه الفكرة، ثم بعد مدة ليست بالقصيرة -في القرن التاسع عشر- ظهرت عدة أجهزة جديدة، لعرض الرسوم المتحركة في قرص دوار، تقوم فكرتها على توهم المشاهد حين يشاهدها بأن الصور تتحرك، ويرجع هذا الوهم إلى نظرية بالغة الأهمية، تعرف بنظرية «بقاء الرؤية».

بقاء الرؤية
أمسك بزمام المرحلة التالية في سلسلة الاختراعات العالم البلجيكي جوزيف بلاتو (1801-1883) الذي أثبت أن الصورة تبقى بشبكية العين ثلث ثانية تقريباً (2). فعند تسجيل العين لانطباع الخيال، والاحتفاظ به مدة تتراوح بين جزء على عشرين وجزء على عشرة من الثانية، حيث يختفي الخيال، وتقوم في تلك اللحظات آلة العرض السينمائي بسحب الفيلم بين الضوء والعدسة في حركة (توقف ثم انطلاق)، إذ يتوقف عرض الفيلم فترة زمنية تكفي لتلقي العين الصورة، وبعد أن تحتفظ بالخيال تقدم آلة العرض (الكادر- الإطار) التالي، وهكذا، أما حركة التوقف والانطلاق، فهي التي تعطي الوهم بأن (الصور متحركة)...
ويتحرك الفيلم في (الكاميرا) عند التصوير حركة توقف ثم انطلاق، أي مماثل لحركته في آلة العرض، وإن طال زمنياً في الكاميرا عند انتقاله من كادر إلى آخر. وهذا الفارق الزمني، يجعل العين تتلقى الصورة، وتقوم بنقلها للمخ في وقت أطول من وقت تلقي الصورة، وتسجيلها على الفيلم في آلة التصوير، وسرعة تحرك الفيلم في آلة التصوير هي (24 كادراً في الثانية) أي أن آلة التصوير تلقط (24 صورة) فردية في الثانية، حيث لو فرضنا أن وقت تعريض العدسة (500/‏‏‏1) من الثانية، فعندئذ تسجل الكاميرا (500/‏‏‏24) بما يحدث في هذه الثانية. وهذا الشرح لكيفية عمل آلة العرض، والتصوير السينمائي بصورته المعتادة، قبل دخول عصر البرمجة، هو بلا ريب نتيجة من نتائج نظرية «بقاء الرؤية» للعالم بلاتو، الذي فقد عينه في غمرة انهماكه في تجاربه.

حصان «مايبردج»
ونعود في إيجاز لتتبع التطور التاريخي لآلة التصوير والعرض السينمائي، فقبل اكتشاف الإنجليزي ألكسندر باركس لمادة السليولويد بنحو عشر سنوات، فاجأ العالم الفرنسي لوي داجير باكتشافه للفوتوغرافيا في 1839م، حيث استطاع إظهار الصورة الكامنة على اللوح الحساس، الذي تعلوه طبقة من يوديد الفضة، ثم قام بإظهار الصورة بعد تعريضها للضوء مستخدماً بخار الزئبق، وتتابعت الأجهزة، لكنها لم تحقق نجاحاً ملحوظاً مثل: فيتاسكوب عام 1850، وسبوتسكوب عام 1852م...
ثم جاء الأهم بعد ذلك عندما وعد حاكم كاليفورنيا في عام 1872 المصور الفوتوغرافي «إدوارد مايبردج» بمنحه مبلغاً كبيراً، إن قدر على تصوير كل حركات الحصان في لحظات جريه بالسباق، لأنه قد راهن أن سيقان الحصان الأربعة، وقت جريه، تكون في لحظة من اللحظات مرفوعة عن الأرض في وقت واحد، فاستعان بالمصور «مايبردج» ليصور له السباق، فتكون الصورة الفوتوغرافية هي البرهان على صحة رأيه، ويفوز بالرهان. بَيْد أن «مايبردج» أخفق في محاولته، حيث لم يظهر على الصور أي شيء واضح، لكنه ظل مثابراً، ولم ييأس، إلى أن مرت نحو خمس سنوات، ليكون موعده مع لحظة العمر، فبمساعدة مهندس اسمه إيزاكس، وضع «مايبردج» 24 آلة تصوير في محاولته الثانية، لتصوير سباق الخيل، وجعل بُعد عدسة كل آلة عن الأخرى (30 سم)، والتقط صوراً متتابعة، مستخدماً وسيلة كهربية، وبهذا مُنح «مايبردج» حق اختراع وسيلة جهاز لتصوير الأجسام وقت الحركة، وبعد سنوات قليلة جداً عُرضت صور «مايبردج» في باريس، عبر جهاز جديد اسمه «براكسينوسكوب»، لعرض الصورة المتتابعة من خلف ستارة، فانتقلت عدوى الفضول العلمي إلى أشهر علماء القرن التاسع عشر الأميركي‏‏ توماس إديسون، ليكمل السباق العلمي نحو آلة العرض، والكاميرا السينمائية.

