الاتحاد

الملحق الثقافي

مسيرة شعب من الحطام إلى القيام

يشير المؤلف إلى أن الشهيد صلاح خلف هو من أطلق على طلائع حرب التحرير الشعبية اسم (الصاعقة/ البالماخ بالعبرية أو كتائب السحق بالعربية)، وأن تنظيماً فلسطينياً انشق عن الجبهة الشعبية عام 1972 تحت اسم الجبهة الثورية بقيادة العراقي أحمد الفرحان ومن قادته النائب اللبناني السابق ناصر قنديل، وأن منظمة فلسطين العربية وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني لعبتا دوراً في عملية الكوماندوز المصرية ورجال الضفادع البحرية في تدمير السفينة الإسرائيلية إيلات، عندما جرى إيصال المجموعة المصرية من مطار الحبانية في العراق إلى الأردن وتأمين الإقامة الأمينة لها داخل قاعدة لجبهة النضال جنوب البحر الميت، وأن تنظيم الهيئة العاملة لتحرير فلسطين بقيادة الشهيد الدكتور عصام السرطاوي بدأ تنظيماً متطرفاً يدعو لخطف الطائرات وانتهى قائده في التنظير لمفاوضات تسوية مباشرة، كما سيرة تنظيمات لعبت دوراً في أحداث الأردن، واستغلت أحياناً ككبش فداء مثل: كتائب النصر الفدائية بقيادة طاهر دبلان، ومنظمة فلسطين العربية بقيادة الشهيد أحمد زعرور، فضلاً عن التوفيق أمام عملية الخالصة التي شكلت البداية للعمليات الفدائية النوعية، والتي فتحت مسارها الجبهة الشعبية/ القيادة العامة·


