الملحق الثقافي

الاتحاد

حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية للدكتور يوسف الإدريسي

ضمن إصدارات مجلة ''مقاربات'' أصدر الناقد والأكاديمي المغربي الدكتور يوسف الإدريسي الطبعة الأولى (2009 ) كتابه الجديد ''التخييل والشعر: حفريات في الفلسفة العربية الإسلامية''· وذلك في 160 صفحة من القطع المتوسط بغلاف للفنانة المغربية نادية خيالي·
تكمن قيمة هذا الكتاب الذي ألفه الأستاذ الإدريسي كون بحثه يقع في إطار النظر في حقيقة الإبداع الشعري عامة، وفي تحديد الجانب الخيالي منه خاصة، وفي بداية التفاعل بين الفكرين النقديين : العربي واليوناني، عن طريق الترجمة، بشكل أخصّ· وهي لحظة وتأسيس لهويّة ثقافة إسلامية عربية، تعتدّ برؤيتها للوجود، وتسعى في إصرار إلى تدوين معارفها وترسيخ كيانها الحضاري· حضارة استصفى دينها الإسلامي جوهر الديانات السابقة، وأرادت أن تستصفي ـ بدورها ـ ما في الحضارات السابقة من علوم ومعارف''· كما يرى الدكتور عباس أرحيلة في تصديره للكتاب ''أن حفرية مولاي يوسف الإدريسي تأتي بحثا عن مفهوم التخييل الشعري، خلال لحظة التأسيس تلك، حين شرعت المصطلحات تنبثق وتتوالد وتتنامى وتتكاثر في حقول المعرفة عامة· وفي حقل الشعرية العربية خاصة· ومن أجل أن يجلي الباحث مفهوم التخييل أثناء نشوء المصطلحات وانبثاقها في فضاء الشعرية العربية، اتجه صوب النصوص المترجمة من اليونانية إلى العربية، خلال العهود الأولى لهذه الترجمة''·
أما الدكتور يوسف الإدريسي فيرى أن كتابه هذا ينطلق ''من تصوُّر مغاير للدراسات السابقة يؤمن بأن مقاربة مصطلح التخييل وإدراك المضامين النظرية والجمالية التي ينطوي عليها في لحظات نضجه الإجرائي، وعبر أبرز مستويات اشتغاله في الخطاب الفلسفي العربي القديم يتطلب أساسا البحث في المراحل الأولى لبداية نشأته وتشكله، والوقوف عند السمات الدلالية والوظائف التداولية التي وسمت استعمالاته اللغوية الأولى في الحقول المعرفية المختلفة، وذلك لتبين ملامحها الدلالية المبكرة ومقارنتها بما آل إليه تطورها ونضجها الاصطلاحي، لأن المصطلحات الفلسفية وغير الفلسفية في الثقافة العربية - باعتبارها آليات لتحليل الخطاب - كانت في البداية مفردات لغوية تنطوي على معاني عادية قبل أن ترقى إلى المصطلح، ومن الخطأ الاعتقاد أنها تتخلى في عملية الانتقال هاته عن كل الخصائص الدلالية والوظيفية الراسخة في سجلها التداولي، بل إن هذه العملية مشروطة بالإبقاء على بعض المعاني العالقة بها وإعطائها بعدا دلاليا جديدا وخاص· وهذا ما حدث بالفعل لكلمة تخييل التي سادت في النصوص الفلسفية واللغوية العربية الأولى، فتضمنت أبرز الملامح الدلالية التي سيقوم عليها توظيفها الاصطلاحي عند الفلاسفة المسلمين·
ومن ثمة، فالمطلوب'' أولا القيام بـ''حفريات معرفية'' في الترجمات والتلاخيص المبكرة للتراث اليوناني، التي تسبق ـ افتراضا ـ لحظة نضجها الاصطلاحي، والتي يمثلها الفارابي في نظر كثير من الدارسين، وذلك للكشف عن الطبقات الدلالية الأولى المترسبة في ذاكرة كلمة تخييل، وإبراز مجمل الخصائص والمميزات العالقة باستعمالاتها اللغوية والمعرفية المختلفة، لأن من شأن ذلك أن يمكن من معرفية كيفية تشكل كيانها الاصطلاحي وأسسها في الخطاب الفلسفي، وأن يفيد في فهم طبيعتها وأصول توظيفها في مختلف المعارف العربية القديمة، خاصة أن الكلمة استخدمت في علوم أخرى، كما سيمكن ذلك من إبراز مدى إسهام الفلاسفة المسلمين في إغناء مضمونها الاصطلاحي وقيمتها الجمالية''·
ينقسم الكتاب إلى أربعة فصول ''يتناول الفصل الأول منها مفهوميّ ''الخيال والمحاكاة'' لدى أفلاطون وأرسطو لكون تصورهما ـ حسب المؤلف ـ يمثل الأساس النظري الذي اعتمد عليه الفلاسفة المسلمون لتشكيل مصطلح للتخييل·وسيقف الفصل الثاني عند النصوص الفلسفية العربية الأولى التي تضمنت الإرهاصات الأولى الدالة على بداية تشكل مفهوم التخييل في السياق الفلسفي، وسيتابع في البداية مختلف استعمالات كلمة ''تخييل''، سواء تلك التي تنطوي على دلالات لغوية عامة، أم تلك التي تتضمن بعض الدلالات الخاصة ذات الملامح الاصطلاحية، كما سيتناول هذا المبحث ما يمكن اعتباره إبدالات لمفهوم التخييل، والمقصود بذلك مختلف التصورات والمصطلحات التي تشير إلى الخاصية الخيالية للخطاب الشعري دون أن تحددها بالمصطلح الدال عليها·
وسيعالج الفصل الثالث الدراسات النفسية القديمة، وسيقف عند تصور الفلاسفة لعمليات الإدراك الذهني، وتحديدهم لملكاته النفسية ومستوياته الدلالية، لأن كلمة تخييل وردت أول ما وردت في الترجمات والرسائل الأولى في النفس، ولأن مفهوم التخييل يقوم لدى الفلاسفة المسلمين على أساس نفسي، ولا مجال لإدراك ذلك دون فهم طبيعة الحركات الذهنية للقوى الخيالية ووظائفها النفسية والإدراكية·
أما الفصل الرابع فسيبحث كيفية توظيف الفارابي وابن سينا وابن رشد لمفهوم التخييل انطلاقا مما استفادوه من الترجمات العربية القديمة لكتب أرسطو في النفس والشعر والخطابة· وسيرصد هذا الفصل كذلك الآثار التي خلفتها الاستعمالات والدلالات المختلفة لمصطلح تخييل في تلك النصوص على تحديدهم لماهية التخييل ووظيفته الجمالية، كما سيبين أبرز التصورات التي انتهوا إليها في سياق تأكيدهم ترابط الشعر والتخييل وتفاعلهما''· ويأتى هذا الكتاب بعد كتاب آخر أصدره الدكتور الإدريسي قبل أشهر قليلة بعنوان ''الخيال والمتخييل بين الفلسفة والنقد الحديثين

اقرأ أيضا