فضل ديكسون
لم يكن إديسون مخترع الأسلاك الكهربائية، والفونوغراف، وغيرها، بعيداً عن مواكبة التلاحق العلمي في الكشف عن الجديد في صناعة الصور المتحركة، وهو ما أسنده إلى مساعده المصور الشاب وليم ديكسون، ليقوم بتجاربه في معمله، فتوصل بالفعل المخترع النابه ديكسون إلى طريقة يوضع بها مادة رقيقة ذات حساسية للضوء على شرائط مرنة مصنوعة من السليولويد، فأصبحت هذة المادة تعرف فيما بعد بـ«الفيلم»، ومن الطريف أن كلمة فيلم مشتقة من كلمة (Filmen) في اللغات الأنجلو ساكسونية، ومعناها الزبد الذي يتكون عند تسحين اللبن، ثم اخترع وقتها جورج إيستمان الفيلم المرن، لآلات كوداك في 1889م، في حين قدم ديكسون تحت إشراف أستاذه جهاز (الكنتوسكوب –Kinetoscope)، وهو عبارة عن آلة عرض لمشاهد واحد فقط، عن طريق فتحة صغيرة. ويواصل ديكسون أبحاثه طلباً للمزيد في مناخ علمي يعج بالتجارب والاكتشافات المتلاحقة، فيرسل ديكسون طلباً إلى إيستمان يطلب منه أفلاماً مثقوبة مقاس 35 مم، ليسجل بعدها إديسون في عام 1893م حق اختراع الفيلم الشريطي المصنوع من السليولويد، ويصنع آلة التصوير (الكنتوجراف -Kinetograph) مستفيداً من نظرية بقاء الرؤية، ومن جهاز «الزويترب» للإنجليزي هورنر، وأيضاً من ابتكار الأميركي ايتين ماري لطريقة التصوير بالمسدس، حيث بدلاً من الرصاص وضع ألواحاً فوتوغرافية، لتسجل صور الطيور تباعاً عندما يُطلق الزناد، ثم انتقلت سمعة كل تلك الاختراعات مرة أخرى، لاسيما اختراع إديسون ومساعده، إلى العاصمة الفرنسية، لتلهب خيال الأخوين الشهيرين لوميير اللذين أبدعا آخر الفصول المهمة في قصة ميلاد الصور المتحركة.