في ''صفحات من تاريخ الكفاح الوطني الفلسطيني'' الصادر عن دار صفحات للنشر في دمشق والواقع في 272 صفحة يحاول الكاتب علي بدوان أن يقترب من توثيق الفعل، والاجتهاد في تدوين مسيرة شعب مكافح على طريق الحرية والاستقلال، وأن يضيء شمعة متواضعة أمام وهج العطاء المستند إلى التضحيات المتواصلة منذ ليل النكبة الطويل·
يدون الكاتب شيئاً من ذاكرة الكفاح على لوحة الموزاييك الفلسطينية التي تعج بألوان الطيف الأيديولوجي الفكري والسياسي، ويرصد مسار الفعل الكفاحي بتجلياته المختلفة، من القلم إلى البندقية في مسيرته·
عكس المؤشر
يكتب الكاتب عبارات سريعة، لتاريخ شعب مازال يئن تحت وجع فقدان الوطن، ولمسيرة فلسطينية من الحطام إلى القيام، مسيرة مكنت الفلسطينيين مرة ثانية من (إدارة الدولاب) ومن إطلاق مرحلة (عكس المؤشر) ومن عنوان (الضياع) وسفينة (الغياب)، ومن معادلة (الرثاء وبكاء الخرائب)، إلى معادلة (الكفاح وبناء الكتائب)·
يستعرض المؤلف بيبلوغرافيا العشرات من القوى (تنظيماً وحركة وحزباً وجبهة وتحالفاً وعصبة وكتيبة وسرية ··) بأسماء من الفهد الأسود إلى النسر الأحمر، إلى كتائب رمز العزة الوطنية والقومية الشهيد عز الدين القسام··· وما ضاقت الأرض بما رحبت، وفي سيرة تضج بالمعلومات والأسماء لأشخاص وأفراد بعضهم عاش وغادر الدنيا دون ضجيج، وبعضهم ملأ الكفاح الفلسطيني صخباً وحضوراً، بينما غابت أسماء المئات بل وعشرات الآلاف من المجهولين ممن عبدوا الطريق بصمت فغادروا حياة الشعب وفلسطين في قوافل الشهادة·
يكتب ومضات من رحلة بناء الوعي الوطني الفلسطيني وتشكله بين أبناء الشتات الذين تفتحت عيونهم على الحياة بين أزقة وحواري المخيم، راصدا البناء الهرمي الذي تسامى مع سمو القضية الفلسطينية ورحلة الكفاح الطويلة من الشقاء من أجل البقاء، وفي البحث عن (الوطن والخبز والحرية)، مع هذا النـزوع الفطري المتشكل مع لبن التخليق الفلسطيني في طرح الأسئلة وتدوين الذاكرة بملف الوطن على لسان ويد من خرج من فلسطين من أجيال النكبة إلى دياسبورا الشتات والمنافي القسرية، في نمو بذور الثورة والمقاومة، وبواكير الكفاح الفلسطيني المسلح من خلال الخلايا الأولى التي تشكلت مع مخاض الرصاصات الأولى، التي هيأت لانطلاقة نوى المقاومة الفلسطينية المسلحة، وإرهاصاته وعوامل التأسيس التي بدأت في قطاع غزة وسوريا ولبنان والأردن وامتدت إلى دول الخليج العربي، حيث التربة الخصبة التي ساعدت على نمو وانطلاق شرارات الثورة الفلسطينية المعاصرة، متتبعين نقاط الالتواءات والانعطاف والمراحل الحساسة التي مرت بها الحركة الوطنية الفلسطينية في بداياتها الصعبة·
واستطاع المؤلف أن يدون ما استطاع من الصورة البانورامية، التي تنضح بنـزوع الشعب إلى الخلاص، كما تضج بهذا التنوع المشروع في لوحة الموازييك الفكري والأيديولوجي الفلسطيني، في سيرة البحث والخلاص على طريق التحرر والاستقلال، في سيرة ذاتية لمجموع القوى والأحزاب الفلسطينية التي نشأت بعد النكبة في مواقع الشتات المختلفة وفي قطاع غزة والضفة الغربية· منها تنظيمات تلاشت سريعاً ومنها من بقي لفترة زمنية ومنها من اندمج مع غيره، والقليل منها استمر إلى الآن·
ولم ينس المؤلف أن يتوقف أمام حدث اعتقال الدكتور جورج حبش عام 1968 من قبل مخابرات المرحوم عبد الكريم الجندي، وتهريبه من سجن (كراكون الشيخ حسن) على يد الشهيد الدكتور وديع حداد، حيث استغل الدكتور حبش فترة اعتقاله التي دامت سبعة أشهر في كتابة وثيقة المؤتمر العام الثاني للجبهة الشعبية··· كما ويعيد قراءة نهوض الحركة الإسلامية المقاتلة في فلسطين في انبثاقها الهائل الذي أسهم في توالد الجديد من التحولات في الخريطة السياسية والأيديولوجية في الساحة الفلسطينية·
قراءة وتحليل
وفي القراءة والتحليل، يتوقف أمام خيبات العمل الفلسطيني المقاوم في كبوته وإلى حين نهوضه، فنجد تراجعاته مؤطرة في ذاتها ولذاتها، فالعامل الإطاري العربي، كان له أبلغ الأثر في تشظيات الجهد الفلسطيني الوطني، ومانراه فوق الساحة الداخلية الفلسطينية اليوم، إنما هو امتداد للغيوم السوداء، فوق حقل فلسطيني يريد أن يتفاهم، فالمحورية الإقليمية العربية المتنابذة، تجذرت في وجهات وتنظيرات وفلسفات··· والمشكلة أن ساحة الصراع، تدور فوق الأرض الفلسطينية المحتلة، والتي هي بأمس الحاجة إلى تضامن وطني متحد، ويبقى في حكم البديهيات، أن الاحتلال، يفرض حالة وطنية جامعة، لايجوز للفروق أن تهددها··· خارج الوعاء الوطني المقاوم·
إن وقائع التجربة، تشدد بأن العمل الفلسطيني المسلح، تنقصه ضرورات وحتميات، وهي ليست دعوة لمناهضة المقاومة كما يمكن أن يخرج علينا، أحد المتسرعين، لكن ما يقترحه المؤلف، يمكن أن يشيد منبراً حوارياً، مع الإشارة إلى أن واقع المقاومة الفلسطينية، لايماثل غيره في استنساخ متسرع، فالموقف الأقرب إلى النضج والاعتدال يقر بأن تطور العمل الفلسطيني المقاوم، في ظل انتفاضة الأقصى والاستقلال، يجب أن يساير بالضرورة حركة الانتفاضة ذاتها، مع الحفاظ على طابعها الجماهيري الواسع، فالوقوع في مطب عسكرة الانتفاضة ـ مع انتفاء شروط نجاحها لانكسار مفجع في التكافؤ ـ يجلب كوارث إضافية، ويضعها وجهاً لوجه أمام آلة كلية التدمير، مقابل شعب شبه أعزل· فالعمل العسكري في صفوف الانتفاضة، يجب أن يأخذ بناصية استراتيجية دقيقة، تنبع من أهمية الحفاظ على ديمومة (عدم انقطاع) الطابع الجماهيري لرفد الانتفاضة، وهو مايتطلب دخول أوسع قطاعات الشعب وطبقاته وفئاته وقواه، فيما يجري توجيه العمل المسلح، وهي دعوة بداية لانهاية

اقرأ أيضا