الأخوان لوميير
كان الأخوان أوجست ولوي يعملان في مصنع والدهما «أنطوان لوميير»، حتى وصلت إليهما أخبار ما توصل إليه إديسون، ثم بعد رؤيتهما جهاز «الكنتوسكوب»، قررا أن يتركا العمل مع والدهما، ويعتكفا لصنع آلة تصوير وعرض سينمائية، وظلا يدرسان كيفية تطوير جهاز «الكنتوسكوب»، واستفادامن تعديلات الأخوين الأميركيين لاثام، وتوماس آرت، في عمل وسيلة (التوقف ثم الانطلاق) للفيلم، وهكذا ظل الأخوان لوميير يجربان، فشجعهما والدهما، وساهم بأمواله ومصنعه، لتسهيل المدد اللازم لمحاولات ولديه، حتى توصلا إلى ابتكار جهاز العرض السينمائي، الذي يستخدم لعرض الأفلام، عبر مجموعة من الصور الثابتة المطبوعة على شريط من السليولويد، في تتابع سريع توهم المشاهد بأن الصور تتحرك، وذلك بواسطة آلية الخطاف في تحريك الفيلم، وصنعا (كاميرا) تختلف عن جهاز إديسون، في سرعة مرور الفيلم داخلها.
ثم قاما بعدها باستئجار غرفة في بدروم (جراند كافيه) في يوم العرض التجاري التاريخي الذي شهد ميلاد السينما وهو (28 ديسمبر 1895م)، لتتوج باريس خلاصة حكاية اكتشاف تلك الآلة، بما تحويه من صور متحركة، وتحمل معها تراكمات من اختراعات وأحلام علماء وباحثين، ساهموا في مولدها من بقاع العالم، وعبر قرون طويلة، فتتعرف بعدها كل الدنيا على مهد هذا الفن الوليد، وعلى كلمة (سينما) المشتقة من الأصل اليوناني Kinema بمعنى.. حركة.
وقد كان العرض في ذلك اليوم يتضمن عشرة أفلام تسجيلية قصيرة كفيلم «ساعة الغداء في مصنع لوميير» -في لقطة عامة فقط، وكاميرا ثابتة- فنرى عمال المصنع، وهم يغادرونه في مدينة «ليون»، وكذلك فيلم «وصول قطار إلى المحطة» والذي أفزع المشاهدين، فور أن رأوا القطار على الشاشة يتقدم نحوهم، وهي أول لحظة اندهاش كبرى يبثها فن السينما في وعي مشاهديه، مع بدء دخول الفنانين في عالم هذا الوافد الجديد، ومع محاولاتهم لتأصيل الإبداع الفيلمي، واكتشاف فن ودراما الصورة المتحركة، بمكوناتها الجمالية، بعدما اكتمل اختراع الآلة، في تلك المرحلة من السينما الصامتة.

أسماء خلف الأضواء
هنا بعض الأسماء لعلماء، أسسوا لعالم السينما بابتكاراتهم واختراعاتهم:
* أبو الحسن ابن الهيثم، أمير النور، عالم عربي، صاحب فكرة الحجرة المظلمة عام 1021م.
* ليوناردو دافنشي، عالم ورسام إيطالي، صمم أول كاميرا (camera obscura)، في القرن السادس عشر.
* باكون راهب إنجليزي، أكمل نظريات علم البصريات في القرن الثالث عشر.
* ديلا بورتا، عالم إيطالي، بلور نظريات في علم البصريات.
* كيرخر اخترع الفانوس السحري عام 1640.
* جوزيف بلاتو، عالم بلجيكي أثبت أن الصورة تبقى بشبكية العين ثلث ثانية تقريباً.
* ألكسندر باركس، عالم إنجليزي، اكتشف مادة السليولويد.
*لوي داجير، عالم فرنسي، اكتشف الفوتوغرافيا عام 1839م.
* أدوارد مايبردج، مصور فوتوغرافي أميركي، أجرى أول اختبار لتصوير الحركة عام 1872.
* توماس أديسون، ساهم باختراعاته في صناعة الصور المتحركة.
* الأخوين أوجست ولوي لوميير، فرنسيان، تمكنا من تصوير أول فيلم عرض تجارياً.

مصادر
1 ـ السينما آلة وفن، ألبرت فولتون، ترجمة عبد الحليم البشلاوي.
2 ـ تكنيك الخدع السينمائية، د. سيد علي.